تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

ثم قال تعالى :

{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء ، فقال : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } أي : قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها ، فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة ، فوقف عليها ذلك الرجل متعجبا و { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى ، فلما أراد الله به خيرا أراه آية في نفسه وفي حماره ، وكان معه طعام وشراب ، { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته ، فقيل له { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } أي : لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه ، ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد ، مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادا { وانظر إلى حمارك } وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه ، وتفرقت أوصاله { ولنجعلك آية للناس } على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم ، لتكون أنموذجا محسوسا مشاهدا بالأبصار ، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } أي : ندخل بعضها في بعض ، ونركب بعضها ببعض { ثم نكسوها لحما } فنظر إليها عيانا كما وصفها الله تعالى ، { فلما تبين له } ذلك وعلم قدرة الله تعالى { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا ، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه أحدها قوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك ، والثاني : أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه فيقر بما أنكره ، ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها ، ولا في السياق ما يدل على ذلك ، ولا في ذلك كثير فائدة ، ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها ؟ ! وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله ، والثالث في قوله : { فلما تبين له } أي : تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه ، فعلم بذلك صحة ما ذكرناه ، والله أعلم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

{ أو كالذي مر على قرية } تقديره أو رأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه ؛ لأن كلتيهما كلمتا تعجب ، ويجوز أن يحمل على المعنى كأنه يقول : أرأيت كالذي حاج إبراهيم ، أو كالذي مر على قرية وهذا المار قيل : إنه عزيز ، وقيل : الخضر .

فقوله :{ أنى يحيى هذه الله } ليس إنكارا للبعث ولا استبعادا ولكنه استعظام لقدرة الذي يحيى الموتى ، أو سؤال عن كيفية الإحياء وصورته ، لا شك في وقوعه ، وذلك مقتضى كلمة أنى فأراه الله ذلك عيانا ليزداد بصيرة ، وقيل : بل كان كافرا وقالها إنكارا للبعث واستبعادا ، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه ، وذلك أعظم برهان .

{ وهي خاوية على عروشها } أي : خالية من الناس ، وقال السدي : سقطت سقوفها وهي العروش ، ثم سقطت الحيطان على السقف .

{ أنى يحيى هذه الله } ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم لأن هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار ولذلك أراه الله الحياة بعد موته ، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر وقيل : قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف .

{ كم لبثت } سؤال على وجه التقرير { قال لبثت يوما أو بعض يوم } استقل مدة موته ، قيل : أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام فظن أنه يوم واحد ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله : { يوما أو بعض يوم } .

{ فانظر إلى طعامك وشرابك } قيل : كان طعامه تينا وعنبا وأن شرابه كان عصيرا ولبنا .

{ لم يتسنه } معناه لم يتغير بل بقي على حاله طول مائة عام ، وذلك أعجوبة إلهية ، واللفظ يحتمل أن يكون مشتقا من السنة ، لأن لامها هاء ، فتكون الهاء في يتسنه أصلية . أي لم يتغير السنون ويحتمل أن يكون مشتقا من قولك تسنن الشيء إذا فسد ، ومنه الحمأ المسنون ، ثم قلبت النون حرف علة كقولهم قصيت أظفاري ثم حذف حرف العلة للجازم ، والهاء على هذا هاء السكت .

{ وانظر إلى حمارك } قيل : بقي حماره حيا طول المائة عام ، دون علف ولا ماء ، وقيل : مات ثم أحياه الله ، وهو ينظر إليه .

{ ولنجعلك آية للناس } التقدير فعلنا بك هذا لتكون آية للناس ، وروي : " أنه قام شابا على حالته يوم مات فوجد أولاده وأولادهم شيوخا " .

{ وانظر إلى العظام } هي عظام نفسه ، وقيل : عظام الحمار على القول بأنه مات { ننشرها } بالراء نحييها ، وقرئ بالزاي ، ومعناه نرفعها للأحياء .

{ قال أعلم } بهمزة قطع وضم الميم أي قال الرجل ذلك اعترافا ، وقرئ بألف وصل ، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك .