ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا ، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال ، وحكم بجهل صاحبه وسفهه ، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة ، وأن الله يقول لهم : { نَادُوا شُرَكَائِيَ } بزعمكم أي : على موجب زعمكم الفاسد ، وإلا فبالحقيقة ليس لله شريك في الأرض ، ولا في السماء ، أي : نادوهم ، لينفعوكم ، ويخلصوكم من الشدائد ، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } لأن الحكم والملك يومئذ لله ، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ } أي : بين المشركين وشركائهم { مَوْبِقًا } أي ، مهلكا ، يفرق بينهم وبينهم ، ويبعد بعضهم من بعض ، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم ، وكفرهم بهم ، وتبريهم منهم ، كما قال تعالى { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ويوم يقول} للمشركين، {نادوا شركائي}: سلوا الآلهة،
{الذين زعمتم} أنهم معي شركاء، أهم آلهة؟
{فدعوهم فلم يستجيبوا لهم}، يقول: فسألوهم، فلم يجيبوهم بأنها آلهة،
{موبقا}، يعني: واديا عميقا في جهنم.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ ذكره "وَيَوْمَ يَقُولُ "الله عزّ ذكره للمشركين به الآلهة والأنداد "نادُوا شُرَكائيَ الَذِينَ زَعَمْتُمْ" يقول لهم: ادعوا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في العبادة لينصروكم ويمنعوكم مني، "فَدَعَوهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ" يقول: فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم، "وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا".
فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛
فقال بعضهم: معناه: وجعلنا بين هؤلاء المشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء في الدنيا يومئذٍ عداوة...
وقال آخرون: معناه: وجعلنا فعلهم ذلك لهم مَهْلِكا... قال ابن زيد، في قوله: "وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا" قال: الموبق: المهلك، الذي أهلك بعضهم بعضا فيه، أوبق بعضهم بعضا... وقال آخرون: هو اسم واد في جهنم...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب... في تأويل الموبق: أنه المهلك، وذلك أن العرب تقول في كلامها: قد أوبقت فلانا: إذا أهلكته. ومنه قول الله عزّ وجلّ: "أوْ يُوبِقْهُنّ بِمَا كَسَبُوا" بمعنى: يهلكهنّ. ويقال للمهلك نفسه: قد وبق فلان فهو يوبق وبقا... وجائز أن يكون ذلك المهلك الذي جعل الله جلّ ثناؤه بين هؤلاء المشركين هو الوادي... وجائز أن يكون العداوة...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال: {شركائي} على زعمهم، وإلا لم يكن لله شركاء. {فدعوهم} يعني دعوا الأصنام التي عبدوها {فلم يستجيبوا لهم}. قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما قالوا: {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} (يونس: 29) ولكن قوله: {فلم يستجيبوا لهم} لما كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنما كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا شفعاء وأنصارا كقولهم: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (يونس: 18) وكقولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وكقوله: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} {كلا} (مريم: 81و82) فيكون قوله {فلم يستجيبوا لهم} ما طمعوا بعبادتهم الأصنام من الشفاعة والنصرة ودفع ما حل بهم عنهم والمنع عن عذاب الله،...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
أَخبر تعالى عن حالهم يوم القيامة فقال واذكرْ يوم يقول الله تعالى للمشركين نادوا شركائي الذين زعمتم -على وجه التقريع والتوبيخ- واستغيثوا بهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
عِلمَ الحقُّ -سبحانه- أَنَّ الأصنامَ لا تغني ولا تنفع ولا تضر، ولكن يعرِّفهم في العاقبة بما يُصَيِّر معارفَهم ضرورية حَسْماً لأوهام القوم؛ حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَربُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى} [الزمر:3]. فإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم، وكان استيلاء الحسرة عليهم، وذلك من أشد العقوبات لهم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وإضافة الشركاءِ إليه على زعْمِهم: توبيخاً لهم وأراد الجِنَّ... {مَّوْبِقاً}... والمعنى: عداوة هي في شِدّتها هلاكٌ... ويجوز أن يريد الملائكة وعُزَيْراً وعيسى ومريم، وبالمَوْبِق: البَرْزَخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمداً بعيداً تَهلك فيه الأشواطُ لِفَرْطِ بُعْدِه؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجِنان...
ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا: {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا}
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فقال تعالى عاطفاً على {إذ قلنا} عادلاً إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى {وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا} [الكهف: 48] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: {ويوم} أي واذكر يوم {يقول} الله لهم تهكماً بهم: {نادوا شركائي} وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين زعمتم} أنهم شركاء {فدعوهم} تمادياً في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم. ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في مظهر العظمة: {وجعلنا بينهم} أي المشركين والشركاء {موبقاً} أي هلاكاً أو موضع هلاك، فاصلاً حائلاً بينهم، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً، لا يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى {فزيلنا بينهم} [يونس: 28] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل قوله تعالى {ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار} [الأعراف: 38] {هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} [النحل: 86] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} [العنكبوت: 25] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين.. إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان. والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا، ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا.. وإنهم لفي ذهول ينسون أنها الآخرة، فينادون. لكن الشركاء لا يجيبون! وهم بعض خلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا في الموقف المرهوب. وقد جعل الله بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء.. إنها النار (وجعلنا بينهم موبقا)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الكهف: 50] فيقدر: واذكر يوم يقول نادوا شركائي، أو على جملة {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض} [الكهف: 51]، فالتقدير: ولا أشهدت شركاءهم جميعاً ولا تنفعهم شركاؤهم يوم الحشر، فهو انتقال من إبطال معبودية الشيطان والجن إلى إبطال إلهية جميع الآلهة التي عبدها دهماء المشركين مع بيان ما يعتريهم من الخيبة واليأس يومئذٍ...
واليوم الذي يقع فيه هذا القول هو يوم الحشر. والمعنى: يقول للمشركين، كما دل عليه قوله: {الذين زعمتم}، أي زعمتموهم شركائي. وقدم وصفهم بوصف الشركاء قبل فعل الزعم تهكماً بالمخاطبين وتوبيخاً لهم، ثم أردف بما يدل على كذبهم فيما ادعوا بفعل الزعم الدال على اعتقاد باطل.
والنداء: طلب الإقبال للنصرة والشفاعة.
والاستجابة: الكلام الدال على سماع النداء والأخذُ في الإقبال على المنادي بنحو قول: لبيكم.
وأمره إياهم بمناداة شركائهم مستعمل في معناه مع إرادة لازمه وهو إظهار باطلهم بقرينة فعل الزعم. ولذلك لم يسعهم إلا أن ينادوهم حيث قال {فدعوهم} لطمعهم، فإذا نادوهم تبين لهم خيبة طمعهم. ولذلك عطف فعل الدعاء بالفاء الدالة على التعقيب. وأتي به في صيغة المضي للدلالة على تعجيل وقوعه حينئذٍ حتى كأنه قد انقضى.
والموبق: مكان الوُبوق، أي الهلاكِ... والموبق هنا أريد به جهنم، أي حين دعوا أصنامهم بأسمائهم كوَّن الله فيما بين مكانهم ومكان أصنامهم فَوهات جهنم، ويجوز أن تكون جملة {وجعلنا بينهم موبقاً} جملة حال أي وقد جعلنا بينهم موبقاً تمهيداً لما بعده من قوله: {ورأى المجرمون النار} [الكهف: 53].
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لقد كُنتم تنادونهم عمراً كاملا، وكنتم تسجدون لهم، واليوم وبعد أن أحاطت بكم أمواج العذاب في ساحة الجزاء، نادوهم ليأتوا لمساعدتكم ولو لساعة واحدة فقط. هناك ينادي الأشخاص الذين لا تزال ترسبات أفكار الدنيا في عقولهم: (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم). فلم يجيبوا على ندائهم، فكيف بمساعدتهم وإنقاذهم!! (وجعلنا بينهم موبقاً).
ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك ، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون{[46571]} عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ، فقال تعالى عاطفاً على { إذ قلنا } عادلاً إلى مقام الغيبة ، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى{ وعرضوا على ربك صفاً{[46572]} لقد جئتمونا }[ الكهف : 48 ] في حجب الجلال والكبرياء ، {[46573]}وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة{[46574]} : { ويوم } {[46575]}أي واذكر يوم{[46576]} { يقول } الله لهم تهكماً بهم : { نادوا شركاءي } {[46577]}وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها ، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى{[46578]} : { الذين زعمتم } أنهم شركاء { فدعوهم } تمادياً في الجهل والضلال { فلم يستجيبوا لهم{[46579]} } أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم{[46580]} إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم .
ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم ، قال في مظهر العظمة : { وجعلنا بينهم } أي المشركين والشركاء { موبقاً * } أي{[46581]} هلاكاً أو{[46582]} موضع هلاك ، فاصلاً حائلاً بينهم ، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً ، لا يشذ عنه منهم أحد ، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى{ فزيلنا بينهم }[ يونس : 28 ] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة ، ومثل قوله تعالى{ ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار }[ الأعراف : 38 ] { هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك }[ النحل : 86 ] ونحوه ، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى{[46583]}{ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً{[46584]} }[ العنكبوت : 25 ] وأن كل فريق يطلب للآخر{[46585]} الهلاك ، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه ، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب ، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما{[46586]} أنه قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وقال الحسن البصري : عداوة{[46587]} .
وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق{[46588]} - يائية وواوية{[46589]} مهموزة وغير مهموزة ، ولها{[46590]} أحد عشر تركيباً : واحد{[46591]} يائي : بقي ، وستة واوية : قبو ، قوب ، بقو ، بوق ، وقب ، وبق ، وأربعة مهموزة : قبأ ، قأب ، بأق ، أبق - كلها تدور على الجمع ، وخصوصاً ترتيب وبق يدور على الحائل بين شيئين ، ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو فعلاً ، لأن {[46592]}من حيل{[46593]} بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان الحائل موتاً ، وبالقوة إن كان غيره ، يقال : قبأ الشيء : جمعه{[46594]} بأصابعه ، والبناء : رفعه ، والزعفران : جناه ، والقبا - بالقصر : نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضاً ، والقبا : تقويس{[46595]} الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض ، والقبوة : انضمام ما بين الشفتين ، ومنه القباء من الثياب ، وقباه تقبية : عباه ، أي جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو ، وقبى عليه{[46596]} تقبية : عدا عليه في أمره - لأنه كان{[46597]} كأنه أوقعه في حفرة ، والثوب : جعل منه قباء ، وتقبى القباء : لبسه ، وزيداً : أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه مخاتلة ، وتقبى الشيء : صار كالقبة ، وامرأة قابية{[46598]} : تلقط العصفر وتجمعه ، و{[46599]}القابياء : اللئيم - لأنه بناء مبالغة ، فيدل على كثرة الجمع والحرص اللازمين للؤم{[46600]} ، وبنو قابياء : المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم اللئام ، وقباء - بالضم ويذكر ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة ، وموضع بين مكة والبصرة ، وانقبى : استخفى ، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء : قاب قوسين{[46601]} ، والمقبي : الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار كالبناء ، والقباية : المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء والوقبة ما فيها . ومن مهموزه : قبأ الطعام - كجمع{[46602]} : أكله ، ومن الشراب : امتلأ ، والقباءة{[46603]} : حشيشة ترعى{[46604]} - لأن المال يجتمع على رعيها .
ومن الواوي : قاب الأرض يقوبها وقوّبها{[46605]} : حفر فيها شبه التقوير - لأن الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها ، لأنه لا زوايا فيها فاصلة ، وقوبت الأرض : آثرت فيها ، والقوبة : ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه {[46606]}يكون غالباً{[46607]} على هيئة الدائرة ، وتقوب جلده : تقلع عنه الجرب ، وانحلق عنه الشعر - إما من الإزالة ، وإما لأن{[46608]} آثاره تكون كالدوائر ، وقوب الشيء : قلعه من أصله - لأن أثره{[46609]} إذا انقلع يكون حفراً مستديراً ، وتقوب هو : تقلع ، والقائبة والقابة : البيضة - لأنها لتدويرها{[46610]} تشبه ذلك الحفر ، والقوب - بالفتح : فلق الطير بيضه ، وبالضم : الفرخ - لأنه{[46611]} منها ، وفي المثل : تخلصت قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه ، والقوبيّ : المولع بأكل الأقواب أي الفراخ ، والقوب - كصرد : قشور البيض ، وتقوبت البيضه : انقابت أي انحفرت ، وأم قوب : الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر ، وقاب : قرب - لأن القرب مبدأ الجمع ، وقاب : هرب ، أي{[46612]} سلب القرب - ضد ، وقاب : فلق ، أي شق{[46613]} الجمع فهو من الإزالة أيضاً ، وقاب قوس وقيبه ، أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك الحفر ، والقاب : ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك ، ولكل قوس قابان ، والأسود المتقوب : الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدوّر ذلك الجلد وشبهه بالحفرة ، واقتاب الشيء : اختاره ، أي جمعه إليه ، ورجل مليء {[46614]}قوبة - كهمزة : ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع ، وقوب من الغبار : اغبر - إما لأن من يحفر ذلك يغبر ، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل تلك الحفرة .
ومن مهموزه : قأب الطعام - كمنع : أكله ، والماء : شربه كقئبه - كفرح ، أو شرب كل ما في الإناء ، وقئب من الشراب : تملأ ، وهو مقأب{[46615]} - كمنبر : كثير الشرب{[46616]} للماء ، وإناء قَوأب : كثير الأخذ للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص بالأكل والشرب ، أو أنه جمعه في وقبة{[46617]} بطنه .
ومن الواوي : بقاه بعينه : نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع ، وابقُه بَقْوَتَك مالَك ، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك{[46618]} مالك ، وبقوته : انتظرته - وهو يرجع إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ ، ويلزم الحفظ الثبات . ومن اليائي : بقي الشيء بقاء : ثبت ودام ضد فني ، والاسم البقوى - كدعوى ، ويضم ، والبقيا - بالضم والبقية ، وقد توضع الباقية موضع المصدر .
ومن واويّه : البوقة : الجمع{[46619]} والدفعة من المطر الشديدة أو المنكرة تنباق - لأنها{[46620]} نزلت من وقبة لشدتها ، والبوائق : العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها ، والبوائق : الشر - لأنه مهلك ، فكأنه موقع في المهالك ، والبوق - بالضم : شبه منقاب{[46621]} ينفخ فيه الطحان ، أو{[46622]} الذي ينفخ فيه مطلقاً ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه الوقبة ، والبوق أيضاً : الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك ، والمبوق{[46623]} - كمعظم : الكلام الباطل ، والبوق - بالفتح : من لا يكتم السر - لأن البوق متى نفخ فيه صوّت ، والبوقة : شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن{[46624]} وقع فيه وقبة ، والبائقة{[46625]} : الداهية - كأنها تدفع من أتته{[46626]} في الوقبة ، وانباقت عليه بائقة : انفتقت ، وباق : جاء بالشر والخصومات - من ذلك{[46627]} ، وكذا باق ، أي {[46628]}تعدى على{[46629]} إنسان ، وانباق به : ظلمه ، والبائقةُ القومَ : أصابتهم ، كانباقت عليهم ، أي خرجت لشدتها من وقبة ، والباقة : الحزمة{[46630]} من بقل - لاجتماعها ، وباق بك : طلع عليك من غيبة{[46631]} - كأنه كان في حفرة فخرج ، ومنه باق فلان : هجم على قوم بغير إذنهم ، وباق القوم : سرقهم ، وباق به : حاق به{[46632]} ، أي - أحاط كما تحيط الوقبة ، وباق القوم عليه : اجتمعوا فقتلوه ظلماً ، وباق المال : فسد وبار - كحال{[46633]} من وقع في حفرة ، ومنه متاع بائق : لا ثمن له ، وتبوّق في الماشية : وقع فيها الموت وفشا ، والحاق باق : صوت الفرج عند الجماع - لأنه من الجمع ، ولأن الفرج وقبة ، ومن مهموزه : بأقتهم الداهية بؤوقاً : أصابتهم ، وانبأق عليهم الدهر : هجم عليهم بالداهية .
ومن الواوي ، الوقبة : كوة عظيمة فيها ظل ، والوقب والوقبة : نقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء ، وقيل : هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماء ، وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف{[46634]} ، والوقبان من الفرس : هزمتان{[46635]} فوق عينيه ، ووقب المحالة : الثقب الذي يدخل فيه المحور ، ووقبة {[46636]}الدهن : أنقوعته ، وكذا وقبة الثريد ، ووقب الشيء : دخل في الوقب ، وأوقب الشيء : أدخله{[46637]} فيه ، وركية وقباء : غامرة الماء ، وامرأة ميقاب : واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم ، يريدون سبهم{[46638]} بذلك ، والميقاب : الرجل الكثير الشرب للماء ، والحمقاء أو{[46639]} المحمقة ، وسير الميقاب : أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى على ظهره ، ووقب القمر وقوباً : دخل في الظل الذي يكسفه{[46640]} - كأنه{[46641]} حفرة ابتلعته ، ووقبت الشمس وقوباً : غابت كذلك ، وقيل : كل ما غاب{[46642]} فقد وقب ، ووقب{[46643]} الظلام ، أقبل . أي فصار كالوقبة ، فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء ، ورجل وقب{[46644]} : أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع ، لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه ، والأنثى : وقبة ، وقال ثعلب : الوقب : الدنيء ، أي لأنه{[46645]} يتبع نفسه هواها فيصير كأنه الوقبة لا ترد شيئاً مما يلقى فيها ، ووقب الفرس وقباً وهو صوت قنبه ، أي وعاء قضيبه ، وقيل : صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه كالوقبة ، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه ، والقبة - كعدة{[46646]} : الإنفحة إذا عظمت من الشاة{[46647]} ، قال ابن الأعرابي : ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن شبه الإنفحة بالوقبة ظاهر ، والوقباء : موضع يمد ويقصر ، والوقبى : ماء لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما{[46648]} فيها ، والأوقاب : قماش البيت كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها{[46649]} أو لأنها جامعة{[46650]} لشمل من فيه ، والميقب : الودعة ، وأوقب القوم : جاعوا ، أي تهيؤوا لإدخال الطعام في وقبة الجوف ، وذكر أوقب : ولاّج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي الحفر ، والوقب : الإقبال والمجيء ، وهو سبب الجمع .
ووبق{[46651]} - كوعد ووجل وورث وبوقاً {[46652]}وموبقاً{[46653]} : هلك ، أي وقع في وقبة ، أي حفرة{[46654]} كاستوبق ، وكمجلس : المهلك والمحبس ، وواد في جهنم ، وكل شيء حال بين شيئين - لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره .
ومنه قيل للموعد : موبق ، وأوبقه : حبسه أو أهلكه{[46655]} .
ومن مهموزه : أبق العبد - كسمع وضرب ومنع{[46656]} - أبقاً ويحرك - وإباقاً - ككتاب : ذهب بلا خوف ولا كد عمل ، أو{[46657]} استخفى ثم ذهب - وكل ذلك يرجع إلى جعله كأنه نزل{[46658]} في وقبة ، ومن شأنه حينئذ أن يخفى ، ومنه تأبق : استتر أو احتبس ، وتأبق الشيء : أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء ، وتأبق : تأثم ، أي جانب الإثم{[46659]} ، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة ، والأبق - محركة : القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة ، والأبق : قشره - لقوته اللازمة للجمع أو لأنه خيوط مجتمعة .