تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (143)

وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده ، وجعلها كلها حلالا طيبا ، فصلها بأنها : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } ذكر وأنثى { وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } كذلك ، فهذه أربعة ، كلها داخلة فيما أحل الله ، لا فرق بين شيء منها ، فقل لهؤلاء المتكلفين ، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء ، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور ، ملزما لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها وحرموا : { آلذَّكَرَيْنِ } من الضأن والمعز { حَرَّمَ } الله ، فلستم تقولون بذلك وتطردونه ، { أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ } حرم الله من الضأن والمعز ، فليس هذا قولكم ، لا تحريم الذكور الخلص ، ولا الإناث الخلص من الصنفين .

بقي إذا كان الرحم مشتملا على ذكر وأنثى ، أو على مجهول فقال : { أَمْ } تحرمون { ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ } أي : أنثى الضأن وأنثى المعز ، من غير فرق بين ذكر وأنثى ، فلستم تقولون أيضا بهذا القول .

فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة ، التي حصرت الأقسام الممكنة في ذلك ، فإلى أي شيء تذهبون ؟ .

{ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم ودعواكم ، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل ، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة . وهم لا يقولون بشيء منها . إنما يقولون : إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم ، حرام على الإناث دون الذكور ، أو محرمة في وقت من الأوقات ، أو نحو ذلك من الأقوال ، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب ، والعقول المختلة المنحرفة ، والآراء الفاسدة ، وأن الله ، ما أنزل –بما قالوه- من سلطان ، ولا لهم عليه حجة ولا برهان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (143)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ثمانية أزواج " " ثمانية " منصوب بفعل مضمر ، أي وأنشأ " ثمانية أزواج " ؛ عن الكسائي . وقال الأخفش سعيد : هو منصوب على البدل من " حمولة وفرشا " . وقال الأخفش علي بن سليمان : يكون منصوبا " بكلوا " ؛ أي كلوا لحم ثمانية أزواج . ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من " ما " على الموضع . ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح " ثمانية أزواج من الضأن اثنين " . ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا : " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحله لهم ؛ لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى . والزوج خلاف الفرد . يقال : زوج أو فرد . كما يقال : خساً أو زكاً ، شفع{[6815]} أو وتر . فقول : " ثمانية أزواج " يعني ثمانية أفراد . وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا ، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج . ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين ؛ يقال هما زوجان ، وهما زوج ، كما يقال : هما سيان وهما سواء . وتقول : اشتريت زوجي حمام . وأنت تعني ذكرا وأنثى .

الثانية - قوله تعالى : " من الضأن اثنين " أي الذكر والأنثى . والضأن : ذوات الصوف من الغنم ، وهي جمع ضائن . والأنثى ضائنة ، والجمع ضوائن . وقيل : هو جمع لا واحد له . وقيل في جمعه : ضئين ؛ كعبد وعبيد . ويقال فيه ضئين . كما يقال في شَعير : شِعير ، كسرت الضاد اتباعا . وقرأ طلحة بن مصرف " من الضأن اثنين " بفتح الهمزة ، وهي لغة مسموعة عند البصريين . وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق . وكذلك الفتح والإسكان في المعز . وقرأ أبان بن عثمان " من الضأن اثنان ومن المعز اثنان " رفعا بالابتداء . وفي حرف أبي . " ومن المعز اثنان{[6816]} " وهي قراءة الأكثر . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح . قال النحاس : الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان . ويدل على هذا قولهم في الجمع : معيز ، فهذا جمع معز . كما يقال : عبد وعبيد . قال امرؤ القيس :

ويمنحُها بنو شَمَجَى بن جَرْم *** معيزَهم حنَانَك ذا الحَنَانِ

ومثله ضأن وضئين . والمعز من الغنم خلاف الضأن ، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار ، وهو اسم جنس ، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز والمعزى . وواحد المعز ماعز ، مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر . والأنثى ماعزة وهي العنز ، والجمع مواعز . وأمعز القوم كثرت معزاهم . والمعاز صاحب المعزى . قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان :

يكِلْنَ كَيْلاً ليس بالممحوق *** إذْ رَضِي المعَّازُ باللعُوقِ

والمعز الصلابة من الأرض . والأمعز : المكان الصلب الكثير الحصى ، والمعزاء أيضا . واستمعز الرجل في أمره : جد . " قل آلذكرين حرم " منصوب " بحرم " . " أم الأنثيين " عطف عليه . وكذا " أما اشتملت " . وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام والخبر . ويجوز حذف الهمزة لأن " أم " تدل على الاستفهام . كما قال :

تروح من الحي أم تبتكر

الثالثة - قال العلماء : الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها . وقولهم : " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " . فدلت على إثبات المناظرة في العلم ؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم ، ويبين لهم فساد قولهم . وفيها إثبات القول بالنظر والقياس . وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به . ويروى : " إذا ورد عليه النقض " ؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة ، وأمرهم بطرد علتهم . والمعنى : قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام . وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام . وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني من الضأن والمعز ، فكل مولود حرام ، ذكرا كان أو أنثى . وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها ، فبين{[6817]} انتقاض علتهم وفساد قولهم . فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه " نبئوني بعلم " أي بعلم إن كان عندكم ، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه ؟ ولا علم عندهم ؛ لأنهم لا يقرؤون الكتب .


[6815]:في ك: لشفع أو وتر.
[6816]:كذا في الأصول. والذي في شواذ ابن خالويه: من المعزى. أبي. وهو الصواب كما في البحر. وروح المعاني. وقراءة أبي: من المعزى اثنين. فيما يتبادر. وقوله: وهي قراءة الأكثر راجع إلى الإسكان في المعز.
[6817]:في ك: فيكون.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (143)

{ ثمانية أزواج } بدل من { حمولة وفرشا } ، وسماها أزواجا ، لأن الذكر زوج للأنثى والأنثى زوج للذكر .

{ من الضأن اثنين } يريد الذكر والأنثى ، وكذلك فيما بعده .