تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ} (15)

{ 15 } { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }

أي : من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله ، وأن دينه سيضمحل ، فإن النصر من الله ينزل من السماء { فَلْيَمْدُدْ } ذلك الظان { بِسَبَبٍ } أي : حبل { إِلَى السَّمَاءِ } وليرقى إليها { ثُمَّ لِيَقْطَعْ } النصر النازل عليه من السماء{[536]} .

{ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } أي : ما يكيد به الرسول ، ويعمله من محاربته ، والحرص على إبطال دينه ، ما يغيظه من ظهور دينه ، وهذا استفهام بمعنى النفي [ وأنه ] ، لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله من الأسباب .

ومعنى هذه الآية الكريمة : يا أيها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، الساعي في إطفاء دينه ، الذي يظن بجهله ، أن سعيه سيفيده شيئا ، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب ، وسعيت في كيد الرسول ، فإن ذلك لا يذهب غيظك ، ولا يشفي كمدك ، فليس لك قدرة في ذلك ، ولكن سنشير عليك برأي ، تتمكن به من شفاء غيظك ، ومن قطع النصر عن الرسول -إن كان ممكنا- ائت الأمر مع بابه ، وارتق إليه بأسبابه ، اعمد إلى حبل من ليف أو غيره ، ثم علقه في السماء ، ثم اصعد به حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها النصر ، فسدها وأغلقها واقطعها ، فبهذه الحال تشفي غيظك ، فهذا هو الرأي : والمكيدة ، وأما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك أنك تشفي بها غيظك ، ولو ساعدك من ساعدك من الخلق . وهذه الآية الكريمة ، فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى ، ومن تأييس الكافرين ، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ، ولو كره الكافرون ، أي : وسعوا مهما أمكنهم .


[536]:- في هامش ب ( "فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع" النصر عن الرسول ).
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ} (15)

قوله تعالى : " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء " قال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه . " فليمدد بسبب إلى السماء " أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء . " ثم ليقطع " أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له " فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ " وحيلته ما يغيظه من نصر النبي صلى الله عليه وسلم . والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر . وكذا قال ابن عباس : إن الكناية في " ينصره الله " ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه ، لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ، أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صلى الله عليه وسلم ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا ) . وعن ابن عباس أيضا ( أن الهاء تعود على " من " والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق ، فليقتل نفسه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله ) . والنصر على هذا القول الرزق ، تقول العرب : من ينصرني نصره الله ، أي من أعطاني أعطاه الله . ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة ، أي ممطورة . قال الفقعسي :{[11443]}

وإنك لا تعطي امرأً فوق حقه *** ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره

وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : " من كان يظن أن لن ينصره الله " أي لن يرزقه . وهو قول أبي عبيدة . وقيل : إن الهاء تعود على الدين ، والمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله دينه . " فليمدد بسبب " أي بحبل . والسبب ما يتوصل به إلى الشيء . " إلى السماء " إلى سقف البيت . ابن زيد : هي السماء المعروفة . وقرأ الكوفيون " ثم ليقطع " بإسكان اللام . قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ؛ لأن " ثم " ليست مثل الواو والفاء ؛ لأنها يوقف عليها وتنفرد . وفي قراءة عبد الله " فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظه " . قيل : " ما " بمعنى الذي ، أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه ، فحذف الهاء ليكون أخف . وقيل : " ما " بمعنى المصدر ، أي هل يذهبن كيده غيظه .


[11443]:في الأصول الفقيمي، والتصويب عن تفسير الطبري.