{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي : أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام ، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين ، يخبر بالصدق ، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض ، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة ، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة ، فالكاذب فيها لابد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين ، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية والرحمة الربانية بعباده ، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا ، بخلاف بعض الأمور الجزئية ، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب ، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم ، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق ، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم ، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل ، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي ، وهي ما تقدم من الآيات ، والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله .
{ ومصدقا } أي وجئتكم مصدقا { لما بين يدي } أي الكتاب الذي أنزل من قبلي { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } أحل لهم على لسان المسيح لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى عليه السلام { وجئتكم بآية من ربكم } أي ما كان معه من المعجزات الدالة على رسالته ووحد لأنها كلها جنس واحد في الدلالة .
قوله : ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) ( مصدقا ) منصوب على الحال من جئتكم . وبيان ذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها على أنها من عند الله . وكلك الأنبياء كلهم كانوا يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسالاته وإن اختلفت بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك .
على أن تصديق عيسى عليه السلام للتوراة معناه اعتقاده أن كل ما فيها حق وصواب . وهذه الحقيقة لا ينقضها قوله تعالى : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) إنه لا تناقض بين المعنيين البتة . فتأويل هذه الآية بأمرين :
الأول : أن أحبار بني إسرائيل كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة مفتراة وكانوا قد نسبوها إلى كليم الله موسى عليه السلام . فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها .
الثاني : أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات .
وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ، وذلك كله ليس قدحا في كون عيسى مصدقا بالتوراة ؛ لأن المقصود هو التخفيف عن بني إسرائيل مما أثقل كاهلهم وأعنتهم من الأحكام . {[475]}
وجملة القول أن قوله تعالى : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح .
قوله : ( وجئتكم بآية من ربكم ) أعاد ذكر المعجزات ليؤثر في قلوبهم وطبائعهم تأثيرا . ثم خوفهم تخويفا إذ قال : ( فاتقوا الله وأطيعون ) أي اتقوا الله يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه المنزل إليكم ، وأوفوا بعهد الله الذي عاهدتموه فيه وأطيعون فيما دعوتكم إليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.