وأما الوصية التي فيها حيف وجنف ، وإثم ، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها ، أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل ، وأن ينهاه عن الجور والجنف ، وهو : الميل بها عن خطأ ، من غير تعمد ، والإثم : وهو التعمد لذلك .
فإن لم يفعل ذلك ، فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم ، ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة ، ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم فهذا قد فعل معروفا عظيما ، وليس عليهم إثم ، كما على مبدل الوصية الجائزة ، ولهذا قال : { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } أي : يغفر جميع الزلات ، ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه ، ومنه مغفرته لمن غض من نفسه ، وترك بعض حقه لأخيه ، لأن من سامح ، سامحه الله ، غفور لميتهم الجائر في وصيته ، إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته ، رحيم بعباده ، حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون ، فدلت هذه الآيات على الحث على الوصية ، وعلى بيان من هي له ، وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة ، والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة .
{ فمن بدله بعد ما سمعه } أي بدل الإيصاء وغيره من وصي وولي وشاهد بعد ما سمعه عن الميت { فإنما إثمه } اثم التبديل { على الذين يبدلونه } وبرىء الميت { إن الله سميع } سمع ما قاله الموصي { عليم } بنيته وما أراد فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال فأنزل الله تعالى { فمن خاف } أي علم { من موص جنفا } خطأ في الوصية من غير عمد وهو أن يوصي لبعض ورثته أو يوصي بماله كله خطأ { أو إثما } أي قصدا للميل فخاف في الوصية وفعل ما لا يجوز متعمدا { فأصلح } بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم { فلا إثم عليه } أي إنه ليس بمبدل يأثم ، بل هو متوسط للإصلاح وليس عليه إثم .
ولما كان التحذير من{[7316]} التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما{[7317]} جار في وصيته{[7318]} لجهل أو غرض تسبب عنه قوله{[7319]} : { فمن خاف } أي علم{[7320]} وتوقع وظن ، أطلقه عليه{[7321]} لأنه من أسبابه{[7322]} ، ولعله عبر بذلك{[7323]} إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن { من موص جنفاً } أي ميلاً في الوصية خطأ { أو إثماً } أي ميلاً فيها عمداً . قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى . { فأصلح بينهم } أي بين{[7324]} الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر ، أو بين الموصي لهم والورثة{[7325]} بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق{[7326]} بينهم على أمر يرضونه . وقال الحرالي : وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما{[7327]} يشعر أن ذلك{[7328]} في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف{[7329]} بعد الموت ، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب ، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة " بين " إشعار بأن{[7330]} الإصلاح {[7331]}نائل البين{[7332]} الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح {[7333]}بينه وبينهم{[7334]} - انتهى . { فلا إثم عليه } {[7335]}أي بهذا التبديل . ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ{[7336]} بخطئه{[7337]} أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع{[7338]} الإثم بقوله إعلاماً بتعميم{[7339]} الحكم في كل مجتهد : { إن الله } أي المختص بإحاطة العلم { غفور } أي لمن قصد خيراً فأخطأ { رحيم * } أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم{[7340]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.