{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }
وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب ، يقول تعالى : هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض ، المتبعون لخطوات الشيطان ، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال ، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع ، ما يقلقل قلوب الظالمين ، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين .
وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض ، وتنثر الكواكب ، وتكور الشمس والقمر ، وتنزل الملائكة الكرام ، فتحيط بالخلائق ، وينزل الباري [ تبارك ] تعالى : { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل .
فتوضع الموازين ، وتنشر الدواوين ، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة ، ويتميز أهل الخير من أهل الشر ، وكل يجازى بعمله ، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه .
وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة ، المثبتين للصفات الاختيارية ، كالاستواء ، والنزول ، والمجيء ، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى ، عن نفسه ، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته ، من غير تشبيه ولا تحريف ، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم ، من الجهمية ، والمعتزلة ، والأشعرية ونحوهم ، ممن ينفي هذه الصفات ، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان ، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله ، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب ، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي ، بل ولا دليل عقلي ، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة ، ظاهرها بل صريحها ، دال على مذهب أهل السنة والجماعة ، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل ، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص ، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان .
وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات ، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل ، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال ، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه ، قيل لهم : الكلام على الصفات ، يتبع الكلام على الذات ، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات ، فلله صفات لا تشبهها الصفات ، فصفاته تبع لذاته ، وصفات خلقه ، تبع لذواتهم ، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه .
ويقال أيضا ، لمن أثبت بعض الصفات ، ونفى بعضا ، أو أثبت الأسماء دون الصفات : إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه ، وأثبته رسوله ، وإما أن تنفي الجميع ، وتكون منكرا لرب العالمين ، وأما إثباتك بعض ذلك ، ونفيك لبعضه ، فهذا تناقض ، ففرق بين ما أثبته ، وما نفيته ، ولن تجد إلى الفرق سبيلا ، فإن قلت : ما أثبته لا يقتضي تشبيها ، قال لك أهل السنة : والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها ، فإن قلت : لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه ، قال لك النفاة : ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه ، فما أجبت به النفاة ، أجابك به أهل السنة ، لما نفيته .
والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته ، فهو متناقض ، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي ، بل قد خالف المعقول والمنقول .
{ هل ينظرون } أي هل ينتظرون يعني التاركين الدخول في الإسلام و هل استفهام معناه النفي أي ما ينتظر هؤلاء في الآخرة { إلا أن يأتيهم } عذاب { الله في ظلل من الغمام } والظلل جمع ظلة وهي كل ما أظلك والمعنى أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول { والملائكة } أي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم{ وقضي الأمر } فرغ لهم مما يوعدون بأن قدر ذلك عليهم { وإلى الله ترجع الأمور } يعني في الجزاء من الثواب والعقاب
ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان{[9173]} العذاب من محل تتوقع{[9174]} منه الرحمة أفظع وكان {[9175]}أنفع الأشياء السحاب لحمله{[9176]} الغيث والملائكة الذين هم خير{[9177]} محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب {[9178]}الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول{[9179]} عاداً وبني إسرائيل وكان عاد{[9180]} قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال{[9181]} فكان جديراً{[9182]} بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى : { هل ينظرون } أي ينتظرون إذا زلوا . سائقاً له في أسلوب الإنكار ، وصيغة{[9183]} الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين{[9184]} في غاية البعد عن مواطن الرأفة{[9185]} والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة{[9186]} بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم { إلا أن يأتيهم الله{[9187]} } أي مجد{[9188]} الذي لا يحتمل شيء تجلى{[9189]} عظمته وظهور جلاله ، كائناً مجده { في ظلل من الغمام } ظلة في داخل ظلة ، وهي ما يستر{[9190]} من الشمس{[9191]} فهي{[9192]} في غاية الإظلام{[9193]} والهول والمهابة{[9194]} لما لها من الكثافة التي تغم{[9195]} على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت{[9196]} عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره{[9197]} إلا{[9198]} الله { والملائكة } أي ويأتي{[9199]} جنده{[9200]} الذين لا يعصون الله ما أمرهم{[9201]} ، هذا على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة أبي{[9202]} جعفر بالخفض ، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات{[9203]} يملؤون الأقطار ليتبادروا{[9204]} إلى امتثال أوامره ؛ وهل ينتظرون{[9205]} من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه{[9206]} بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم{[9207]} وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله : { وقضى } أي والحال أنه قد قضي { الأمر } أي نفذ بإهلاكهم{[9208]} سريعاً فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً { وإلى الله } {[9209]}الذي له الإحاطة الكاملة{[9210]} وحده { ترجع الأمور } كلها دنيا وأخرى ، فإن حكمه{[9211]} لا يرد وقدرته لا تحد{[9212]} .
قال الحرالي : وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه{[9213]} إيمان المؤمنين ، لا يأخذونه بكيف{[9214]} ولا يتوهمونه بوهم ، وإتيان الله في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره وخطابه في{[9215]} محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو{[9216]} ما شاء من خلقه ؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون ، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا{[9217]} بواسطة فهناك هو{ وناديناه من جانب الطور الأيمن }[ مريم : 52 ] إلى :{ إني{[9218]} أنا الله{[9219]} }[ طه : 14 ] وفي الكتاب الأول : جاء الله من سيناء - انتهى . وتمامه : وشرق{[9220]} من جبل ساعير{[9221]} وظهر لنا من جبال{[9222]} فاران ؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة والسلام وهو واضح ، وبالثاني{[9223]} نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام ، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل{[9224]} وهو الذي بين طبرية{[9225]} ومرج بني{[9226]} عامر ، وبالثالث نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي{[9227]} مكة المشرفة .