تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }

يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة ، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله ، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس ، كالجهاد في سبيل الله ، والتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح ، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه ، أو فيمن يحب .

{ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن فيكم ، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم .

وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك ، عدة فوائد :

منها : أن حكمته تعالى تقتضي ذلك ، ليتميز المؤمن الصادق من غيره .

ومنها : أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور ، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم ، ويكفر من سيئاتهم ، وليزداد بذلك إيمانهم ، ويتم به إيقانهم ، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما }

ومنها : أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك ، والصبر عليه إذا وقع ؛ لأنهم قد استعدوا لوقوعه ، فيهون عليهم حمله ، وتخف عليهم مؤنته ، ويلجأون إلى الصبر والتقوى ، ولهذا قال : { وإن تصبروا وتتقوا } أي : إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم ، من الابتلاء والامتحان وعلى أذية الظالمين ، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه ، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال ، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله .

{ فإن ذلك من عزم الأمور } أي : من الأمور التي يعزم عليها ، وينافس فيها ، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى : { وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم }

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

{ لتبلون } لتختبرن أيها المؤمنون { في أموالكم } بالفرائض فيها { وأنفسكم } بالصلاة والصوم والحج والجهاد { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب } وهم اليهود { ومن الذين أشركوا } وهم المشركون { أذى كثيرا } با لشتم وا لتعيير { وإن تصبروا } على ذلك الأذى بترك المعارضة { فإن ذلك من عزم الأمور } من حقيقة ا لإيمان

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم له بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه ، فيفوز من كان من أهل حزبه ، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين ، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر{[20076]} الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء ، هذا طبع البشر وإن تطبّع{[20077]} بخلافه ، وأفاد ذكره{[20078]} قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه{[20079]} ، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء ، لا كونه من جهة معينة - : { لتبلون } أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } {[20080]}أي بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي بالإصابة في الجهاد وغيره ، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي ، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف ، أو يأذن فيه من المصائب ، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح ، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر{[20081]} عنه يده بفقده من أفعال المكارم ، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال ، وكان ذكرها{[20082]} تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار .

ولما كان يومها{[20083]} يوم بلاء وتمحيص ، وكان ربما أطمع في العافية بعده ، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله{[20084]} ، وليس ذلك من أخلاق المشمرين{[20085]} أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت {[20086]}عليه الدار{[20087]} من الأثقال والآصار{[20088]} ، فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب{[20089]} في شعار{[20090]} المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من الذين } ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه{[20091]} المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } أي من الأميين { أذى كثيراً } أي{[20092]} من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو{[20093]} غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلقوا{[20094]} بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي الأمر{[20095]} العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله :قد بدت البغضاء من أفواههم }[ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله :{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور .


[20076]:من ظ ومد، وفي الأصل: شعار.
[20077]:في ظ: يطمع ـ كذا.
[20078]:سقط من ظ.
[20079]:زيد بعده في الأصل: إد ـ كذا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20080]:زيد من ظ: وأنفسكم.
[20081]:في ظ: يقصر.
[20082]:في ظ: ذكر، وزيد بعده فيه: هذه الآية.
[20083]:في ظ: يومنا.
[20084]:في ظ: أمثالها.
[20085]:في ظ: الشمون.
[20086]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20087]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20088]:في ظ: الأخبار.
[20089]:من ظ ومد، وفي الأصل: رهب.
[20090]:في ظ ومد: شعائر.
[20091]:في مد: نر ـ كذا.
[20092]:سقط من ظ.
[20093]:من مد، وفي الأصل وظ "و".
[20094]:من ظ ومد، وفي الأصل: يتخلقوا.
[20095]:سقط من ظ.