فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد267

( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) أي من جيد ما كسبتم وخياره كذا قال الجمهور ، وقال جماعة إن معنى الطيبات هنا الحلال ، ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعا لأن جيد الكسب ومختار ه إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع ، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالا كان أو حراما ، فالحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية .

قال علي ابن ابي طالب : ما كسبتم من الذهب والفضة ، وقال مجاهد : من التجارة ، وقيل المواشي قيل وفيه دليل على إباحة الكسب ، وفي الحديث عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده " أخرجه البخاري .

واختلف في المراد بالانفاق فقيل الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب ، وقيل صدقة التطوع وقيل الفرض والنفل جميعا .

( ومما ) أي من طيبات ما ( أخرجنا لكم من الأرض ) وحذف لدلالة ما قبله عليه وهي النباتات والمعادن والركاز ، وقال علي : يعني من الحب والثمر وكل شئ عليه زكاة ، وقال مجاهد من الثمار .

وظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض ، لكن الجمهور خصصوا هذا العموم ، وخصه الشافعي بما يزرعه الآدميون ويقتات اختيارا وقد بلغ نصابا وبثمر النخل وثمر العنب ، وأبقاه أبو حنيفة على عمومه فأوجبها في كل ما يقصد من نبات الأرض كالفواكه والبقول والخضراوات كالبطيخ والقثاء والخيار ، وأوجب في ذلك العشر قليلا كان أو كثيرا ، والأول أولى وتفصيل ذلك في كتب الفروع .

( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي لا تقصدوا المال الردئ ، وفي الآية الأمر بانفاق الطيب والنهي عن انفاق الخبيث .

وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة المفروضة ، وذهب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع وهو الظاهر ، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد هذا {[277]} .

وتقديم الظرف يفيد التخصيص أي لا تخصوا الخبيث بالانفاق أي لا تخصوا الخبيث بالإنفاق أي لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الانفاق به قاصرين له عليه .

أخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وغيرهما عن البراء بن عازب قال : نزلت فينا معشر الانصار ، كنا أصحاب نخل وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر ، والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فانزل الله هذه الآية ، وفي الباب أحاديث .

و عن علي قال : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعن ابن عباس قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فأنزل الله هذه الآية . {[278]}

( ولستم بآخذيه ) أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات ، هكذا بيّن معناه الجمهور ، وقيل معناه ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع ( إلا أن ) أي بأن ( تغمضوا فيه ) هو من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز وغض بصره عنه .

وقرئ بفتح التاء وكسر الميم مخففا ، وقرئ بضم التاء وكسر الميم مشددة ، والمعنى على الثانية إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم ، وعلى الثالثة إلا أن تأخذوا بنقصان ، قال ابن عطية : وقراءة الجمهور وهي الأولى تخرج على التجاوز أو على تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض ، أو على أن " إلا " بمعنى حتى أي حتى تاتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك ، والاغماض يطلق على كل من التساهل في الشي واطباق جفن العين .

وإذا عرفت هذا عرفت أن لا حاجة لدعوى المجاز والكناية التي قالها بعضهم . والمعنى لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الاغماض .

( واعلموا أن الله غني ) عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها بل لنفعكم بها واحتياجكم لثوابها فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب ( حميد ) محمود في أفعاله على كل حال من التعذيب والاثابة .


[277]:وروى النسائي عن ابي امامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال: هو الجعرور ولون حبيق؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يؤخذا في الصدقة؛ وروى الدار قطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: أمر رسول الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل بكبائس- قال سفيان: يعني الشيص- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جاء بهذا "؟ وكان لا يجئ احد بشيء إلا نسب الى الذي جاء به. فنزلت: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).
[278]:وكان يقول: لو ان أحدكم اهدى اليه مثل ما اعطى لم يأخذه إلا على اغماض أو حياء " فكان الصحابة بعد ذلك يأتون بصالح ما عندهم" رواه ابن ابي حاتم والترمذي.