تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩} (60)

55

60-{ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } .

إذا طلب من هؤلاء المشركين طاعة الله وحده ، والسجود له دون سواه ، والخضوع لفضله ورحمته ، فهو سبحانه الله الرحمان الرحيم ؛ أنكروا ذلك وتطاولوا ، وقالوا : ما نعرف الرحمان إلا رحمان اليمامة ، يعنون : مسيلمة الكذاب .

{ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا }

أنطيعك ونسجد لما تأمرنا بالسجود له دون سواه ، وزادهم ذلك نفورا من طاعة الرحمان ، والامتثال لأمره ، والاهتداء بهداه ، بدل أن تزيدهم هذه الدعوة هداية وإيمانا ، وهكذا ازدادوا بالتكذيب رجسا وكفرا ، أما المؤمنون فقد ازدادوا بآيات القرآن هداية وإيمانا ، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون*وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } [ التوبة : 124-125 ] .

وقد اتفق العلماء على أن هذه السجدة التي في الفرقان ، يشرع السجود عندها لقارئها ومستمعها ، وهذا شأن المؤمنين ، روى الضحاك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سجدوا ، فلما رآهم المشركون يسجدون : تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : { وزادهم نفورا } أي : فزادهم سجود المؤمنين نفورا .

وجاء في تفسير القرطبي : أن سفيان الثوري كان يقول في هذه الآية : إلهي زادني لك خضوعا ، ما زاد أعداءك نفورا .

والاستفهام في هذه الآية استفهام إنكار وتطاول وتجاهل ، وهو قريب مما ورد في سورة الشعراء : { قال فرعون وما رب العالمين* قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } [ الشعراء : 23-24 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩} (60)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن } القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الله عز وجل على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولا يخفى موقع هذا الاسم الشريف هنا . وفيه كما قال الخفاجي : معنى أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد { قَالُواْ } على سبيل التجاهل والوقاحة { وَمَا الرحمن } كما قال فرعون { وما رب العالمين } [ الشعراء : 23 ] حين قال له موسى عليه السلام { إني رسول من رَّبّ العالمين } [ الأعراف : 104 ] وهو عز وجل كما يؤذن بذلك قول موسى عليه السلام له : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والارض بَصَائِرَ } [ الإسراء : 102 ] ، والسؤال يحتمل أن يكون عن المسمى ووقع بما دون من لأنه مجهول بزعمهم فهو كما يقال للشبح المرئي ما هو فإذا عرف أنه من ذوي العلم قيل من هو ، ويحتمل أن يكون عن معنى الاسم ووقوعه بما حينئذ ظاهر . وقيل : سألوا عن ذلك لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى كما يطلقون الرحيم والرحوم والراحم عليه تعالى أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره عز وجل فقد شاع فيما بينهم تسمية مسيلمة برحمن اليمامة فظنوا أنه المراد بحمل التعريف على العهد . وقيل : لأنه كان عبرانياً وأصله رخمان بالخاء المعجمة فعرب ولم يسمعوه . والأظهر عندي أن ذلك عن تجاهل وأن السؤال عن المسمى ولذا قالوا : { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } أي للذي تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه . فما موصولة والعائد محذوف . وأصل الجملة المشتملة عليه ما أشرنا إليه . ثم صار تأمرنا بسجوده ثم تأمرنا سجوده كأمرتك الخير ثم تأمرناه بحذف المضاف ثم تأمرنا . واعتبار الحذف تذريجاً مذهب أبي الحسن . ومذهب سيبويه أنه حذف كل ذلك من غير تدريج ، ويحتمل أن تكون ما نكرة موصوفة وأمر العائد على ما سمعت . ويجوز أن تكون مصدرية واللام تعليلية والمسجود له محذوف أو متروك أي أنسجد له لأجل أمرك إيانا أو أنسجد لأجل أمرك إيانا .

وقرأ ابن مسعود . والأسود بن زيد . وحمزة . والكسائي { يأمرنا } بالياء من تحت على أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول قول بعضهم لبعض { تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ } أي الأمر بالسجود للرحمن . والإسناد مجازي . والجملة معطوفة على { قَالُواْ } أي قالوا ذلك وزادهم { نُفُورًا } عن الايمان وفي اللباب أن فاعل { زَادَهُمْ } ضمير السجود لما روى أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزئين ، وعليه فليست معطوفة على جواب إذا بل على مجموع الشرط والجواب كما قيل : وفي لا يستقدمون من قوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] والأول أولى وأظهر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩} (60)

قوله : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان ) إذا دعاهم رسول الله ( ص ) لعبادة الله وحده وان يخلعوا عن قلوبهم وأذهانهم حب الأوثان والآلهة المزيفة ليعبدوا الرحمان وحده دون غيره ( قالوا وما الرحمان ) والاستفهام للإنكار والتعجب ؛ أي ما نعرف الرحمان إلا رحمان اليمامة ، يريدون بذلك مسيلمة الكذاب ، قبحهم الله .

قوله : ( أنسجد لما تأمرنا ) الاستفهام للإنكار كذلك ؛ أي أنسجد لما تأمرنا أنت بالسجود له ( وزادهم نفورا ) زادهم الأمر بالسجود للرحمان وعبادته وحده دون غيره من الأنداد والشركاء نفورا وبعدا عن الحق وعن صراط الله المستقيم{[3342]} .


[3342]:- تفسير الطبري جـ 18 ص 19 وتفسير الرازي جـ 24 ص 104 وتفسير البيضاوي ص 483.