90 - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ . . .
استجاب الله دعاء زكريا ، وبشره بغلام اسمه : يحيى ، يتميز بطاعة الله وبر الوالدين ، والزهد في الدنيا ، والتبتل إلى الله ، وكانت زوجة زكريا عجوزا عقيما فأعاد الله إليها صحتها وعافيتها ، وجعلها صالحة للحمل والولادة ، بقدرة الله ، فهو سبحانه على كل شيء قدير .
إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ .
هذا تعليل لما سبق أي : لقد منحنا زكريا ولدا وأصلحنا له زوجه ؛ لأنهم كانوا
يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ .
أي : يسارعون إلى عمل الخير والمعروف ، ومساعدة المحتاج ، ويدعون الله ويعبدونه ، راغبين في رحمته وثوابه ورضاه ، راهبين بطشه وعذابه وغضبه .
متواضعين متذللين ، لا يستكبرون عن طاعتنا ، والتضرع إلينا ، وسؤالنا والالتجاء إلى حمانا .
{ فاستجبنا لَهُ } دعاءه { وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } وقد مر بيان كيفية ذلك { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } أي أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها وكانت سيئة الخلق طويلة اللسان كما روى عن ابن عباس . وعطاء بن أبي رباح . ومحمد بن كعب القرظي . وعون بن عبد الله أو أصلحناها له عليه السلام برد شبابها إليها وجعلها ولوداً وكانت لا تلد كما روى عن ابن جبير . وقتادة ، وعلى الأول تكون هذه الجملة عطفاً على جملة { *استجبنا } لأنه عليه السلام لم يدع بتحسين خلق زوجه .
قال الخفاجي : ويجوز عطفها على { وَهَبْنَا } وحينئذ يظهر عطفه بالواو لأنه لما فيه من الزيادة على المطلوب لا يعطف بالفاء التفصيلية ، وعلى الثاني العطف على { وَهَبْنَا } وقدم هبة يحيى مع توقفها على إصلاح الزوج للولادة لأنها المطلوب الأعظم ، والواو لا تقتضي ترتيباً فلا حاجة لما قيل : المراد بالهبة إرادتها ، قال الخفاجي : ولم يقل سبحانه : فوهبنا لأن المراد الامتنان لا التفسير لعدم الاحتياج إليه مع أنه لا يلزم التفسير بالفاء بل قد يكون العطف التفسيري بالواو انتهى ، ولا يخفى ما فيه فتدبر ، وقوله تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات } تعليل لما فصل من فنون إحسانه المتعلقة بالأنبياء المذكورين سابقاً عليهم السلام ، فضمائر الجمع للأنبياء المتقدمين .
وقيل : لزكريا . وزوجه . ويحيى ، والجملة تعليل لما يفهم من الكلام من حصول القربى والزلفى والمراتب العالية لهم أو استئناف وقع جواباً عن سؤال تقديره ما حالهم ؟ والمعلول عليه ما تقدم ، والمعنى إنهم كانوا يجدون ويرغبون في أنواع الأعمال الحسنة وكثيراً ما يتعدى أسرع بفي لما فيه من معنى الجد والرغبة فليست في بمعنى إلى أو للتعليل ولا الكلام من قبيل
: يجرح في عراقيبها نصلي *** { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } أي راغبين في نعمنا وراهبين من نقمنا أو راغبين في قبول أعمالهم وراهبين من ردها ، فرغبا ورهبا مصدران في موضع الحال بتأويلهما باسم الفاعل ، ويجوز أن يكون ذلك بتقدير مضاف أي ذوي رغب ، ويجوز إبقاؤهما على الظاهر مبالغة ، وجوز أن يكونا جمعين كخدم جمع خادم لكن قالوا . إن هذا الجمع مسموع في ألفاظ نادرة .
وجوز أن يكونا نصباً على التعليل أي لأجل الرغبة والرهبة ، وجوز أبو البقاء نصبهما على المصدر نحو قعدت جلوساً وهو كما ترى .
وحكمى في «مجمع البيان » أن الدعاء رغبة ببطون الأكف ورهبة بظهورها ، وقد قال به بعض علمائنا ، والظاهر أن الجملة معطوفة على جملة { يسارعون } فهي داخلة معها في حيز { كَانُواْ } ، وفي عدم إعادتها رمز إلى أن الدعاء المذكور من توابع تلك المسارعة ، وقرأت فرقة { يدعونا } بحذف نون الرفع ، وقرأ طلحة { يدعونا } بنون مشددة أدغم نون الرفع في نون ضمير النصب ، وقرأ { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } بفتح الراء وإسكان ما بعدها و { رَغَباً وَرَهَباً } بالضم والإسكان { وَكَانُواْ لَنَا خاشعين } أي مخبتين متضرعين أو دائمي الوجل ، وحال التعليل أنهم نالوا من الله تعالى ما نوالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة .
ومن باب الإشارة : { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } قيل أي رغبة فينا ورهبة عما سوانا أو رغبة في لقائنا ورهبة من الاحتجاب عنا
{ وَكَانُواْ لَنَا خاشعين } [ الأنبياء : 90 ] .
قال أبو يزيد : الخشوع خمود القلب عن الدعاوي ، وقيل الفناء تحت أذيال العظمة ورداء الكبرياء
{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } النبي الكريم ، الذي لم يجعل الله له من قبل سميا .
{ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } بعدما كانت عاقرا ، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل ، لأجل نبيه زكريا ، وهذا من فوائد الجليس ، والقرين الصالح ، أنه مبارك على قرينه ، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين .
ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، كلا على انفراده ، أثنى عليهم عموما فقال : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } أي : يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة ، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها ، إلا انتهزوا الفرصة فيها ، { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } أي : يسألوننا الأمور المرغوب فيها ، من مصالح الدنيا والآخرة ، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها ، من مضار الدارين ، وهم راغبون راهبون لا غافلون ، لاهون ولا مدلون ، { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } أي : خاضعين متذللين متضرعين ، وهذا لكمال معرفتهم بربهم .
{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ( 90 ) }
فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى ، وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرًا ، إنهم كانوا يبادرون إلى كل خير ، ويدعوننا راغبين فيما عندنا ، خائفين من عقوبتنا ، وكانوا لنا خاضعين متواضعين .
فاستجاب الله له الدعاء ووهبه الولد الصالح يحيى عليه السلام وهو قوله : ( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ) أي جعل الله زوجته صالحة للولادة بعد أن كانت عاقرا لا تلد .
قوله : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا ) الضمير في قوله : ( إنهم ) يعود على الأنبياء المذكورين . فقد كانوا أبرارا أتقياء وكانوا مستجابي الدعاء ؛ لانهم كانوا يبادرون أبواب الطاعات وفعل الصالحات ، وكانوا يعبدون الله ( رغبا ورهبا ) مصدران في موضع الحال . أو مفعول لأجله ؛ أي كانوا يعبدون الله ويدعونه رغبة في جزائه الكريم ورضوانه العظيم ، وخوفا من عذابه الأليم .