تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ} (33)

31

المفردات :

سيء بهم : اعترته المساءة والغم ، خوفا عليهم من قومه .

ضاق بهم ذرعا : عجز عن تدبير شؤونهم ، يقال : طال ذرعه وذراعه على الشيء ، إذا كان قادرا عليه ، وضده : ضاق ذرعه ، لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصيرها .

التفسير :

33-{ ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين } .

وصلت الملائكة إلى قرية لوط في صورة شبان حسان الوجوه ، وقد اغتم لوط واعتراه المساءة ، خوفا على ضيوفه من قومه الذي يرتكبون الفاحشة قسرا مع الضيوف ، وتمنى لوط لو كانت معه قوة أو عصبة من الرجال ، تحميه وتحمي أضيافه ، وتأسف لوط لضيق يده وعدم قدرته على الدفاع عن أضيافه أمام قوم فاسقين ، قد أغرموا بإتيان الذكور في أدبارهم ، وقد أفادت آيات أخرى جدال لوط مع قومه ، وتحريضهم على الزواج بالنساء ، فجماع النساء أطهر وأفضل حيث يكون في مكان الحرث ، وتتم المتعة مشتركة بين الذكر والأنثى ، بل عرض عليهم زواج ابنتيه ، فقال : .

{ هؤلاء بناتي هن أطهر لك فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد* قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد* قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد* قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب*فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود* مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد } [ هود : 78-83 ] .

لقد فصل القرآن ذلك في سورة سابقة ، وكرر هذه القصة للعظة والاعتبار ، ولما شاهدت الملائكة مخايل الضجر على لوط ، وعاينوا تألمه لعجزه عن حماية أضيافه ، ودفع الظلم عنهم طمأنوه :

{ وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين }

أخبره الضيوف أنهم ملائكة ، فلا خوف عليهم من قومه ، وأنهم يحملون العذاب لهذه القرية الظالمة ، التي فسد أهلها وغلبت عليهم الشهوات ، فسيخسفون بهم الأرض ، ويمطرون عليهم حجارة من السماء ، وينزلون العذاب بالكافرين ، وستتم نجاة لوط وأهله المؤمنين ، بيد أن امرأته ستهلك مع الهالكين ، لأنها كانت تساعد أهل القرية ، وتفشي أسرار لوط ، وتتمنى لو نجح الكافرون في عمل الفاحشة مع أضياف لوط ، وهذا أمر عجيب من هذه المرأة ، وقد أهلكها الله مع الهالكين ، ولم ينفعها قربها من لوط رسول الله ، لأن عدالة الله قد شملت الإحسان إلى كل محسن ، ومعاقبة كل مسيء .

قال تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } [ الرحمان : 60 ] .

وقال سبحانه : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره*ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .

والخلاصة : أن الملائكة طمأنت لوطا وأخبرته بنجاته مع المؤمنين ، وأن زوجته الكافرة ستهلك مع الهالكين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ} (33)

{ وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا } المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه السلام { لُوطاً سيء بِهِمْ } أي اعتراه المساءة والغم بسبب الرسل مخافة أن يتعرض لهم قومه بسوء كما هو عادتهم مع الغرباء ، وقد جاءوا إليه عليه السلام بصور حسنة إنسانية .

وقيل : ضمير { بِهِمُ } للقوم أي سيء بقومه لما علم من عظيم البلاء النازل بهم ، وكذا ضمير { بِهِمُ } الآتي وليس بشيء ، و { أن } مزيدة لتأكيد الكلام التي زيدت فيه فتؤكد الفعلين واتصالهما المستفاد من لما حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان فكأنه قيل : لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث .

{ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم : ضاقت يده ، ويقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له قادراً عليه ، وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع .

{ وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } عطف على سيء ، وجوز أن يكون عطفاً على مقدر أي قالوا : إنا رسل ربك وقالوا الخ ، وأياً ما كان فالقول كان بعد أن شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا أنه عليه السلام قد عجز عن مدافعة قومه حتى آلت به الحال إلى أن قال : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ] والخوف للمتوقع والحزن للواقع في الأكثر ، وعلهي فالمعنى لا تخف من تمكنهم منا ولا تحزن على قصدهم إيانا وعدم اكتراثهم بك ، ونهيهم عن الخوف من التمكن إن كان قبل إعلامهم إياه أنهم رسل الله تعالى فظاهر ، وإن كان بعد الإعلام فهو لتأنيسه وتأكيد ما أخبروه به .

/ وقال الطبرسي : المعنى لا تخف علينا وعليك وتحزن بما نفعله بقومك : { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } فلا يصيبكم ما يصيبهم من العذاب { إِلاَّ امرأتك } إنها { كَانَتْ } في علم الله تعالى { مِنَ الغابرين } وقرأ حمزة والكسائي . ويعقوب { لَنُنَجّيَنَّهُ } [ العنكبوت : 32 ] بالتخفيف من الإنجاء ، ووافقهم ابن كثير في الثاني .

وقرأ الجمهور بشد نون التوكيد ، وفرقة بتخفيفها وأياً ما كان فمحل الكاف من منجوك الجر بالإضافة ، ولذا حذفت النون عند سيبويه و { مِنْ أَهْلِكَ } منصوب على إضمار فعل أي وننجي أهلك ، وذهب الأخفش . وهشام إلى أن الكاف في محل النصب وأهلك معطوف عليه وحذفت النون لشدة طلب الضمير الاتصال بما قبله للإضافة ، قال بعض الأجلة : لا مانع من أن يكون لمثل هذا الكاف محلان الجر والنصب ويجوز العطف عليها بالاعتبارين ، وقرأ نافع . وابن كثير . والكسائي { سِيء } باشمام السين الضم ، وقرأ عيسى . وطلحة { سُوء } بضمها وهي لغة بني هذيل . وبني دبير يقولون في نحو قيل وبيع قول وبوع وعليه قوله :

حوكت على نولين إذ تحاك *** تحتبط الشوك ولا تشاك

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ} (33)

فساءه مجيئهم ، وضاق بهم ذرعا ، بحيث إنه لم يعرفهم ، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف ، فخاف عليهم من قومه ، فقالوا له : { لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ } وأخبروه أنهم رسل اللّه .

{ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين