تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ} (10)

المفردات :

غيابت الجب : قعره ، سمي به ؛ لغيبوبته عن أعين الناظرين .

السيارة : المسافرين الذين يسيرون في الأرض .

التفسير :

8 { قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } .

قال قائل منهم عز عليه قتل أخيه بلا ذنب جناه ، قيل : هو يهوذا ، وقيل هو روبيل لا تقدموا على قتله ؛ فإن القتل جريمة عظيمة ، وهو أخوكم ، ولكن ألقوه في أسفل البئر ؛ يلتقطه بعض المسافرين الذين يسيرون في الأرض للتجارة ، حين يدلون بدلائهم في البئر ؛ ليستقوا منها ؛ فيتعلق بها ؛ فيبعدوه عن بلادنا إلى حيث يجد رزقه ويبقى حيا .

{ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } . أي : عازمين على ما تقولون ، وفاعلين ما هو الصواب ، فهذا هو الرأي .

في أعقاب الآية

1 إن تفضيل بعض الأولاد على بعض ؛ يورث الحقد والحسد ويورث الآفات ، ولعل يعقوب عليه السلام لم يفضل يوسف إلا في المحبة ، والمحبة ليست في وسع البشر .

2 ورد في هدى السنة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم حتى في التمرة والكلمة الطيبة ) .

3 لقد فعل إخوة يوسف أمرا عظيما ؛ حين حملوا فتى صغيرا ضعيفا ، وأبعدوه عن والده ، وأقدموا على أمر عظيم من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل . . . يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين . 3

4 الرأي الأصح : أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء ، لا أولا ، ولا آخرا ؛ لأن الأنبياء معصومون عن الكبائر ، وقيل : لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء ، ثم تابوا ، ثم نبأهم الله . 4

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ} (10)

{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو وكان رأيه فيه أهون شراً من رأى غيره وهو القائل : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } [ يوسف : 80 ] الخ قاله السدى .

وقال قتادة ، وابن إسحق : هو روبيل ، وعن مجاهد أنه شمعون ، وقيل : دان ، وقال بعضهم : إن أحد هذين هو القائل : { اقتلوا يُوسُفَ } الخ ، وأما القائل : { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } [ يوسف : 9 ] فغيره ، ولعل الأصح أنه يهوذا .

قيل : وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه ستراً على المسيءوكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها ، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحداً منهم باسمه تأسياً بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد ؟ فقيل : قال قائل منهم : { لاَ تَقْتُلُواْ } الخ ، والاتيان بيوسف دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو مانه يروى أنه قال لهم : القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى ، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله : { وَأَلْقُوهُ في * غَيَابَةِ الجب } أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر ، ومنه قيل للقبر : غيابة ، قال المنخل السعدي :

إذا أنا يوماً غيبتني ( غيابتي ) *** فسيروا بسيري في العشيرة والأهل

وقال الهروي : الغيابة في الجب شبه كهف . أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون ، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعمش :

لئن كنت في جب ثمانين قامة *** ورقيت أسباب السماء بسلم

ويجمع على جبب . وجباب . وأجباب ، وسمي جباً لأنه جب من الأرض أي قطع ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلام فيتأنيثه وتذكيره .

وقرى نافع في غيابات في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات ، ففيه إشارة إلى سعتها ، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب ، وقرأ ابن هرمز غيابات بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة ، ووزنه على ما نقل صاحب اللوامح يجوز أن يكون فعالات كحمامات ، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة ، وقرأ الحسن غيبة بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة ، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة ، وفي حرف أبيّ رضي الله تعالى عنه غيبة بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب .

{ يَلْتَقِطْهُ } أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فان الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل ، وفي مجمع البيان هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه ، ومنه قوله :

ومنهل وردته التقاطاً ***

{ بَعْضُ السيارة } أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما ، وفي البعض من الابهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائى يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدري أثره ولا يروى خبره ، وقرأ الحسن تلتقطه على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله :

إذا بعض السنين ( تعرفتنا ) *** كفى الأيتام فقد أبى اليتيم

وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث كقوله :

كما شرقت صدر القناة من الدم *** { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه الخ ، ولم يبت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفاً لقلوبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من سوء ظنهم به ؛ ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول : فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا ؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما شيجيى إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه : { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } [ يوسف : 15 ]