تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا} (64)

61

المفردات :

استفزز : هيّج واستخف .

بصوتك : بدعائك إلى معصية الله .

وأجلب عليهم : أي : صح عليهم من الجبلة وهي الصياح ، يقال : أجلب على العدو إجلابا ؛ إذا جمع عليه الخيول .

بخيلك ورجلك : أي : بأعوانك من راكب وراجل .

الغرور : تزيين الباطل بما يظن أنه حق .

التفسير :

64- { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك . . . }

وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول ، فهي المعركة الصاخبة ، يستخدم فيها الصوت فيزعج الخصوم ، ويخرجهم من مراكزهم الحصينة ، أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة ، فإذا استدرجوا أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال .

قال النيسابوري : ( عن ابن عباس : كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل لإبليس وجنوده . وقيل يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل ){[428]} والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلا فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك .

قال المراغي : ليس للشيطان خيل ولا رجالة ، وإنما يراد بهما : الأتباع والأعوان من غير ملاحظة ؛ لكون بعضهم ماشيا وبعضهم راكبا{[429]} .

وقال الزمخشري في الكشاف : مثلت حاله في تسلطه على من يغويه ، بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة .

{ وشاركهم في الأموال } ؛ بحثهم على كسبها من غير السبل المشروعة وإنفاقها في غير الطرق التي أباحها الدين ، ويشمل ذلك الربا والغضب والسرقة ، وسائر المعاملات الفاسدة .

وقال الحسن : مرهم أن يكسبوها من خبيث ، وينفقوها في حرام .

{ والأولاد } أي : بالتفاخر والتكاثر بهم ، وتضليلهم بصبغهم بغير صبغة الدين ، أو تربيتهم لا كما ينبغي ؛ حتى ينشئوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق{[430]} .

وإجمال القول فيه ، إن كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه ، بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه ، أو بالزنا بأمه ، أو بوأده ، أو بقتله ، أو غير ذلك ؛ فقد شارك إبليس فيه :

{ وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص . والوعد بالغنى من الأسباب الحرام والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل الملتوية والأساليب الخسيسة .

ولعل أشد الوعود إغراء : الوعد بالعفو ، والمغفرة بعد الذنب والخطيئة ، وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب ، التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة ، فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة ، ويزين لها الخطيئة ، وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية ، وشمول العفو والمغفرة .

وذهب القاشاني إلى : أن الآية تشير إلى انقسام الناس مع الشيطان إلى أصناف فقال : تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام ؛ لأن الاستعدادات متفاوتة ، فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه . أي : استخفه بصوته ، يكفيه وسوسة وهمس بل هاجس ولمة ، ومن كان قوي الاستعداد ، فإن أخلص استعداده عن شوائب الصفات الإنسانية ، أو أخلصه لله تعالى عن شوائب الغيرية ، فليس إلى إغوائه سبيل كما قال سبحانه : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، وإلا فإن كان منغمسا في الشواغل الخسيسة غارزا رأسه في الأمور الدنيوية ، شاركه في أمواله وأولاده ، بأن يحرضه على إشراكهم بالله في المحبة ، بحبهم كحب الله ، ويسول له التمتع بهم ، والتكاثر والتفاخر بوجودهم ، ويمنيه الأماني الكاذبة ، ويزين عليه الآمال الفارغة ، وإن لم ينغمس ، فإن كان عالما بصيرا بحيله ، أجلب عليه بخيله ، ورجله ، أي : مكر به بأنواع الحيل ، وكاده بصنوف الفتن ، وأفتى له في تحصيل أنواع الحطام ، والملاذ ، بأنها من جملة مصالح المعاش ، وغره بالعلم وحمله على الإعجاب ، وأمثال ذلك ؛ حتى يصير ممن أضله الله على علم ، وإن لم يكن عالما بل عابدا منكسا ، أغواه بالوعد والتمنية ، وغره بالطاعة والتزكية أيسر ما يكون{[431]} .


[428]:- تفسير النيسابوري بهاشم الطبري: 15/61 ط: بولاق.
[429]:- تفسير المراغي 15/17.
[430]:- تفسير النيسابوري 15/61.
[431]:- تفسير القاسمي 10/3948 نقلا عن القاشاني.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا} (64)

{ واستفزز } أي واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأوقعه فيما أراده منه ، وأصل معنى الفز القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع ويقال للخفيف فز ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية كما في قول زهير :

كما استغاث بشيء فز غيطلة . . . خاف العيون فلم تنظر به الحشك

والواو على ما في البحر للعطف على { اذهب } [ الإسراء : 63 ] . والمراد من الأمر التهديد وكذا من الأوامر الآتية ، ويمنع من إرادة الحقيقة أن الله تعالى لا يأمر بالفحساء { مَنِ استطعت } أي الذي استطعت أن تستفزه { مِنْهُمْ } فمن موصول مفعول { *استفزز } ومفعول { فَإِن استطعت } محذوف هو ما أشرنا إليه . واختار أبو البقاء كون من استفهامية في موضع نصب باستطعت وهو خلاف الظاهر جداً ولا داعي إلى ارتكابه { بِصَوْتِكَ } أي بدعائك إلى معصية الله تعالى ووسوستك ، وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيراً له حتى كأنه لا معنى له كصوت الحمار .

وأخرج ابن المنذر . وابن جرير وغيرهما عن مجاهد تفسيره بالغناء والمزامير واللهو والباطل ، وذكر الغزنوي أنه آدم عليه السلام أسكن ولد هابيل أعلى جبل وولد قابيل أسفله وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان فلم يتمالكوا أن انحدروا واقترنوا { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } أي صح عليهم من جلبة وهي الصياح قاله الفراء وأبو عبيدة ، وذكر أن جلب وأجلب بمعنى . وقال الزجاج : أجلب على العدو جمع عليه الخيل .

وقال ابن السكيت : جلب عليه أعان عليه ، وقال ابن الأعرابي : أجلب على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع ، وفسر بعضهم { *أجلب } هنا باجمع فالباء في قوله تعالى : { عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } مزيدة كما في لا يقرأن بالسور . وقرأ الحسن { وَأَجْلِبْ } بوصل الألف وضم اللام من جلب ثلاثيا ، والخيل يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ، وقيل إن واحده خائل لاختياله في مشيه وعلى الفرسان مجازاً وهو المراد هنا ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه رضي الله عنهم «يا خيل الله اركبي » والرجل بكسر الجيم فعل بمعنى فاعل فهو صفة كحذر بمعنى حاذر يقال : فلان يمشي رجلاً أي غير راكب .

وقال صاحب اللوامح : هو بمعنى الرجل يعني أنه مفرد أريد به الجمع لأنه المناسب للمقام وما عطف عليه ، وبهذا قرأ حفص . وأبو عمر في رواية . والحسن ، وظاهر الآية يقتضي أن للعين خيلا ورجلاً وبه قال جمع فقيل هم من الجن ، وقيل منهم ومن الأنس وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومجاهد . وقتادة قالوا : إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وما كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس ، وقال آخرون : ليس للشيطان خيل ولا رجالة وإنما هما كناية عن الأعوان والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكباً وبعضهم ماشياً .

وجوز بعضهم أن يكون استفزازه بصوته واجلابه بخيله ورجله تمثيلاً لتسلطه على من يغويه فكأنه مغواراً وقع على قوم فصوت بهم صوتاً يزعجهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، ومراده أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية ولا يضر فيها اعتبار مجاز أو كناية في المفردات فلا تغفل .

وقرأ الجمهور { *رجلك } بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع راجل كركب وراكب لا جمع لغلبة هذا الوزن في المفردات ، وقرىء { إِلاَّ رَجُلٌ } بفتح الراء وضم الجيم وهو مفرد كما في قراءة حفص وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على فعل وفعل كسرا وضما كحدث وندس وغيرهما .

وقرأ عكرمة . وقتادة { *رجالك } كنبالك ، وقرىء { *رجالك } ككفارك وكلاهما جمع رجلان وراجل كما في الكشف ، وفي بعض نسخ الكشاف أنه قرىء { *رجالك } بفتح الراء وتشديد الجيم على أن أصله رجالة فحذف تاؤه تخفيفاً وهي نسخة ضعيفة { وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الاموال } بحملهم على كسبها مما لا ينبغي وصرفها فيما لا ينبغي .

وقيل بحملهم على صرفها في الزنا ، وعن الضحاك بحملهم على الذبح للآلهة ، وعن قتادة بحملهم على تسييب السوائب وبحر البحائر والتعميم أولى { والاولاد } بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة وارتكاب ما لا يرضي الله تعالى فيهم .

وأخرج ابن جرير . وابن وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المشاركة في الأولاد حملهم على تسميتهم بعبد الحرث . وعبد شمس ، وفي رواية حملهم على أن يرغبوهم في الأديان الباطلة ويصبغوهم بغير صبغة الإسلام .

وفي أخرى حملهم على تحصيلهم بالزنا ، وأخرى تزيين قتلهم إياهم خشية الإملاق أو العار ، وقيل حملهم على أن يرغبوهم في القتال وحفظ الشعر المشتمل على الفحش والحرف الخسيسة الخبيثة ، وعن مجاهد أن الرجل إذا لم يسم عند الجماع فالجان ينطوي على احليله فيجامع معه وذلك هي المشاركة في الأولاد ، والأولى ما ذكرنا .

{ وَعَدهُمْ } المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة ونفع الأنساب الشريفة من لم يطع الله تعالى أصلاً وعدم خلود أحد في النار لمنافاة في ذلك عظم الرحمة وطول أمل البقاء في الدنيا ومن الوعد الكاذب وعده إياهم أنهم إذا ماتوا لا يبعثون وغير ذلك مما لا يحصى كثرة ، ثم هذا من قبيل المشاركة في النفس كما في البحر .

{ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } اعترض بين ما خوطب به الشيطان لبيان حال مواعيده والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض مع ما فيه من صرف الكلام عن خطابه وبيان حاله للناس ومن الأشعار بعلية شيطنته للغرور وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب ؛ ويقال : غر فلاناً إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد ، وأصل ذلك على ما قال الراغب من الغر وهو الأثر الظاهر من الشيء ، ونصبه على أنه وصف مصدر محذوف أي وعدا غروراً على الأوجه التي في رجل عدل .

وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي وما يعدهم ويمينهم ما لا يتم ولا يقع إلا لأن يغرهم والأول أظهر .

وذكر الإمام في سبب كون وعد الشيطان غروراً لا غير أنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور . قضاء الشهوة . وإمضاء الغضب . وطلب الرياسة والرفعة ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وتلك الأشياء الثلاثة ليست لذائذ في الحقيقة بل دفع آلام وإن سلم أنها لذائذ لكنها خسيسة يشترك فيه الناقص والكامل بل الإنسان والكلب ومع ذلك هي وشيكة الزوال ولا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة ويتبعها الموت والهرم واشتغال الباب بالخوف من زوالها والحرص على بقائها ، ولذات البطن والفرج منها لا تتم إلا بمزاولة رطوبات متعفنة مستقذرة فتزيين ذلك لا يكاد يكون إلا بما هو أكذب من دعوى اجتماع النقيضين وهو الغرور .

/خ65