تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

ثم ساقت السورة الكريمة قصتان تدلان أبلغ الدلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكي هاتين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :

{ أو كالذي مر على القرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية لناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموت قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتيك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم }

قال الألوسي ما مخلصه قوله : { او كالذي مر على قرية } . معطوف على ما سبقه وهو قوله : { ألم تر إلى الذي حاج } والكاف اسمية بمعنى بمثل معمولة لأريت محذوفا أي أو أرأيت الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية . . وقيل إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل أرأيت شيئا عجيبا كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية . . " .

و الذي مر على قرية هو عزيز بن شريحا وقيل حزقيال بن بوزى وقيل غير ذلك والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان خربها " بختنصر " البابلي . . والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لانه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن وجملة { وهي خاوية على عروشها } في موضع الحال من الضمير المستتر في " مر " الواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هي حال من القرية وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت . . ومعنى وهي خاوية على عروشها أن جدرانها ساقطة أي أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل بها أصبحت خاوية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو فيقال خوت الدار وخويت تخوي خلاء إذا سقطت وخلت العروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش وكل شيء يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش وعرش .

و قوله تعالى : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } حكاية لما قاله ذلك الذي مر على تلك القرية ورأى فيما رأى من مظاهر الخراب والدمار .

و المعنى أو أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي ساقطة حيطانها على سقوفها وفارغة ممن كان يسكنها فهاله أمرها وراعه شأنها وقال على سبيل التعجب كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها ؟ بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم ؟ فقوله : { أني يحيي هذه القرية بعد موتها }بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون أني هنا بمعنى متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .

و قال القرطبي : قوله : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .

و قال القرطبي قوله : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي تبعد أن تعمر هذه بعد خرابها فكان هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته . . " ( 25 ) .

و قوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة لا أصل الإعادة لأنه كان مؤمنا بالبعث والنشور إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها وتشوق إلى عمارتها واعتراف العجز عن طريق الإحياء فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل كانت كما حكاها القرآن : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } .

أي بعد ان قال هذا الذي مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال ألبثه الله تعالى في الموت مائة عام " ثم بعثه " أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه قال كم لبثت أي كم مدة من الزمان لبثها على هذه الحال " قال لبثت يوما أو بعض يوم " .

و قال سبحانه : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } ولم يقل ثم أحياه للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإشعار بسرعته وسهولة تأتيه على الباري سبحانه .

قال ابن الكثير كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه فلما استقل سويا قال الله له بواسطة الملك كم لبثت ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن انها شمس ذلك اليوم فقال أو بعض يوم( 26 ) .

و قوله تعالى : { كم لبثت } استئناف مبني على سؤال كأنه قيل : فماذا قال له بعد بعثته ؟ فقيل قال كم لبثت وليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استعباده بالمرة .

و كم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله : لبثت .

و في هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم وأن البعث يشبه اليقظة بعده وأنه لا شيء محال على الله تعالى فهو القائل : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ( لقمان : 28 ) .

و في الحديث الشريف : " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون ولتجوزن بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا " .

و قوله تعالى : { قال بل لبثت مائة عام } معطوف على مقدر أي ليس الأمر كما قلت أنك لبثت يوما أو بعض يوم إنك لبثت مائة عام ثم أرشده سبحانه إلى التأمل في أمور فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال سبحانه : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } .

قوله : لم يتسنه } أي لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه مشتق من السنة والهاء فيه أصيلة إذا قدر لام سنة هاء وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة وسجدات ولقومه سانهته إذا عاملته سنة فسنة وتسنه عند القوم إذا قام فيهم سنة أو الهاء فيه للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف العلة إذا قدر لام سنة واوا وأصلها سنوة لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات .

و قوله : { ننشزها } أي نرفعها يقال أنشز الشيء إذا رفعه من مكانه واصله من النشز بفتحتين وبالسكون وهو المكان المرتفع وقرئ ننشزها بضم النون أي نحييها من أنشز الله الموتى أي أحياهم .

و المعنى قال الله تعالى لهذا الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم في الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقي على حالته وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصله مما يشهد بأنه مرت عليه السنوات الطويلة .

و قوله : { و لنعجعلك آية للناس } معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق والتقدير فعلنا ما فعلنا لترى وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث .

و قوله : { انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } أي انظر وتأمل في العظام كيف نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها .

و قيل المعنى وانظر إلى العظام أي عظام حمارك التي تفرقت وتناثرت لتشاهد كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها في جسده .

قال ابن كثير قال السدى وغيره تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهي تلوح في بياضها فبعث الله ريحا فجمعها من كل موضع ثم ركب كل عظم في موضعه ذلك كله بمرأى من العزير .

و جاء الضمير في قوله : { لم يتسنه } بالإفراد مع أن المتقدم طعام وشراب لأنهما متلازمان بمعنى أن أحدهما لا يكتفي به عن الآخر فصار بمنزلة شيء واحد فكأنه قال انظر إلى غذائك .

ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } أي فلما تبين له بالأدلة الناصعة وبالمشاهدة الحسية قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة وعلى البعث والنشور قال أعلم أي أستيقن وأومن واعتقد أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه لا يعجزه شيء والفاء في قوله فلما تبين له ذلك وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وفاعل " تبين " مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير فلما تبين له كيفية الإحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم ان الله على كل شيء قدير .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

{ أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ } عطف على سابقه والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة لأرأيت محذوفاً أي أو أرأيت مثل الذي مر ، وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر/ النحويين وحذف لدلالة { ألم تر } [ البقرة : 258 ] عليه على أنه قد قيل : إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله :

قال لها كلابها أسرعي *** كاليوم ( مطلوباً ولا طالبا )

وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما في قولك الفعل الماضي مثل : نصر ، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل : لأن منكر الإحياء كثير ، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية ، وقيل : إنها زائدة وإلى ذلك ذهب الأخفش أي : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ ، وقيل : إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل : ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر . وقيل : إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر ، وتقديره وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مرّ ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير ، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على { الذي } نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول ( إلى ) على الكاف ، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم ، وهو عن وذلك على قلة أيضاً ، وقال بعضهم : إن كلا من لفظ ( ألم تر ) و( أرأيت ) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول : تعلق بالتعجب منه فيقال : ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله ، والثاني : بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع ، ولذا لم يستقم عطف ( الذي مر ) على { الذي حاج } [ البقرة : 258 ] ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف أي أرأيت كالذي مر فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه ، ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ( إلى ) على الكاف بل لو قلت : ألم ترى إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام ، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة ( أرأيت ) من إثبات كاف ، أو ما في معناه ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان فإن ( ألم تر ) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه ، و( أرأيت ) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه ، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه ، وفي الثاني بمثله ، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير ( أرأيت ) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر .

و ( أو ) للتخيير أو للتفصيل والمار هو عزيز بن شرخيا كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام ، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير وقيل : هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب وهب ، وقيل : هو الخضر عليه السلام وحكي ذلك عن ابن إسحق وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد ، وأن أرميا هو الخضر بعينه ، وقيل : شعيا ، وقيل : غلام لوط عليه السلام ، وقال مجاهد : كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما ، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في { أنى يَكُونُ لِي غلام } [ آل عمران : 40 ] و{ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ } [ آل عمران : 47 ] وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جداً ، وإن قلنا : بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في { الله وَلِىٌّ الذين آمنوا } [ البقرة : 257 ] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى ، والقرية قال ابن زيد : هي التي خرج منها الألوف ، وقال الكلبي : دير سابراباد ، وقال السدي : دير سلما باذ ، وقيل : دير هرقل ، وقيل : المؤتفكة ، وقيل : قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس ، وقال عكرمة والربيع ووهب : هي بيت المقدس وكان قد خربها بخنتصر وهذا هو الأشهر ، واشتقاقها من القرى وهو الجمع .

{ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه ، وقيل : المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق بخاوية وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لهي والجملة قيل : في موضع الحال من الضمير المستتر في ( مرّ ) وقيل : من ( قرية ) ويجيء الحال من النكرة على القلة ، وقيل : في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو ، ومن الناس من جوز كون { على عُرُوشِهَا } بدلاً من { قَرْيَةٌ } بإعادة الجار وكونه صفة لها ، وجملة { وَهِىَ خَاوِيَةٌ } إما حال من العروش أو من القرية أو من ها والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه { قَالَ } في نفسه أو بلسانه { أنى يُحيى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر ، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب ، أو بتقدير مضاف أي أصحاب هذه القرية فالإحياء والإماتة على حقيقتها ، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة ، والسياق دال على ذلك ، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً ، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده ، ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره ، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلف في خلده ، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا : إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً ، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء لأهل ، أو عظامهم يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر ، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه ، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل ، و{ أنى } نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى ، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف ، والعامل فيه على أي حال { يحيى } .

{ فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ } أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين ؛ لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد ، والعام السنة من العوم وهو السباحة ، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها { ثُمَّ بَعَثَهُ } أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/ تأتيه على الباري عز اسمه ، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهما مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية ، ففي «البحر » أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : كوسك فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى

{ قَالَ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال له ؟ فقيل قال : { كَمْ لَبِثْتَ } ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و{ كَمْ } نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره : كم وقتاً والناصب له { لَبِثْتُ } والظاهر أن القائل هو الله تعالى ، وقيل : هاتف من السماء ، وقيل : جبريل ، وقيل : نبي ، وقيل : رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه ، وقيل : إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس : { يَوْماً } ثم التفت فرأى بقية منها فقال : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } على الإضراب ، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله { قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار { فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ } قيل : كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً { لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة ، واشتقاقه من السنة وفي لامها اختلاف فقيل : هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء ، وقيل : واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه ، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج ، وقيل : أصله لم يتسنن . ومنه الحمأ المسنون أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت : تظنيت وفي تقضضت : تقضيت ، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء ، ثم أبدلت الياء ألفاً ، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال ، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى :

{ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } [ آل عمران : 174 ] و{ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شئ } [ الأنعام : 39 ] وصاحبها إما الطعام والشراب ، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله ، وهذا شربك لم يتسنه ، وقرأ أبي لم يسنه بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع { فانظر } على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير ، وأجيب بأن المفرع عليه ليس لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء ، وقيل : إن التقدير إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث . وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى : { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصاله وهذا/ هو الظاهر لأنه أدل على الحال وأوفق بما بعده ، وكون المراد أنظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب ليس بشيء ولا يساعده المأثور { وَلِنَجْعَلَكَ } متعلق بمقدر أي وفعلنا ذلك لنجعلك ، ومنهم من قدره متأخراً ، وقيل : إنه متعلق بما قبله والواو زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على { لَبِثْتُ } أو على مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدت أو لتهدي ولنجعلك ، وقيل : إنه عطف على { قَالَ } ففيه التفات . { ءايَةً } أي عبرة أو مرشداً { لِلنَّاسِ } أي جنسهم أو من بقي من قومه أو للموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة ، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قرن بينه وبين الأمر بالنظر إلى حماره

{ وانظر إِلَى العظام } أي عظام الحمار كما قاله السدي وكرر الأمر لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث الدلالة على المكث المديد ، وثانياً : هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها ، وقيل : عظام أموات أهل القرية ، وعن قتادة . والضحاك . والربيع عظام نفسه قالوا : أول ما أحيا الله تعالى منه عيناه وسائر جسده ميت وعظامه نخرة فأمر بالنظر إليها ، وقيل : عظامه وعظام حماره والكل لا يعول عليه . { كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو الرفع أي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد ، وقال الكسائي : نلينها ونعظمها ، وقرأ أبيّ ( ننشيها ) ، وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ننشرها من أنشر الله تعالى الموتى أحياها ولعل المراد بالإحياء ما تقدم لا معناه الحقيقي لقوله تعالى : { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس ، وقرأ أبان عن عاصم ننشرها بفتح النون وضم الشين والراء وهو حينئذ من النشر ضد الطي كما قال الفراء فالمعنى كيف نبسطها ، والجملة قيل : إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحماً أو بدل اشتمال أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها ، واعترضت الحالية بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالا ، وأجيب بأن الاستفهام ليس حقيقته فما المانع من الحالية ، ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح كما قيل لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانها ، وفي بعض الآثار : إن ملكاً نادى العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الروح فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً

{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي اتضح اتضاحاً تاماً له ما دل عليه الأمر من كيفية الإحياء بمباديه ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر وللإشعار بسرعة وقوعه كأنه قيل : فأنشرها الله تعالى وكساها لحماً فنظر إليها فتبين له كيفيته فلما تبين ذلك { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء } ومن جلمته ما شوهد { قَدِيرٌ } .

وقيل : فاعل ( تبين ) مضمر يفسره مفعول ( أعلم ) فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين ، وأورد عليه أن شرط التنازع كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز ضربني أهنت زيداً قيل : وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور ، وقد صرح بازات الفن بخلافه كأبي علي وغيره مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار في قوله تعالى : { هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه } [ الحاقة : 19 ] ولما رابطة للجملتين فيكفي مثله في/ الربط وإن لم يصرحوا به ، ومن الناس من استحسن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل نفس وقوعه لا التلبس بالفاعل فكان معناه فلما فلما حصل له التبين قال أعلم الخ ، ويساعده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } على البناء للمفعول ، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمر نظراً إلى أن أصله لم يتغير بل إنما تبدل بالعيان وصفه ، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناءاً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر ، وقرأ ابن مسعود قيل اعلم على وجه الأمر ، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { قَالَ أَعْلَمُ } ويقول : لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى له :

{ أَعْلَمُ أَنَّ الله } [ البقرة : 260 ] وبذلك قرأ حمزة والكسائي ، والآمر هو الله تعالى أو النبي أو الملك ، ويحتمل أن يكون المخاطب هو نفسه على سبيل التجريد مبكتاً لها موبخاً على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد ، يروى أنه بعد هذا القول قام فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكرهم وأنكر منازلهم فانطلق على وهم منهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة له وكان قد خرج عزير وهي بنت عشرين سنة فقال لها : يا هذه أهذا منزل عزير ؟ قالت : نعم وبكت وقالت : ما رأيت أحداً منذ كذا وكذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس قال : فإني أنا عزير قالت : سبحان الله فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم يسمع له بذكر قال : فإني عزير كان الله تعالى أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت : فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله تعالى أن يرد عليّ بصري حتى أراك فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال : قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله تعالى رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت : أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وأنديتهم ومجالسهم ، وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت : هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا إلى ربه فرد عليّ بصري وأطلق رجلي ، وزعم أن الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا عليه فنظروا إليه فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله ، فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل ، وفي رواية أنه قرأها عليهم حين طلبوا منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المسبيين مما ورد بيت المقدس بعد مهلك بختنصر : حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوها فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر قلب فما اختلفا في حرف واحد فعند قالوا : عزير ابن الله ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

( ومن باب الإشارة والتأويل ) :{ أَوْ كالذي مَرَّ } وهو العقل الإنساني { على قَرْيَةٍ } القلب الذي هو البيت المقدس ، أو هو عزير النبي وكان قدم على بيت المقدس قبل التجلي باسمه تعالى المحيى { وَهِىَ خَاوِيَةٌ } خالية من التجليات النافعة ثابتة { على عُرُوشِهَا } صورها أو ساقطة منهدمة لضعف أس الاستعداد على عروش العزائم { قَالَ } لذهوله عن النظر إلى الحقائق { أنى } متى ، أو كيف { يحيى هذه } القرية الله الجامع لصفات الجمال والجلال { بَعْدَ مَوْتِهَا } بداء الجهل والالتفات إلى السوى { فَأَمَاتَهُ الله } أبقاه جاهلاً مائة عام أي مدة طويلة ، وقيل : هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر أو خمسة وعشرين سنة ثم بعثه بالحياة الحقيقية وطلب منه الوقوف على مدة اللبث فما ظنها إلا يوماً أو بعض يوم استصغاراً لمدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية ، أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة فتكون المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله تعالى ، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي ثم بعثه بالإحياء قال : بل لبثت في الحقيقة مائة عام { فانظر إلى طَعَامِكَ } وكان التين أو العنب ، والأول : إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لباً كله وكون الجزئيات فيه بالقوة كالحبات التي في التين ، والثاني : إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم { وَشَرَابِكَ } وكان عصير العنب أو اللبن ، والأول : إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف والحقائق ، والثاني : إشارة إلى العلم النافع كالشرائع { لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير عما كان في الأول بحسب الفطر مودعاً فيك فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعداده والناس معادن كمعادن الذهب والفضة وإن حجبت بالمواد وخفيت مدة بالتقلب في البرازخ وظلماتها لم تبطل ولم تتغير عن حالها حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت { وانظر إلى حِمَارِكَ } وهو القالب الحامل للقلب أو/ لمعنى { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً } أي دليلاً للناس بعثناك { وانظر إِلَى العظام } من القوى { كَيْفَ نُنشِزُهَا } ونرفعها عن أرض الطبيعة { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } وهو العرفان الذي يكون لباساً لها ، وعبر عنه باللحم لنموه وزيادته كلما تغذت الروح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال ، والمعنى الظاهر ظاهر { فَلَمَّا تَبَيَّنَ } ووضح { لَهُ } ذلك { قَالَ أَعْلَمُ } علماً مستمراً { إِنَّ الله على كُلِّ شيء } ومن جملته ما كان { قَدِيرٌ } [ البقرة : 259 ] لا يستعصي عليه ولا يعجزه .