تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

9

المفردات :

أكاد أخفيها : أبالغ في إخفائها ولا أظهرها .

التفسير :

15-{ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } .

إن الساعة قادمة لا محالة ، والموت قادم ما في ذلك شك ؛ { كل نفس ذائقة الموت . . . } ( آل عمران : 185 ) .

وقد أخفى الله الساعة ومعرفة الأجل ؛ حتى يجتهد الإنسان ، ويعمل الأعمال الصالحة ؛ وهو مطلق السراح في هذه الدنيا فيكون الجزاء عادلا ، ولو علم الناس وقت موتهم ، فربما أسرفوا في الشهوات في حياتهم ، ثم تابوا واستقاموا قبل موتهم ؛ لذلك أخفى الله علم الساعة ، وميعاد الموت ؛ وإن كانت هناك النذر مثل الشيب ، وكبر السن ، والمرض ، وموت الأقران ، وقد يأتي الموت فجأة ، قال تعالى : { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } . ( لقمان : 34 ) . وقال بعض المفسرين :

إن الساعة قادمة وحاصلة لا محالة أكاد أخفيها عن نفسي ، فكيف أطلعكم عليها .

قال المبرد :

وهذا على عادة العرب ، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء : كتمته حتى من نفسي ، أي : لم أطلع عليه أحدا .

قال الطبري في تفسير الآية :

والذي هو أولى بتأويل الآية من القول ، قول من قال : معناه : أكاد أخفيها من نفسي ؛ لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب الستر ، يقال : أخفيت الشيء ؛ إذا سترته ، وإنما اخترنا هذا القول على غيره ؛ لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين .

وجاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :

قال ابن عباس :

{ أكاد أخفيها } . أي : لا أطلع عليها أحدا غيري ، وقال السدي : ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة ، وهي في قراءة ابن مسعود ( إني أكاد أخفيها من نفسي ) يقول : كتمتها من الخلائق ، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي فعلت .

قال قتادة : لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ، ومن الأنبياء والمرسلين ، قلت : وهذا كقوله تعالى { قل لا يعلم من في السماوات الغيب إلا الله . . . } ( النمل : 65 ) . وقال تعالى : { ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة . . . } الأعراف : 187 ) . أي : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض .

{ لتجزي كل نفس بما تسعى } ؛ لتنال كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر ، قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 8 ، 7 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

{ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي كائنة لا محالة ، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين { أَكَادُ أُخْفِيهَا } أقرب أن أخفي الساعة ولا أظهرها بأن أقول إنها آتية ولولا أن في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت ، وحاصله أكاد أبالغ في إخفائها فلا أجمل كما لم أفصل ، والمقاربة هنا مجاز كما نص عليه أبو حيان أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره وإلى ذلك ذهب الأخفش . وابن الأنباري . وأبو مسلم ، ومن مجيء كاد بمعنى أراد كما قال ابن جني في المحتسب قوله :

كادت وكدت وتلك خير إرادة *** لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

وروي عن ابن عباس . وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ، ويؤيده أن في مصحف أبي كذلك ، وروى ابن خالويه عنه ذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها ، وفي بعض القراآت بزيادة فكيف أظهرها لكم ، وفي مصحف عبد الله بزيادة فكيف يعلمها مخلوق وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال : كدت أخفيه من نفسي ومن ذلك قوله :

أيام تصحبني هند وأخبرها *** ما كدت أكتمه عني من الخبر

ونحو هذا من المبالغة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم تحت ظل «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » ويجعل ذلك من باب المبالغة يندفع ما قيل إن إخفاء ذلك من نفسه سبحانه محال فلا يناسب دخول كاد عليه ، ولا حاجة لما قيل : إن معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ، والقرينة على هذا المحذوف إثباته في المصاحف ، وكونه قرينة خارجية لا يضر إذ لا يلزم في القرينة وجودها في الكلام . وقيل : الدليل عليه أنه لا بد لأخفيها من متعلق وهو من يخفى منه . ولا يجوز أن يكون من الخلق لأنه تعالى أخفاها عنهم لقوله سبحانه : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] فيتعين ما ذكر . وفيه أن عدم صحة تقدير من الخلق ممنوع لجواز إرادة إخفاء تفصيلها وتعيينها مع أنه يجوز أن لا يقدر له متعلق ، والمعنى أوجد إخفاءها ولا أقول : إنها آتية .

وقال أبو علي : المعنى أكاد أظهرها بإيقاعها على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها أي ساترها وهو في الأصل ما يلف به القربة ونحوها من كساء وما يجري مجراه . ومن ذلك قول امرئ القيس :

فإن تدفنوا الداء لا نخفه *** وإن توقدوا الحرب لا نقعد

ويؤيده قراءة أبي الدرداء . وابن جبير . والحسن . ومجاهد . وحميد . ورويت عن ابن كثير . وعاصم { أُخْفِيهَا } بفتح الهمزة فإن خفاه بمعنى أظهره لا غير في المشهور ، وقال أبو عبيدة كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد . ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس شيئاً واحداً حتى تتعارض القراءتان . وقالت فرقة : خبر كاد محذوف أكاد آتي بها كما حذف في قول صابىء البرجمي :

هممت ولم أفعل وكدت وليتني *** تركت على عثمان تبكي حلائله

أي وكدت أفعل وتم الكلام ثم استأنف الأخبار بأنه تعالى يخفيها ، واختار النحاس وقالت فرقة أخرى : { أَكَادُ } زائدة لا دخول لها في المعنى بل المراد الإخبار بأن الساعة آتية وإن الله تعالى يخفي وقت إتيانها . وروي هذا المعنى عن ابن جبير . واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] . ويقول زيد الخيل :

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه *** فما أن يكاد قرنه يتنفس

ولا حجة في ذلك كما لا يخفى { لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } متعلق بآتية كما قال صاحب اللوامح وغيره وما بينهما اعتراض لا صفة حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف وهو لا يجوز على رأي البصريين أو بأخفيها على أن المراد أظهرها لا على أن المراد أسترها لأنه لا وجه لقولك : أسترها لأجل الجزاء ، وبعضهم جوز ذلك ، ووجهه بأن تعمية وقتها لتنتظر ساعة . فساعة فيحترز عن المعصية ويجتهد في الطاعة . وتعقب بأنه تكلف ظاهر مع أنه لا صحة له إلا بتقدير لينتظر الجزاء أو لتخاف وتخشى ، وما مصدرية أي لتجزى بسعيها وعلمها إن خيراً فخير وإن شراً فشر . وهذا التعميم هو الظاهر ، وقيل : لتجزى بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها ، وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعياً فيما ذكر أو تقاعداً عنه بالمرة أو سعياً في تحصيل ما يضاده للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة ، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة بحيث يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها من الطاعات وتحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي انتهى .

ولا يخفى ما فيه ، وقيل : ما موصولة أي بالذي تسعى فيه ، وفيه حذف العائد المجرور بالحرف مع فقد شرطه .

وأجيب بأنه يجوز أن يكون القائل لا يشترط ، وقيل : يقدر منصوباً على التوسع .

وفيه إشارة إلى الأعمال الجسمانية والروحانية وإلى علم المعاد بقوله سبحانه { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } [ طه : 15 ] .