تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

استخلاف المؤمنين :

{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 55 ) } .

تمهيد :

بعد أن بين الله تعالى أن من أطاع الرسول فقد اهتدى إلى الحق ، ومن اهتدى إلى الحق فجزاؤه دار النعيم ، أردف ذلك وعده الكريم بأنه سيجعل المؤمنين المطيعين لله ورسوله خلفاء في الأرض ، ويؤيدهم بالنصرة والإعزاز ، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا ، فيعبدون الله وحده وهم آمنون ، ومن جحد هذه النعم من بعد ذلك فقد عصى ربه ، وكفر أنعمه .

روى الطبراني ، والحاكم ، وابن مردويه ، عن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه المدينة وآوتهم الأنصار ؛ رمتهم العرب عن قوس واحدة ، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه ، فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت الآية .

التفسير :

55 - وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ . . . الآية .

أي : وعد الله المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم ، ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم ، وليجعلنهم ملوكها وساستها ، كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة وجعلهم ملوكها وسكانها .

وقد وفى سبحانه بوعده ، فإنه لم يمت صلى الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب ، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم ، والمقوقس في مصر ، والنجاشي ملك الحبشة .

ولما قبض صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، قام بالأمر من بعده الخلفاء الراشدون ، فنهجوا منهجه ، وافتتحوا كثيرا من المشرق والمغرب ، ومزقوا ملك الأكاسرة ، وملكوا خزائنهم ، واستعبدوا أبناء القياصرة ، وصدق قول رسوله : ( إن الله زوى لى الأرض ؛ فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها )227 .

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ . . .

أي : وليجعلن دين الإسلام راسخا قويا ثابت القدم ، ويعظم أهله في نفوس أعدائه الذين يواصلون الليل بالنهار في التدبير لإطفاء أنواره ، لتعفو آثاره .

وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا . . .

أي : وليغيرن حالهم من الخوف إلى الأمن ، قال الربيع بن أنس : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين ، يدعون إلى الله وحده ، وإلى عبادته وحده لا شريك له ، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة فقدموها ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ، فصبروا على ذلك ما شاء الله ، ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله ، أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لن تصبروا إلا يسيرا ، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة ) . فأنزل الله : وعد الله الذين آمنوا . . . إلى آخر الآية .

ونحو الآية قوله تعالى : وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ( الأنفال : 26 ) .

ثم أتبع ذلك بتعليل التمكين وما بعده بقوله :

يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا . . .

أي : يعبدونني غير خائفين أحدا غيري .

وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

أي : ومن جحد هذه النعم فأولئك هم الذين أنكروا فضل المنعم بها ، وتناسوا جليل خطرها .

رأى المودودي في استخلاف المؤمنين الصالحين :

يقول الأستاذ المودودي : هذا وعد من الله تعالى للمسلمين بأنه سيجعلهم خلفاء الأرض ، أي : أئمة الناس وقادتهم . والمقصود من هذه الآية : تنبيه المنافقين إلى أن هذا الوعد الذي قد قطعه الله – تبارك وتعالى – للمسلمين ، ليس الخطاب فيه لكل من ينتمي إلى الإسلام ولو اسما ، بل إنما هو للمسلمين الذين هم صادقون في إيمانهم ، وصالحون باعتبار أخلاقهم وأعمالهم ، ومتبعون لدين الله الذي قد ارتضاه وملتزمون لعبادته وعبوديته وحده وغير مشركين به شيئا ، وأما الذين ليسوا على تلك الصفات وإنما يدعون الإيمان بألسنتهم : فلا يستأهلون هذا الوعد لأنه لم يقطع لهم ، فلا يرجون أن ينالوا نصيبا منه .

قد رأينا بعض المغرضين من الناس يجعلون ( الخلافة ) بمعنى مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم والتمكن ، ثم يستنتجون من هذه الآية أن كل من حصل له العلو والغلبة في الأرض ، فهو مؤمن صالح متبع لدين الله المرتضي ، قائم بعبوديته مجتنب للشرك به ، بل هم – فوق ذلك – يبدلون مفهوم كل كلمة من كلمات الإيمان والصلاح والدين والعبادة والشرك ، حتى يجعلوها متفقة مع أهوائهم ونظريتهم الزائفة هذه . فهذا أشنع تحريف معنوي للقرآن ، قد فاق تحريف اليهود والنصارى لكتبهم ، وبين لآية الاستخلاف هذه معنى يريد أن يمسخ تعليم القرآن كله ولا يترك شيئا من الإسلام في مقامه ، فإنه لا بد بعد هذا التحريف للخلافة أن تنطبق هذه الآية على كل من لهم العلو والغلبة في الأرض اليوم ، أو كانت لهم في الزمن الماضي ، ولو كانوا جاحدين بالله والرسالة والوحي واليوم الآخر . منغمسين في أدناس الفسق والفجور التي قد عدها القرآن من الكبائر ، كأكل الربا وارتكاب الزنا وشرب الخمر ولعب الميسر وما إليها . فإن كان أمثال هؤلاء من المؤمنين الصالحين ، ولأجل إيمانهم وصلاحهم نالوا العلو والغلبة في الأرض ، فأي معنى يمكن أن يكون للإيمان غير الإذعان لقوانين الطبيعة ، وللصلاح غير العمل وفق هذه القوانين ؟ وماذا يمكن أن يكون دين الله المرتضى غير بلوغ الكمال في العلوم الطبيعية وترقية الصناعة والتجارة والسياسة القومية ؟ وهل يمكن بعد التسليم بنظريتهم الزائفة أن تكون عبادة الله غير التزام القواعد والضوابط التي تساعد على بلوغ النجاح في السعي الفردي والاجتماعي فطرة ؟ وهل يبقى الشرك إذن عبارة عن شيء غير مزج هذه القواعد والضوابط المفيدة بالطرق المضرة ؟ ولكن هل لأحد قد قرأ القرآن مرة بقلب مفتوح وعينين مبصرتين أن يقول بأن هذه هي المعاني لكلمات الإيمان والعمل الصالح ودين الحق والعبادة والتوحيد والشرك المذكورة في القرآن ؟ الحقيقة أنه لا يكاد يقول هذه المعاني إلا رجل لم يكن قد قرأ القرآن ولا مرة واحدة من بدئه إلى آخره مع فهم معانيه ، وإدراك مقاصده ، وإنما أخذ آية من هنا وأخرى من هناك فحرفها وفقا لأهوائه ونظرياته وأفكاره ، أو رجل مازال عند قراءته للقرآن يبطل ويخطئ بزعمه جميع الآيات التي فيها دعوة الناس إلى الإيمان بالله ربا واحدا ، وإلها لا شريك له ، وبوحيه الذي أنزل على رسوله وسيلة وحيدة لمعرفة الهداية ، وبكل نبي أرسله إلى الدنيا قائدا يجب على الناس أن يطيعوه ، أو فيها الأمر للناس باعتقاد حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا ، بل قيل لهم فيها أن لا فلاح للذين يريدون الحياة الدنيا فقط وهم عن الآخرة غافلون .

وهذه الموضوعات قد أبدئ في ذكرها وأعيد في القرآن بكثرة وبطرق مختلفة وبألفاظ واضحة صريحة ، حيث يتعسر علينا تصديق أن يقرأ أحد القرآن بإخلاص وأمانة ثم يقع في مثل الأخطاء والأغلوطات التي قد وقع فيها هؤلاء المفسرون الجدد لآية الاستخلاف ، فالحقيقة أن المعنى الذي بينوه لكلمتي الخلافة والاستخلاف وعلى أساسه قد رفعوا بناءهم ، إنما اختلقوه من عند أنفسهم ، ولا يكاد يقول به أحد يعرف القرآن .

إن القرآن يستعمل كلمة الخلافة بثلاثة معان مختلفة ، وفي كل موضع من مواضع استعماله لهذه الكلمة تعرف بسياقها ، في أي معنى من هذه المعاني الثلاثة قد استعملها . فمعناها الأول : ( حمل أمانة السلطة والصلاحيات ) ، وبهذا المعنى أن ذرية آدم كلها خليفة الله في الأرض . ومعناها الثاني : ( ممارسة صلاحيات الخلافة تحت أمر الله التشريعي ، لا تحت أمره التكويني فقط ، مع التسليم بحاكميته العليا ) ، وبهذا المعنى إنما المؤمن الصالح هو الخليفة في الأرض ، لأنه هو الذي يؤدي حق الخلافة على وجهه الصحيح ، وعلى العكس منه ليس الكافر والفاسق بخليفة لله ، بل هو خارج عليه ، لأنه يتصرف في ملكه على طريق معصيته . ومعناها الثالث : ( قيام أمة جديدة مقام أمة غالبة في عصر من العصور بعد انقراضها ) . المعنيان الأولان مأخوذان من الخلافة بمعنى النيابة ، والمعنى الثالث مأخوذ من الخلافة بمعنى البقاء والقيام مقام الغير ، وهذان المعنيان لكلمة الخلافة معروفان في لغة العرب . فمن قرأ الآن آية الاستخلاف بهذا السياق فإنه لا يكاد يشك لطرفة عين في أن كلمة الخلافة قد استعملت في هذا المقام بمعنى الحكومة القائمة بحق نيابة الله تعالى وفق أمره الشرعي ، ولأجل ذلك يأبى الله تعالى أن يشمل المنافقين المدعين بإسلامهم في وعده الذي يقطعه للمسلمين في هذه الآية ، فضلا عن أن يشمل فيه الكفار ، ولأجل ذلك يقول إنه لا يستحق هذا الوعد إلا المتصفون بصفات الإيمان والعمل الصالح ، ولجل ذلك يذكر – سبحانه وتعالى – من ثمرات قيام الخلافة في الأرض أن يقوم دينه الذي ارتضى – أي : الإسلام – على الأسس القوية ، ولأجل ذلك ذكر هذه النعمة مشترطة بأن يبقى المسلمون قائمين بحق عبادته : يعبدونني لا يشركون بي شيئا . أما توسيع هذا الوعد إلى النطاق الدولي ، والتقرب به إلى كل من كان له العلو والكلمة النافذة في العالم – أمريكا أو روسيا أو غيرهما – فإن هو إلا طغيان في الغي ، وتماد في الجهل والضلال ولا غير .

وأمر آخ يجدر بالذكر في هذا المقام ، هو أن هذا الوعد ، وإن كان شاملا للمسلمين في جميع الأزمان ، ولكن الخطاب المباشر فيه لأولئك المسلمين الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وحقا إن المسلمين كانوا في حالة شديدة من الخوف أيام نزول هذا الوعد ، حتى كانوا لا يضعون سلاحهم ، وما كان دين الإسلام قد تمكن لهم حتى ولا في أرض الحجاز ، ولكن هذه الحالة ما تبدلت في عدة سنوات بحالة الأمن والرفاهية والطمأنينة فحسب ، بل تجاوز فيها الإسلام حدود جزيرة العرب وانتشر في أكبر جزء من أفريقية وآسيا ، ولم ترسخ جذوره في منبت أرومته فقط بل وفي أكثر أقطار الأرض . فهذا شاهد تاريخي بأن الله تعالى قد أنجز وعده في أبي بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم – ولا يكاد يشك بعد ذلك رجل يقيم أدنى وزن للإنصاف في أن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حق قد صادق عليه القرآن نفسه ، وأن الله تعالى نفسه يشهد بكونهم مؤمنين صالحين . بيد أن من كان في ريب من ذلك ، فعليه أن يراجع كتاب نهج البلاغة ويقرأ فيه الكلام الآتي لسيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – لما استشاره عمر في غزو الفرس بنفسه :

إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال – عز اسمه - : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ . . . والله منجز وعده وناصر جنده . ومكان القيم بالأمر228 مكان النظام من الخرز : يجمعه ويضمه ، فإذا انقطع النظام ، تفرق الخرز وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا . والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلين ، فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالاجتماع ، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب . فإنك إن شخصت229 من هذه الأرض انقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك .

إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا : هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبيهم عليك230 وطمعهم فيك . فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله – سبحانه – هو أكره لمسيرهم وهو أقدر على تغيير ما يكره ، وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة231 .

ولكل من يقرأ هذا الكلام أن يرى : من الذي يجعله سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – مصداقا لآية الاستخلاف ؟

وأما قوله تعالى بعد ذكر هذا الوعد : ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون . فالمراد بالكفر فيه : إما الكفران بنعمة الله ، أو الإنكار لما أنزل من الحق .

فباعتبار المعنى الأول : يصدق هذا القول على الذين يعدلون عن الطريق الحق ، بعد نيلهم نعمة الخلافة ، وباعتبار المعنى الثاني : يصدق على المنافقين الذين يصرون على نفاقهم حتى بعد علمهم بهذا الوعد من الله تعالى232 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

وقوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ففي الآية تنويع الخطاب حيث خاطب سبحانه المقسمين على تقدير التولي ثم صرفه تعالى عنهم إلى المؤمين الثابتين وهو كالاعتراض بناء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من كون { وأقيموا الصلاة } [ النور : 56 ] عطفاً على قوله سبحانه : { أَطِيعُواْ الله } [ النور : 54 ] وفائدته أنه لما أفاد الكلام السابق أنه ينبغي أن يأمرهم بالطاعة كفاحاف ولا يخاف مضرتهم أكد بأنه عليه الصلاة والسلام هو الغالب ومن معه فإني للخوف مجال ، وإن شئت فاجعله استئنافاً جيء به لتأكيد ما يفيده الكلام من نفي المضرة على أبلغ وجه من غير اعتبار كونه اعتراضاً فإن في العطف المذكور ما ستسمعه إن شاء الله تعالى ؛ ومن بيانية ، ووسط الجار والمجرور بين جملة { ءامَنُواْ } والجملة المعطوفة عليها الداخلة معها في حيز الصلة أعني

قوله تعالى : { وَعَمِلُواْ الصالحات } مع التأخير في قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [ الفتح : 29 ] قيل للدلالة على أن الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمان ، ولهذا كان الأصح عدم الانعزال بالفسق الطارىء ودل عليه صحاح الأحاديث ومدخلية الصلاح في ابتداء البيعة وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أثل فكان المناسب التأخير . وقد يقال : إن ذلك لتعجيل مسرة المخاطبين حيث أن الآية سيقت لذلك ، وقيل : الخطاب للمقسمين والكلام تتميم لقوله تعالى : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } [ النور : 54 ] ببيان ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتب عليه وفي الآجل ما لا يقادر قدره على ما أدمج في قوله سبحانه : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ النور : 56 ] والجار للتبعيض وأمر التوسيط على حاله ، ولم يرتضه بعض الأجلة لأن { ءامَنُواْ } إن كان ماضياً على حقيقته لم يستقم إذ لم يكن فيهم من كان آمن حال الخطاب وإن جعل بمعنى المضارع على المألوف من أخبار الله تعالى فمع نبوه عن هذا المقام لم يكن دليلاً على صحة أمر الخلفاء ولم يطابق الواقع أيضاً لأن هؤلاء الأجلاء لم يكن من بعض من آمن من أولئك المخاطبين ولا كان في المقسمين من نال الخلافة انتهى ، وفيه شيء . ولعله لا يضر بالغرض وارتضى أبو السعود تعلق الكلام بذلك وادعى أنه استئناف مقرر لما في قوله تعالى : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } [ النور : 54 ] الخ من الوعد الكريم معرب عنه بطريق التصريح ومبين لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها الاهتداء وأن المراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم وأن الخطاب ليس للرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين المخلصين أو من يعمهم وغيرهم من الأمة ولا للمنافقين خاصة بل هو لعامة الكفرة وأن من للتبعيض ، وقال في نكتة التوسيط : إنه لإظهار إصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم ، وأما التأخير في آية سورة الفتح فلأن من هناك بيانية والضمير للذين معه عليه الصلاة والسلام من خلص المؤمنين ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة مثابرون عليها فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة بكمالها انتهى .

وأنت تعلم أن كون الخطاب لعامة الكفرة خلاف الظاهر ، وحمل الفعل الماضي على ما يعم الماضي والمستقبل كذلك وفيما ذكره أيضاً بعد عن سبب النزول ، فقد أخرج ابن المنذر . والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه . وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل . والضياء في المختارة عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله تعالى فنزلت : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ } الآية ولا يتأتى معه الاستدلال بالآية على صحة أمر الخلفاء أصلاً ، ولعله لا يقول به ويستغنى عنه بما هو أوضح دلالة ، وعن ابن عباس . ومجاهد عامة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأطلقاً الأمة وهي تطلق على أمة الإجابة وعلى أمة الدعوة لكن الأغلب في الاستعمال الاطلاق الأول فلا تغفل ، وإذا كانت من بيانية فالمعنى وعد الله الذين آمنوا الذين هم أنتم { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض } أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم أو خلفاء من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة بأن ينصرهم عليهم ويورثهم أرضهم ، والمراد بالأرض على ما قيل جزيرة العرب ، وقيل مأواه عليه الصلاة والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح «زويت لي الأرض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب أي وعد الله الذين آمنوا استخلافهم وأقسم لستخلفنهم ، ويجوز أن ينزل وعده تعالى لتحقق انجازه لا محالة منزلة القسم وإليه ذهب الزجاج ويكون { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } منزل منزلة المفعول فلا حذف .

وما في قوله تعالى : { كَمَا استخلف } مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر محذوف أي ليستخلفنهم استخلافاف كائناً كاستخلافه { الذين مِن قَبْلِهِمْ } وهم بنوا اسرائيل استخلفهم الله عز وجل في الشام بعد إهلاك الجبابرة وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت تحت تصرفهم بعد هلاك فرعون وإن لم يعودوا إليها أو هم ومن قبلهم من الأمم المؤمنة الذين أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين .

وقرئ { كَمَا استخلف } بالبناء للمفعول فيكون التقدير ليستخلفنهم في الأرض فيستخلفون فيها استخلافاف أي مستخلفية كائنة كمستخلفية الذين من قبلهم { وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ } عطف على { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } والكلام فيه كالكلام فيه ، وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أنه كالأثر للاستخلاف المذكور .

وقيل : لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل ، والتمكين في الأصل جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والمعنى ليجعلن دينهم ثابتاً مقرراً بأن يعلى سبحانه شأنه ويقوى بتأييده تعالى أركانه ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل في التدبير لإطفاء أنواره ويستنهضون الرجال والخيل للتوصل إلى إعفاء آثاره فيكونون بحيث ييأسون من التجمع لتفريقهم عنه ليذهب من البين ولا تكاد تحدثهم أنفسهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثراً بعد عين .

وقيل : المعنى ليجعله مقرراً ثابتاف بحيث يستمرون على العمل بأحكامه ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يدرون ، وأصل التمكين جعل الشيء مكاناف لآخر والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض انتهى ، وفيه بحث ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم مع التشويق إلى المؤخر ولأن في توسيطه بينه وبين وصفه أعني قوله تعالى : { الذي ارتضى لَهُمْ } وتأخيره عن الوصف من الاخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى ، وفي إضافة الدين وهو دين الإسلام إليهم ثم وصفه بارتضائه لهم من مزيد الترغيب فيه والتثبيت عليه ما فيه { وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } بالتشديد ، وقرأ ابن كثير . وأبو بكر . والحسن . وابن محيصن بالتخفيف من الإبدال ، وأخرج ذلك عبد بن حميد عن عاصم وهو عطم على ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ أَوْليمكنن ) { مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ } بمقتضى البشرية في الدنيا من أعدائهم في الدين { مِنَ } لا يقادر قدره ، وقيل : الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة والأمن في الآخرة ورجح بأن الكلام عليه أبعد من احتمال التأكيد بوجه من الوجوه بخلافه على الأول .

وأنت تعلم أن الأول أوفق بالمقام والأخبار الواردة في سبب النزول تقتضيه وأمر احتمال التأكيد سهل .

{ يَعْبُدُونَنِى } جوز أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال إما من { الذين } الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد لأن ما في حيز الصلة من الإيمان وعمل الصالحات بصيغة الماضي لما دل على أصل الاتصاف به جيء بما ذكر حالا بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددي وإما من الضمير العائد عليه في { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } أو في { ليبدلنهم } ، وجوز أن تكون مستأنفة إما لمجرد الثناء على أولئك المؤمنين على معنى هم يعبدونني وإما لبيان علة الاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد ، وقوله تعالى : { يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } حال من الواو في { يَعْبُدُونَنِى } أو من { الذين } أو بدل من الحال أو استئناف .

ونصب { شَيْئاً } على أنه مفعول به أي شيئاً مما يشرك به أو مفعول مطلق أي شيئاً من الإشراك . ومعنى العبادة وعدم الإشراك ظاهر .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله سبحانه : { يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } لا يخافون أحداً غيري ، وأخرج هو وجماعة عن مجاهد نحوه . ولعلهما أراد بذلك تفسير { لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } وكأنهما عدا خوف غير الله تعالى نوعاً من الإشراك ، واختير على هذا حالية الجملة من الواو كأنه قيل : يعبدونني غير خائفين أحداً غيري ، وجوز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع { يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ } الخ وكأنهما ادعيا أن عدم خوف أحد غيره سبحانه من لوازم العبادة والتوحيد وأن جملة { يَعْبُدُونَنِى } الخ استئناف لبيان ما يصلون إليه من الأمن كأنه قيل : يأمنون إلى حيث لا يخافون أحداً غير الله تعالى ولا يخفي ما في التعبير بضمير المتكلم وحده في { يَعْبُدُونَنِى . وَلاَ يشركون بَى } دون ضمير الغائب ودون ضمير العظمة من اللطافة .

{ وَمَن كَفَرَ } أي ومن ارتد من المؤمنين { بَعْدَ ذَلِكَ } أي بعد حصول الموعود به { فَأُوْلَئِكَ } المرتدون البعداء عن الحق { هُمُ الفاسقون } أي الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان إذ لا عذر لهم حينئذ ولا كجناح بعوضة ، وقيل : كفر من الكفران لا من الكفر مقابل الإيمان وروي ذلك عن أبي العالية وكما لهم في الفسق لعظم النعمة التي كفروها ، وقيل : ذلك إشارة إلى الوعد السابق نفسه ، وفي إرشاد العقل السليم أن المعنى ومن اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها فأولئك هم الكاملون في الفسق ، وكون المراد بكفر ما ذكر أنسب بالمقام من كون المراد به ارتد أو كفر النعمة انتهى . والأولى عندي ما تقدم فإنه الظاهر ، وفي الكلام عليه تعظيم لقدر الموعود به من حيث أنه لا يبقى بعد حصوله عذر لمن يرتد ، وقوة مناسبته للمقام لا تخفى . وهو ظاهر قول حذيفة رضي الله تعالى عنه فقد أخرج ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال : كنت جالساً مع حذيفة . وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال حذيفة : ذهب النفاق انما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو الكفر بعد الإيمان فضحك ابن مسعود ثم قال : بم تقول ؟ قال : بهذه الآية { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات } إلى آخر الآية وكأن ضحك ابن مسعود كان استغراباً لذلك وسكوته بعد الاستدلال ظاهر في ارتضائه لما فهمه معدن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية .

و { مِنْ } تحتمل أن تكون موصولة وتحتمل أن تكون شرطية وجملة { مَن كَفَرَ } الخ قيل معطوفة على جملة { وَعَدَ الله } الخ أو على جملة محذوفة كأنه قيل : من آمن فهم الفائزون ومن كفر الخ ، وقيل : إن هذه الجملة وكذا جملة { يَعْبُدُونَنِى } استئناف بياني أما ذلك في الأول فالسؤال ناشىء من قوله تعالى : { وَعَدَ الله } الخ فكأنه قيل : فما ينبغي للمؤمنين بعد هذا الوعد الكريم أو بعد حصوله ؟ فقيل : يعبدونني لا يشركون بي شيئاً . وأما في الثانية فالسؤال ناشىء من الجواب المذكور فكأنه قيل فإن لم يفعلوا فماذا ؟ فقيل : ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وجزاؤهم معلوم وهو كما ترى .

هذا واستدل كثير بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم لأن الله تعالى وعد فيها من في حضرة الرسالة من المؤمنين بالاستخلاف وتمكين الدين والأمن العظيم من الأعداء ولا بد من وقوع ما وعد به ضرورة امتناع الخلف في وعده تعالى ولم يقع ذلك المجموع إلا في عهدهم فكان كل منهم خليفة حقا باستخلاف الله تعالى إياه حسبما وعد جل وعلا ولا يلزم عموم الاستخلاف لجميع الحاضرين المخاطبين بل وقوعه فيهم كبنو فلان قتلوا فلاناً فلا ينافي ذلك عموم الخطاب الجميع ، وكون من بيانية ، وكذا لا ينافيه ما وقع في خلافة عثمان . وعلي رضي الله تعالى عنهما من الفتن لأن المراد من الأمن الأمن من أعداء الدين وهم الكفار كما تقدم .

وأقامها بعض أهل السنة دليلاً على الشيعة في اعتقادهم عدم صحة خلافة الخلفاء الثلاثة ، ولم يستدل بها على صحة خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه لأنها مسلمة عند الشيعة والأدلة كثيرة عند الطائفتين على من ينكرها من النواصب عليهم من الله تعالى ما يستحقون فقال : إن الله تعالى وعد فيها جمعاً من المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت نزولها بما وعد من الاستخلاف وما معه ووعده سبحانه الحق ولم يقع ذلك إلا في عهد الثلاثة ، والإمام المهدي لم يكن موجوداً حين النزول قطعاً بالإجماع فلا يمكن حمل الآية على وعده بذلك ، والأمير كرم الله تعالى وجهه وإن كان موجداً إذ ذاك لكن لم يرج الدين المرضى كما هو حقه في زماه رضي الله تعالى عنه بزعم الشيعة بل صار أسوأ حالاً بزعمهم مما كان في عهد الكفار كما صرح بذلك المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام بل كل كتب الشيعة تصرح بأن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم ويظهرون دين المخالفين تقية ولم يكن الأمن الكامل حاصلاً أصلاً في زمانه رضي الله تعالى عنه فقد كان أهل الشام ومصر والمغرب ينكرون أصل إمامته ولا يقبلون أحكامه وهم كفرة بزعم الشيعة وأغلب عسكر الأمير يخافونهم ويحذرون غاية الحذر منهم ، ومع هذا الأمير فرد فلا يمكن إرادته من الذين آمنوا ليكون هو رضي الله تعالى عنه مصداق الآية كما يزعمون فإن حمل لفظ الجمع على واحد خلاف أصولهم إذ أقل الجمع عندهم ثلاثة أفراد ، وأما الأئمة الآخرون الذين ولدوا بعد فلا احتمالا لإرادتهم من الآية إذ ليسوا بموجودين حال نزولها ولم يحصل لهم التسلط في الأرض ولم يقع رواج دينهم المرتضى لهم وما كانوا آمنين بل كانوا خائفين من أعداء الدين متقين منهم كما أجمع عليه الشيعة فلزم أن الخلفاء الثلاثة هم مصداق الآية فتكون خلافتهم حقة وهو المطلوب .

/ وزعم الطبرسي أن الخطاب للنبي وأهل بيته صلى الله عليه وسلم فهم الموعودون بالاستخلاف وما معه ويكفي في ذلك تحقق الموعود في زمن المهدي رضي الله تعالى عنه ، ولا ينافي ذلك عدم وجوده عند نزول الآية لأن الخطاب الشفاهي لا يخص الموجودين ، وكذا لا ينافي عدم حصوله للكل لأن الكلام نظير بنو فلان قتلوا فلاناف ، واستدل على ذلك بما روي العياشي بإسناده عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ الآية فقال : هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يد رجل منا وهو مهدي هذه الأمة وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً » .

وزعم أنه روي مثل ذلك عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما . وهذا على ما فيه مما يأباه السياق والأخبار الصحيحة الواردة في سبب النزول . وأخبار الشيعة لا يخفي حالها لا سيما على من وقف على التحفة الأثنى عشرية . نعم ورد من طريقنا ما يستأنس به لهم في هذا المقام لكنه لا يعول عليه أيضاً مثل أخبارهم وهو ما أخرجه عبد بن حميد عن عطية أنه عليه الصلاة والسلام قرأ الآية فقال : أهل البيت ههنا وأشار بيده إلى القبلة . وزعم بعضهم نحو ما سمعت عن الطبرسي إلا أنه قال : هي في حق جميع أهل البيت علي كرم الله تعالى وجهه وسائر الأئمة الأثنى عشر وتحقق ذلك فيهم زمن الرجعة حين يقوم القائم رضي الله تعالى عنه . وزعم أنها أحد أدلة الرجعة ، وهذا قد زاد في الطنبور نغمة . وقال الملا عبد الله المشهدي في كتابه إظهار الحق لابطال الاستدلال بها على صحة خلافة الخلفاء الثلاثة : يحتمل أن يكون الاستخلاف بالمعنى اللغوي وهو الاتيان بواحد خلف آخر أي بعده كما في قوله تعالى في حق بني إسرائيل : { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } [ الأعراف : 129 ] فقصارى ما يثبت أنهم خلفاء بالمعنى اللغوي وليس النزاع فيه بل هو في المعنى الاصطلاحي وهو معنى مستحدث بعد رحلة النبي صلى الله عليه وسلم اه .

وأجيب بأنه لو تم هذا لا يتم لهم الاستدلال على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بالمعنى المصطلح بحديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى » المعتضد بما حكاه سبحانه عن موسى عليه السلام من قوله لهارون { اخلفنى فِى قَوْمِى } [ الأعراف : 142 ] وبما يروونه من قوله صلى الله عليه وسلم : «يا علي أنت خليفتي من بعدي » وكذا لا يتم لهم الاستدلال على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه بما تضمن لفظ الإمام لأنه لم يستعمل في اكلتاب المجيد بالمعنى المصطلح أصلاً وإنما استعمل بمعنى النبي والمرشد والهادي والمقتدى به في أمر خيراً كان أو شراً أو متى ادعى فهم المعنى المصطلح من ذلك بطريق اللزوم فليدع فهم المعنى المصطلح من الخليفة كذلك وربما يدعي أن فهمه منه أقوى لأنه مقرون حيث وقع في الكتاب العزيز بلفظ في الأرض الدال على التصرف العام الذي هو شأن الخليفة بذلك المعنى على أن مبني الاستدلال على خلافة الثلاثة بهذه الآية ليس مجرد لفظ الاستخلاف حتى يتم غرض المناقش فيه بل ذلك مع ملاحظة إسناد إلى الله تعالى ، وإذا أسند الاستخلاف اللغوي إلى الله عز وجل فقد صار استخلافاً شرعياً ، وقد يستفتي في هذه المسألة من علماء الشيعة فيقال : إن اتيان بني إسرائيل بمكان آل فرعون والعمالقة وجعلهم متصرفين في أرض مصر والشام هل كان حقاً أولاً ولا أظنهم يقولون إلا أنه حق وحينئذ يلزمهم أن يقولوا به في الآية لعدم الفرق وبذلك يتم الغرض هذا حاصل ما قيل في هذا المقام .

/ والذي أميل أليه أن الآية ظاهرة في نزاهة الخلفاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم عما رماهم الشيعة به من الظلم والجور والتصرف في الأرض بغير الحق لظهور تمكين الدين والأمن التام من أعدائه في زمانهم ولا يكاد بحسن الامتنان بتصرف باطل عقباه العذاب الشديد . وكذا لا يكاد يحسن الامتنان بما تضمنته الآية على أهل عصرهم مع كونهم الرؤساء الذين بيدهم الحل والعقد ، لو كانوا وحاشاهم كما يزعم الشيعة فيهم ، ومتى ثبت بذلك نزاهتهم عما يقولون اكتفينا به وهذا لا يتوقف إلا على اتصافهم بالإيمان والعمل الصالح حال نزول الآية وإنكار الشيعة له إنكار للضروريات ، وكون المراد بالآية علياً كرم الله تعالى وجهه أو المهدي رضي الله تعالى عنه أو أهل البيت مطلقاً مما لا يقوله منصف .

وفي كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه ما يقتضي بسوقه خلاف ما عليه الشيعة ففي نهج البلاغة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما استشار الأمير كرم الله تعالى وجهه لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمعوا للحرب قال له : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولأخذ لأنه بكثرة ولا بقلة وهو دين الله تعالى الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ وطلح حيث طلح ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } والله تعالى منجز وعده وناصر جنده ومكان القيم في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق ورب متفرق لم يجتمع والعرب اليوم وإن كانوا فليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض تنقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك وكان قد آن للاعاجم أن ينظروا إليك غدا يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك فأما ما ذكرت من عددهم فأنا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة اه فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك .