{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا }
يأكلون في بطونهم نارا : أي يأكلون ما يؤدي بهم إلى النار ليعاقبوا فيها على ما أكلوه .
وسيصلون سعيرا : أي وسيدخلون نارا هائلة ، من صلى النار بكسر اللام أي قاسى حرها : والسعير النار الموقدة ، من سعرت النار أوقدتها .
تحدثت السورة عن اليتيم ، وحذرت من أكل ماله بالباطل ، وكشفت الحيل والألاعيب التي يلجأ إليها الأوصياء : نجد ذلك في الآية الثانية والثالثة ، والسادسة ، والثامنة والتاسعة من سورة النساء .
وفي هذه الآية العاشرة تأكيد لما سبق ، وتحذير من أكل مال اليتيم ظلما وعدوانا ، وساقت ذلك في صورة حسية مفرغة ، صورة النار في البطون ، وصورة السعير في النهاية . . .
" إن هذا المال - مال اليتيم - لهو نار وإنهم ليأكلون هذه النار . وإن مسيرهم لإلى السعير ، فهي النار إذن تشوي البطون والجلود ، هي النار إذن من باطن وظاهر . . . هي النار مجسمة في هذا المشهد تكاد تحسها البطون وتكاد تراها الأبصار " 35 .
" وقد أكد الله الوعيد في أكل مال اليتيم ، رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته ، وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى ، بلغت عناية الله لهم إلى الغاية القصوى " 36 .
وفي أسباب النزول للواحدي ، وتفسير القرطبي والكواشي ، أن هذه الآية نزلت في رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد ، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ، فأنزل الله تعالى فيه : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } . أي بغير حق { إنما يأكلون في بطونهم نارا } . أي المال الحرام الذي يفضي بهم إلى النار :
{ وسيصلون سعيرا } : أي سيدخلون النار المسعرة يقاسون ويشتوون بحريقها .
قال تعالى : { فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلها إلا الأشقى } ( الليل 14-15 ) تقول : صليت اللحم إذا شويته ، فإن أردت أنك أحرقته قلت أصليته37 .
وللمفسرين في تفسير قوله تعالى : { إنما يأكلون في بطونهم نارا } . اتجاهان :
أولهما : أن الآية على ظاهرها ، وأن الآكلين لمال اليتامى ظلما سيأكلون النار يوم القيامة .
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا . قيل يا رسول الله من هم ؟ قال : ألم تر أن الله قال : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا . . }38 .
وثانيها : أن الكلام على المجاز لا على الحقيقة ، وان المراد إنما يأكلون في بطونهم المال الحرام الذي يفضي بهم إلى النار .
وقد اخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه وشرابه ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم . . الآية } . ( البقرة 220 ) . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم39 .
قال الفخر الرازي : ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك وهو بعيد ، لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كانت على سبيل الظلم فهي من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية ، وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهي من أعظم أبواب البر ، كما في قوله تعالى : وإن تخالطوهم فإخوانكم . . . 40 . ( البقرة 220 ) .
يدعي بعض المغرضين أن القرآن لم يهتم بالصغار . . . وهذه دعوى باطلة ، فقد عنى القرآن باليتيم وحث على إكرامه ورعايته ليكون عضوا صالحا في المجتمع وكانت التربية تتم بالقدوة والأسوة ، وفي سورة لقمان وصايا حكيم لابنه ، وفي آيات كثيرة نجد وصية للآباء برعاية أبنائهم وحسن توجيههم ، ووقايتهم من النار ، وأمرهم بالصلاة ، وكذلك في السنة المطهرة .
وقد ادعى بعض المغرضين أن التشريع الإسلامي مأخوذ عن التشريع الروماني ، وهذه دعوى باطلة لما يأتي :
1- التشريع الروماني مأخوذ عن الألواح الاثنى عشر والتشريع الروماني في سوريا وما جاورها نظر إلى العرف السائد فدونه ، وكان يرجع إليه كقانون وأحيانا يقضي القضاء بمقتضى العرف بدون قانون . فكيف يؤخذ من تدوين عرف لشريعة نزلت كاملة شاملة .
2- علماء الغرب أنفسهم يعترفون بانفراد القرآن الكريم بالحديث عن اليتيم ، وإفاضة القول في الوصية به ، فالقانون الروماني يهدف إلى أن يأخذ الوصي نصيب الأسد بينما القانون الإسلامي على النقيض من ذلك كله ، توصية باليتيم ، وتحذير من أكل ماله بشتى الطرق ، ولم يجعل للوصي الحق في أخذ شيء من المال إلا إذا كان فقيرا فليأكل بالمعروف .
1- في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل : يا رسول الله ، وما هن ؟ قال الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " 41 .
2- روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا " . وقال بأصبعيه السبابة والوسطى ، وأشار وفرج بين أصبعيه السبابة والوسطى42 .
وكان سلوك النبي الكريم قدوة حسنة في رعاية اليتامى وكفالتهم ليكونوا لبنة صالحة لا يحقدون على المجتمع ، ولا يضمرون الشر لمن ظلم ونجد الوصية باليتيم في القرآن المكي والمدني .
فمن القرآن المكي قوله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا . ( الإسراء 34 ) .
وقال تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث } . ( الضحى 2-11 ) .
ومن القرآن المدني ما ورد في الآيات العشر الأولى من سورة النساء وفيها وصايا متكررة باليتيم .
ومن القرآن المدني قوله تعالى : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } ( البقرة 220 ) .
{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } استئناف جيء به لتقرير ( مضمون ) ما فصل من الأوامر والنواهي و { ظُلْماً } إما حال أي ظالمين ، أو مفعول لأجله وقيل : منصوب على المصدرية أي أكل ظلم على معنى أكلا على وجهه ، وقيل : على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً . وقيل : ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر .
{ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم ، وشاع هذا التعبير في ذلك ، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن ، وفي بعض البطن دونه ، وهو المراد في قوله :
كلو في بعض بطنكم تعفوا *** فإن زمانكم زمن خميص
ولا ينافي هذا قول الأصوليين : إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه ، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره ، فقد قال عصام الملة : إن هذا مذهب الكوفين ، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو ، وقال شهاب الدين : الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية ، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال : أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء ، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه .
وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله تعالى : { ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقوله سبحانه : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والطير لا يطير إلا بجناح ، فقد قالوا : إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة ، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل ، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت : إن ضربت زيداً في الدار ، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر ، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول ، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه ، ولذا قال بعض الفقهاء : لو قال : إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه ، ولو قال : إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه ، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته ؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل ، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم ، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك .
والجار والمجرور متعلق بيأكلون وهو الظاهر ، وقيل : إنه حال من قوله تعالى : { نَارًا } أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب ، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه ، واستبعده بعض المحققين ، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره ، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً "
{ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } أي سيدخلون ناراً هائلة مبهمة الوصف ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة ، والباقون بفتحها ، وقرىء { وَسَيَصْلَوْنَ } بتشديد اللام ، وفي «الصحاح » يقال : صليت اللحم وغيره أصليه صلياً مثل رميته رمياً إذا شويته ، وصليت الرجل ناراً إذا أدخلته وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد ازحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية ، ويقال : صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته ، قال الطهوي :
ولاتبلي بسالتهم وإن هم *** ( صلوا ) بالحرب حيناً بعد حين
وقال بعض المحققين : إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في الدخول مجازاً ، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه ، وقيل : إنه يتعدى بالباء فيقال : صلى بالنار ، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح » ، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير أن السعير واد من فيح جهنم ، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً ، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال : هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم ، ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم ، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } ( البقرة ؛ 220 ) الآية .