تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} (1)

مقدمة السورة:

الأهداف العامة لسورة النساء

سورة النساء سورة مدنية وتسمى سورة النساء الكبرى تمييزا لها عن سورة النساء الصغرى ، وهي سورة الطلاق .

وقد عنيت سورة النساء ببيان أحكام النساء واليتامى ، والأموال والمواريث والقتال ، وتحدثت عن أهل الكتاب وعن المنافقين وعن فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها ، وحثت على التضامن والتكافل والتراحم ، وبينت حكم المحرمات من النساء . كما حثت على التوبة ودعت إليها كوسيلة للتطهر ، ودليل إلى تكامل الشخصية ، واستعادة الثقة بالنفس والشعور بالأمن والاطمئنان .

وعدد آيات سورة النساء ( 186 ) آية وعدد كلماتها ( 3745 ) كلمة .

الوصية بالنساء واليتامى

بينت سورة النساء ان الزواج شركة تعاونية أساسها المودة والرحمة والوفاء والألفة . وسوت السورة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ثم بينت أن للرجال درجة على النساء وهي درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة وبحكم الكد والعمل في تحصيل المال الذي ينفقه على الزوجة والأسرة ، وليست هذه الدرجة للرجل درجة الاستعباد أو التسخير وإنما هي زيادة في المسئولية الاجتماعية .

وقد حث القرآن الزوجة على طاعة زوجها فيما يجب فيه الطاعة والاحتفاظ بالأسرار المنزلية والزوجية التي لا ينبغي أن يطلع عليها احد غير الزوجين كما أمر الرجل أن يقوم بحق الأسرة وأن ينفق عليها ، وأن يفي بالتزامه ونحوها وجعل نفقة الرجل على أولاده ورعايته لهم نوعا من الكفاح والجهاد السلمي يثاب المؤمن على فعله ويعاتب على تركه .

اليتامى :

أمرت السورة بعد ذلك برعاية اليتامى والمحافظة على أموالهم وإكرام اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه . وحذرت السورة من إتلاف أموال اليتامى أو تبديدها وحثت على القيام بحقوقهم واختبارهم في المعاملات قبيل سن البلوغ حتى يكون اليتيم متمرنا على أنواع المعاملات والبيع والشراء عندما يتسلم أمواله .

وقد توعدت السورة أكل مال اليتيم بالنار والسعير ، والعذاب الشديد ، وقد مهدت لهذه الأحكام في آياتها الأولى فطلبت تقوى الله وصلة الرحم ، وأشعرت انهم جميعا خلقوا من نفس واحدة ، أي أن اليتيم وإن كان من غير أسرتكم فهو رحمكم وأخوكم فقوموا له بحق الأخوة وحق الرحم ، واعلموا ان الله الذي خلقكم من نفس واحدة وربط بينكم بهذه الرحم الإنسانية العامة رقيب عليكم يحصي عليكم أعمالكم ، ويحيط بما في نفوسكم ويعلم ما تضمرون من خير أو شر فيحاسبكم عليه . وبعد هذا التمهيد الذي من شأنه أن يملأ القلوب رحمة ، يأمرهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة غير منقوصة ، ويحذرهم من الاحتيال على أكلها عن طريق المبادلة أو المخالطة قال تعالى :

{ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء 2 ) .

أي لا تخلطوا مال اليتيم بمالكم ليكون ذلك وسيلة تستولون بها على مال اليتيم تحت ستار الإصلاح بالبيع أو الشراء باسم أنه منفعة لليتيم ، أو بالخلط والشركة باسم أنه أفضل لليتيم .

وقد تحرج أتقياء المسلمين من مخالطة اليتيم فأباح الله مخالطة اليتامى ما دام القصد حسنا والنية صادقة في نفع اليتيم ، والله سبحانه مطلع على السرائر ومحاسب عليها .

وكفى بالله حسيبا ( النساء 6 ) .

***

المال والميراث

عنيت سورة النساء وغيرها بشأن المال ، وقد أمرت السورة بالمحافظة على المال واستثماره ، ونهت عن الإسراف والتبذير وأمرت بالتوسط في النفقة والاعتدال فيها ، ذلك لأن المال عصب الحياة ولأن كل ما تتوقف عليه الحياة في أصلها وكمالها وسعادتها وعزها من علم وصحة وقوة واتساع عمران لا سبيل للحصول عليه إلا بالمال . وقد نظر القرآن إلى الأموال هذه النظرة الواقعية فحذر من تركها في أيدي السفهاء الذين لا يحافظون عليها ولا يحسنون التصرف فيها ، كما أمر بتحصيلها من طرق فيها الخير للناس ، فيها النشاط والحركة وفيها عمارة الكون أمر بتحصيلها عن طريق التجارة ، وعن طريق الصناعة والزراعة ، وسمى طلبها ابتغاء من فضل الله ، كما وصفها نفسها بأنها زينة الحياة الدنيا ومتاعها وبلغ من عناية القرآن بالأموال أنه طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة المفروضة . قال تعالى :

{ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله . ( الجمعة 10 ) .

تحدثت سورة النساء عن المواريث ونصيب كل وارث فأمرت أن نبدأ أولا بتنفيذ وصية الميت وتسديد ديونه ، ثم وضعت المبادئ الأساسية للميراث ونستخلص منها ما يأتي :

أولا : أن مبنى التوريث في الإسلام أمران : نسبي وهو القرابة وسببي وهو الزوجية .

ثانيا : أنه متى اجتمع في المستحقين ذكور وإناث أخذ الذكر ضعف الأنثى .

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى ان بعض خصوم الإسلام قد اتخذوا التفاوت بين نصيبي الذكر والأنثى مطعنا على الإسلام وقالوا : إن هذا من فروع هضم الإسلام حق المرأة وهي إنسان كالرجل وفاتهم أن الذكر تتعدد مطالبه وتكثر تبعاته في الحياة فهو ينفق على نفسه وعلى زوجة وعلى أبنائه . ومن أصول الشريعة أنه يدفع المهر لمن يريد أن يتزوجها أما الأنثى فإنها لا تدفع زوجها بنفقتها في مأكلها ومشربها ومسكنها وخدمها ، وذلك فوق تبعاته العائلية التي لا يلحق الأنثى مثلها .

وبينما نرى بعض التشريعات الوضعية تقتضي بحرمان الأنثى بتاتا أو حصر الميراث في أكبر الأبناء وحده كما أن الحال في بعض البلاد إلى وقت قريب ، نجد تشريعا آخر يقضي بمساواتها بالذكر .

ونقارن ذلك بالإسلام فنجد أن منهجه في التوريث وسط لا إفراط ولا تفريط فهو لم يحرم الأنثى من الميراث بل أعطاها نصيبا مناسبا لظروفها في الحياة وأعطى أخاها نصيبا مناسبا لتبعاته في الحياة ، وهذا هو شأن الإسلام في أحكامه وشرائعه فهو يعتمد على الحكمة والعدل لأنه تشريع الحكيم العليم .

***

تعدد الزوجات

تحدثت سورة النساء عن تعدد الزوجات فأباحته بشرط العدل بينهن فإذا خاف الإنسان من عدم العدل فعليه الاقتصار على زوجة واحدة ، فإن ذلك أدعى إلى صفاء الحياة ويسرها وتحقيق الهدف من الزواج وهو المودة والرحمة .

ويرى الإمام محمد عبده أن تعدد الزوجات أمر مضيق فيه التضييق فكأن الله سبحانه قد نهى عن التعدد .

قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا . ( النساء 3 ) .

أي إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتيمات اللاتي تحت وصايتكم كأن يكون الدافع لكم على الزواج بهن هو الطمع في مالهن ، لا الحب والرغبة في معاشرتهن ، أو كأن تكون فوارق السن بينكم وبينهن كبيرة او كان تهضموهن حقوقهن في مهر أمثالهن . . . إن خفتم إلا تعدلوا في اليتيمات فاطلبوا الزواج من سواهن من النساء .

وبمناسبة الحديث عن الزواج امتد السياق إلى بيان حدود المباح من الزوجات فإذا هو مثنى وثلاث ورباع ولكن بشرط العدل بينهن ، العدل في المعاملة وفي الحقوق الظاهرة أما العدل في الشعور الباطن فلا قبل به لإنسان ولا تكليف به لإنسان ، ما اتقى في إظهاره في المعاملة وتأثيره على الحقوق المتعادلة فإن وجد في نفسه ضعفا عن ذلك العدل وخاف ألا يقدر على تحقيقه ، فالحلال واحدة فقط ومن سواها محظور .

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

والنص الشرطي يحتم هذا المعنى هنا ويعلله بأن ذلك التحديد بواحدة في هذه الحالة أقرب إلى اجتناب الظلم والجور .

ذلك أدنى ألا تعودوا . أي لا تجوروا وتظلموا .

والظلم حرام فالوسيلة إليه حرام واجتناب الظلم واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

فإذا كان العدل يتم بترك التعدد ، فالاقتصار على الزوجة الواحدة واجب .

وفي ختام الآية وصية جديدة بالاقتصار على الزوجة الواحدة لانه ادعى إلى العدل والاستقرار والبعد عن الظلم وكثرة العيال .

***

شبهة تفتضح وحجة تتضح

تكلم الأوروبيون بكثير من الكلام المعسول فمثلا ( كانتي ) يقول : " إن شرف الإنسان أسمى من أن يمتهن أو يجعل أداة متعة " .

وفي الواقع هم الذين جعلوا الأخدان أداة متعة فقط ومنعوهن حقوق الزوجية من النفقة او الميراث أو إلصاق الولد بينما الإسلام يحرم اتخاذ الأخدان والخليلات يقول تعالى :

محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان . ( النساء 25 ) .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

" إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات فإذا تزوجتم فلا تطلقوا " .

نشأ عن كثرة الأخدان وانتشارهن في أوروبا انتشار الأمراض السرية الفظيعة وقلة النسل لأن النسل إما ان يخنق أو تجهض الحامل او يمنع الحمل وهل غفل الأوروبيون عن المصير السيئ الذي ينتظرهم إذا استمر الحال فالكبير يموت والنشء يقتل ؟ فصدرت قوانين تقول مثلا : أبناء الزواج الحر إذا اعترف بهم أبوهم ألحقناهم به فتأخذ الأولاد كل حقوق الأبناء فهم تفادوا اسم الزوجة فقط والأبناء منها يتمتعون بكل الحقوق .

وقد ذكر لنا أستاذنا المرحوم محمد عبد الله دراز أنه شاهد أثر الحروب في ألمانيا ورأى النساء يطالبن هناك بتعدد الزوجات لتجد المرأة التي مات زوجها في الحرب من يكفلها وينفق عليها وعلى ما ينجب منها وذكر لنا ان جمعية تألفت في ألمانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق .

ومع ذلك فالإسلام لم يحرض على تعدد الزوجات بل قال :

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا .

وإذا استلهمنا روح النص ومراميه وجدنا أن التعدد رخصة وهي رخصة ضرورية لحياة الجماعة في حالات كثيرة وهي صمام أمن في هذه الحالات ووقاية ليس في وسع البشرية الاستغناء عنها ولم تجد البشرية حتى اليوم حلا أفضل منها سواء في حالة إخلال التوازن بين عدد الذكور وعدد الإنات عقب الحروب والأوبئة التي تجعل عدد الإناث في الامة أحيانا ثلاثة أمثال عدد الذكور أو حالات مرض الزوجة أو عقمها ورغبة الزوج في الإبقاء عليها أو حاجتها هي إليه أو في الحالات التي توجد في الرجل طاقة حيوية فائضة لا تستجيب لها الزوجة أو لا تجد كفايتها في زوجة واحدة . . . وكلها حالات فطرية وواقعية لا سبيل إلى تجاهلها وكل حل فيها غير تعدد الزوجات يفضي إلى عواقب أوخم خلقيا واجتماعيا . ضرورة تواجه ضرورة ومع هذا فهي مقيدة في الإسلام باستطاعة العدل والبعد عن الظلم والجور وهو أقصى ما يمكن من الاحتياط .

***

التضامن الاجتماعي

حثت سورة النساء على صدق العقيدة والإخلاص لله في العبادة كما حثت على الإحسان إلى الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين والإحسان إلى الجار ورحمة الفقير ، والمحتاج ومساعدة الخدم والضعفاء ، وحذرت من البخل والكبر والرياء ، ونهت عن الكفر والجحود ومعصية الله والرسول . وذلك في جملة آيات تبدأ بقوله تعالى :

{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . ( النساء 36 ) .

وهذه الآية وما بعدها دعوة عملية إلى " الضمان الاجتماعي " وتحذير من البخل والشح وبيان أن المال مال الله وأن الغنى مستخلف عن الله في إرادته وتثميره وإنفاقه في نواحي الخير والبر وقد فرض الله حقوقا للفقراء من مال الأغنياء فأوجب الزكاة والصدقة وحث على الإنفاق في سبيل الله . وجعل طرق البر متعددة . منها صدقة الفطر في عيد الفطر ، والأضحية في عيد الأضحى ، والهدى في موسم الحج ، وجعل الله موردا لا ينقطع لصلة الفقراء ألا وهو الكفارات التي أوجبها مثل كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة صوم رمضان . في كثير من الأحيان تكون هذه الكفارات إطعام المساكين أو كسوتهم كما أوجب الوفاء بالنذر ولم يجعل الزكاة تطوعا بل جعلها فريضة لازمة يثاب عليها ويعاقب جاحدها . ونلحظ ان الزكاة تتفاوت في نسبتها فتبدأ من 2 ، 5% وهي زكاة المال وهي تصل إلى 20 % وهي زكاة الركاز والمعادن والبترول . وكلما كان عمل العبد أظهر كانت نسبة الزكاة أقل كما في زكاة المال . وزكاة التجارة ، وكلما كان عمل القدرة الإلهية أظهر كانت نسبة الزكاة أكثر كما في زكاة الزراعة وزكاة الركاز .

***

المحرمات من النساء

انفردت سورة النساء بكثير من أحكام المجتمع ولاسيما أحكام الأسرة والزوجية كما انفردت ببيان مفصل للمحرمات من النساء وبدأت ذلك بقوله تعالى :

{ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . ( النساء 22 ) .

ولا شك أن توارد رجل وابنه على امرأة واحدة أمر ممقوت تنفر منه الفطر السليمة وتمجه الأذواق السليمة .

ثم جاءت بقية السورة ببقية المحرمات فحرمت زواج الإنسان بأمه وبابنته وبأخته من الرضاعة ومن النسب وحرمت زواج الرجل من بنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرضاعة وحرمت أم الزوجة التي دخل بها زوجها كما حرمت زواج الإنسان من زوجة ابنه وحرمت الجمع بين الأختين .

الحكمة في هذا التحريم :

إن الزواج وسيلة مشروعة لإمتاع النفس وإنجاب الذرية وتكوين الأسرة ، فإذا أبيح تزوج الإنسان من أقرب الناس إليه كالأم والبنت ، اصطدمت حقوق هؤلاء الأقارب بحقوق الزوجية فالأم مثلا لها حق الطاعة والاحترام فلو اتخذها الإنسان زوجة لكان له عليها حق القوامة وحق الطاعة والخضوع . هذا إلى ما هو غنى عن البيان من نفور الإنسان من هذا اللون من المتاع ، فهي بهيمية أي بهيمية أن يتمتع الرجل بأمه ومثل هذا يقال في درجات القرابة الأخرى . فالخالة لها ما للأم والعمة لها ما للأب والأخت وبنتها وبنت الأخ وبنت الأخت وابنة الإنسان التي هي قطعة منه كل هؤلاء تستقبح الأذواق نكاحهن وافتراشهن ولا يمكن أن يتصور في هذا الوضع لو أبيح إلا المفارقات والصعاب وضعف النسل وسوء المنقلب .

ومثل هذا يقال أيضا في نكاح من حرمن من جهة الرضاع فإن المرضع أم في الكرامة ولها حق الأم في وجوب الرعاية وليس من شأن الإنسان أن يلتمس منها ما يلتمسه الرجل بالزوجة .

وقد حرمت السورة الجمع بين الأختين والجمع بين الأم وابنتها حتى لا تقطع الأرحام فإن المرأة تغار من ضرتها ، وتفعل الكثير في سبيل إبعادها عن زوجها . ولو أبيح الجمع بين الأقارب لتشككت المرأة في أختها وفي أمها ولأدركها نوع من الغيرة الشديدة فانقطعت بذلك صلاتها من النسب وتعرضت بذلك الأمر إلى خطر شديد قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين لا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } ( النساء 23 ) .

***

مصادر التشريع في الإسلام1

أمرت سورة النساء بالعدل في الحكم وأداء الأمانات إلى أهلها وبينت أن الأمانة والعدالة من أسباب الرقي والتقدم والسعادة في الدنيا والآخرة .

وبهذه المناسبة ذكرت السورة مصادر التشريع التي يجب أن يرجع إليها المسلمون في تصرفاتهم وأحكامهم وهي :

( أولا ) : القرآن الكريم والعمل به في طاعة الله .

( ثانيا ) : سنة الرسول قولية كانت أم فعلية والعمل بها هو طاعة الرسول

( ثالثا ) : رأى اهل الحل والعقد في الأمة من العلماء وأرباب النظر في المصالح العامة كالجيش والزراعة والصناعة والتعليم كل في دائرة معرفته واختصاصه والعمل به هو طاعة أولي الأمر .

وهذه المصادر في الرجوع إليها مرتبة على هذا النحو فلا نرجع إلى السنة إلا بعد عدم العثور على الحكم في القرآن فترجع إلى السنة حينئذ : إما لمعرفة الحكم الذي لم يرد في القرآن أو لبيان المراد مما ورد في القرآن ، ولا نلتجئ إلى رأي أولي الأمر إلا بعد عدم العثور على الحكم في السنة ، وعندئذ نرجع إليهم ليجتهدوا رأيهم ، وهذا الاجتهاد هو عنصر " الشورى " الذي عليه أمر المسلمين ومتى حاز الاتفاق وجب العمل ولا يصح الخروج عنه ما دامت وجوه النظر التي أدت إليه قائمة وهو أساس فكرة الإجماع في الشريعة الإسلامية ، وقد انتفع به المسلمون كثيرا واتسع به نطاق الفقه الإسلامي وبخاصة فيما ليس منصوصا عليه في كتاب الله وسنة الرسول وهو يشمل إعطاء حكم لحادثة مثل حادثة سابقة للاشتراك بينهما في المعنى الموجب لذلك الحكم وهذا هو المعروف في لسان الفقهاء والأصوليين باسم " القياس " وقد بحثوه بحثا مستفيضا بينوا فيه أركانه وشرائطه وعلته وما ينقصه وما يجري فيه وما لا يجرى فيه وقد تكلفت به كتب الأصول فليرجع إليها من يشاء .

الاجتهاد من مصادر التشريع وبابه مفتوح أبدا .

ويشمل أيضا النظر في تعريف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع التي عرفت من جزئيات الكتاب وتصرفات الرسول وأخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن ان يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله ، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات ولم يقيده ، في كل شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجد من شئون الحياة كما لم يلزم اهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا . وهنا نذكر بالأسف هذه الفكرة الخاطئة الظالمة التي ترى وقف الاجتهاد وإغلاق بابه ، ونؤكد ان نعمة الله على المسلمين بفتح باب الاجتهاد لا يمكن ان تكون عرضة للزوال بكلمة قوم هالهم – أو هال من ينتمون إليهم من أرباب الحكم والسلطان – أن يكون في الامة من يرفع لواء الحرية في الرأي والتفكير فالشريعة الإسلامية شريعة عامة خالدة صالحة لكل عصر ولكل إقليم .

وما على اهل العلم إلا أن يجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد في معرفة حكم الله الذي وكل معرفته - رأفة منه ورحمة- إلى عباده المؤمنين .

{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . ( النساء 83 ) .

واقرأ في هذا الموضوع كله قوله تعالى من السورة :

{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظمكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ( النساء 58-59 ) .

***

القتال وأسباب النصر

عنيت سورة النساء بتنظيم شئون المسلمين الداخلية وحفظ كيانهم الخارجي ، وقد حثت السورة على القتال ودعت إليه حيث يقول الله تعالى : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } . ( النساء 74 ) .

وبينت السورة أهداف القتال في الإسلام وهذه الأهداف تنحصر في رد العدوان وإشاعة الأمن والاستقرار ، وحماية الدعوة ، والقضاء على الفتن التي يثيرها أرباب المطامع والأهواء ، ومن ذلك نعلم أن الإسلام حينما شرع القتال نأى به عن جوامح الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء ، واتخذه طريقا إلى السلام العام بتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة ، وليصل المسلمون بالقتال إلى الغاية السامية التي أمر بها الله ، ولفت القرآن أنظار المؤمنين إلى أن للنصر أسبابا ووسائل وهي :

1- تقوية الروح المعنوية للأمة فقد نزل القرآن روحا وحياة ومنهجا ورسالة . وتحول العرب بالقرآن إلى أمة عزيزة متمسكة بالحق ثابتة عليه متحملة صنوف الأذى وألوان الاضطهاد . فلما أذن الله لها بالجهاد كانت لها راية النصر في أكثر معاركها ، لأن لها من يقينها وإيمانها ما يكفل لها النصر والغلبة .

2- إعادة القوة المالية وتنظيمها . قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . ( الأنفال 60 ) . ويشمل ذلك فنون الحرب وأساليبها ومعرفة أحدث أدواتها وكيفية استعمالها .

3- الشكر على النعماء ثقة بأن النصر من عند الله فلا ينبغي أن تأخذ المحارب نشوة النصر فيخرج عن اتزانه بل عليه أن يزداد تواضعا وخشوعا لعظمة الله ويزيد في طاعة الله ونصره ، لقوله سبحانه : { إن تنصروا الله ينصركم . } ( محمد : 7 ) .

4- الصبر على البأساء ثقة والتزاما بأن مع اليوم غدا ، وبيان الأيام دول يوم لك ويوم عليك ، وان الشجاعة صبر ساعة وليس الصبر هنا صبر الذليل المستكين بل صبر المطمئن إلى قضاء الله وقدره والمؤمن بحكمته والمستعد ليوم آخر ينتصف فيه من عدوه . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران 200 ) .

5- ومن أسباب النصر ثقة المؤمن بأن الأجل محدود وأن الرزق محدود فالشجاعة لا تنقص العمر ، والجبن لا يزيده . ومن أسباب النصر طاعة الله والتزام اوامره واجتناب نواهيه ، قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } ( آل عمران 126 ) .

6- ومن أسباب النصر أخذ الحذر والحيطة والابتعاد عن اتخاذ بطانة مقربة من المنافقين والملحدين والخونة قال تعالى : { فما لكم في المنافقين فئتين والله أرسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ( 88 ) .

7- تذكر فضل الجهاد ثواب البذل والتضحية وعقوبة التثاقل والفرار من الجهاد ، وتذكر ما أعده الله للمجاهدين المكافحين في سبيل الحق من عز الدنيا وشرف الآخرة قال تعالى : { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } ( النساء 100 ) .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

بسم اله الرحمن الرحيم

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }

المفردات :

بث : نشر وفرق ومنه وزرابي مبثوثة . ( الغاشية 16 ) .

الأرحام : جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم أطلق على القرابة .

رقيبا : الرقيب الحفيظ المطلع على الأعمال .

المعنى الإجمالي :

يا أيها الناس اتقوا الله ربكم الذي خلقكم وأوجدكم من نفس واحدة ، وأنشأ من هذه النفس زوجها ومنهما نشر في الوجود رجالا كثيرا ونساء فأنتم جميعا تنتهون إلى تلك النفس الواحدة ، واتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون ، ويسأل باسمه بعضكم بعضا فيما تتبادلون من أمور ، ه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها قريبها وبعيدها إن الله دائم الرقابة على أنفسكم لا تخفى عليه خافية من أموركم2 .

في أعقاب الآية :

1- الناس جميعا من أصل واحد ، تجمعهم رحم عامة تربط بين البشر جميعا ، قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . . . ( الحجرات 13 ) .

2- ينتهي نسب الناس إلى آدم ، وآدم من تراب فقد خلق الله آدم من تراب ، ثم خلق حواء من ضلع آدم ليسكن إليها وتكون له سكنا وأمنا . قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . ( الروم 21 ) .

وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ، فاستمتع بها وفيها عوج واستوصوا بالنساء خيرا 3

والحديث يكرر الوصية بالنساء ، ويوصي بالصبر والاحتمال والمداراة ، لأن المرأة مجموعة من العواطف فقد شاء الله ان تكون عاطفة المرأة أكثر من عاطفة الرجل ، لتتحمل المرأة آلام الحمل والولادة والرضاع والكفالة ، وأن يكون جانبا العقل في الرجل أكثر ، ليتحمل البحث في سبيل الرزق ورعاية الأسرة وبالعقل والعاطفة تتم رعاية الأسرة وتلبي حاجة الرجل إلى المرأة وحاجة المرأة إلى الرجل .

3- جمهور المحدثين والفقهاء على أن الناس جميعا تناسلت من نفس آدم عليه السلام وليس هناك سوى آدم واحد ، وقد خلقت حواء من آدم وخلق الناس من آدم وحواء .

4- قال الفخر الرازي في تفسير : وخلق منها زوجها . والمراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :

الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله تعالى آدم ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " .

والقول الثاني : وهو اختيار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد من قوله تعالى : وخلق منها زوجها . أي من جنسها وهو كقوله تعالى : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا . ( النحل 72 ) .

وقوله : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم . ( آل عمران 164 ) .

وقوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . ( التوبة 128 ) .

قال القاضي : والقول الأول أقوى لكي يصح قوله : خلقكم من نفس واحدة . إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة4 .

5- قال صاحب الكشاف : ومعنى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوان مفرغة من أرومة واحدة فيها يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة5 .

6- من سألك بالله شيئا فأعطه ما دمت تجد سبيلا للعطاء ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن جبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " 6 .

والحديث في معنى واتقوا الله الذي تساءلون به . أي يسأل بعضكم بعضا فيقول أسألك بالله كذا .

7- حثت الآية على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب وقد تكررت هذه الوصية في القرآن والسنة ، قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . ( النساء 36 ) .

ورى البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سره أن يبسط له في رزقه ، وان ينسأ له في أجله فليصل رحمه " 7 .

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله " 8 .

وأخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها " .

وهذه الأحاديث تلتقي مع الآية في تأكيد الوصية بالأرحام قال تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فمن وصل رحمه وصله الله ، ومن قطع رحمه قطعه الله .

قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } . ( محمد 22 .

فصلة الرحم سبب البركة وهدوء النفس واستقامة الذرية وصلاحها ، وأما قاطع الرحم فهو مطرود من رحمة الله .

ارحم عباد الله يرحمك الذي *** عم البرية فضله ونواله

فالراحمون لهم نصيب وافر *** من رحمة الرحمن جل جلاله

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة النساء

سورة مدنية على الصحيح وزعم النحاس أنها مكية مستندا إلى أن قوله تعالى : { إن الله يأمركم } الآية نزلت بمكة اتفاقا( {[1]} ) في شأن مفتاح الكعبة وتعقبه العلامة السيوطي بأن ذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات بمكة من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله تعالى عليه وسلم وبناؤه عليها صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد الهجرة إتفاقا وقيل : إنها نزلت عند الهجرة وعدة آياتها عند الشاميين مائة وسبع وسبعون وعند الكوفيين ست وسبعون وعند الباقين خمس وسبعون والمختلف فيه منها آيتان : إحداهما { أن تضلوا السبيل } وثانيتهما { فيعذبهم عذابا أليما } فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط والشاميون يثبتون الثانية أيضا والباقون يقولون هما بعضا آية ووجه مناسبتها لآل عمران أمور منها أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى وأفتتحت هذه السورة به وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف( {[2]} ) وقوم يسمونه بالتسبيغ وذلك كقول ليلى الإخيلية : إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها دماء رجال حيث نال حشاها ومنها أن في آل عمران ذكر قصة أحد مستوفاة وفي هذه السورة ذكر ذيلها وهو قوله تعالى : { فمالكم في المنافقين فئتين } فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما ومنها أن في آل عمران ذكر الغزوة التي بعد أحد كما أشرنا إليه في قوله تعالى : { الذين استجابوا لله والرسول } إلخ وأشير إليها ههنا بقوله سبحانه : { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } الآية وبهذين الوجهين يعرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع فكان الأنسب فيه التأخير ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها فحينئذ يظهر مزيد الإرتباط وغاية الإحتباك

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم }

{ يَأَيُّهَا الناس } خطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مرّ تحقيقه ، وفي تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعاً حتى يعمهم الحكم خلاف ، فذهب الأكثرون إلى التناول لأن العبد من الناس مثلاً فيدخل في الخطاب العام له قطعاً وكونه عبداً لا يصلح مانعاً لذلك ، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا : لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفاً لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر ، وأيضاً خرج العبد عن الخطاب بالجهاد ، والجمعة ، والعمرة ، والحج ، والتبرعات ، والأقارير ، ونحوها ، ولو كان الخطاب متناولاً له للعموم لزم التخصيص ، والأصل عدمه ، والجواب عن الأول : أنا لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عموماً بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة ، وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد ، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضاً لقولهم : بصرف المنافع للسيد ، وعن الثاني : بأن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض ، والمسافر ، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم ، والصلاة ، والجهاد ، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقاً ، غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل نزول هذا الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال ، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور .

وجوز بعضهم كون الخطاب عاماً بحيث يندرجون فيه ، ثم قال : ولا يبعد أن يكون الأمر الآتي عاماً لهم أيضاً بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى ، وإن كان كونه عربياً عارضاً بالنسبة إلى هذه الأمة ، وفيه نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل ، وعلى العلات لفظ ( الناس ) يشمل الذكور والإناث بلا نزاع ، وفي شمول نحو قوله تعالى : { اتقوا رَبَّكُمُ } خلاف ، والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل هذه الصيغة ظاهراً خلافاً للحنابلة ، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا الرجال فأنزل ذكرهن ، فنفت ذكرهن مطلقاً ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي ، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر ، وبأن نظير هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول المسلمات داخلاً فيه لما حسن العطف في قوله تعالى :

{ إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] إلا باعتبار التأكيد ، والتأسيس خير من التأكيد ، وقال الآخرون : المعروف من أهل اللسان تغليبهم المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق ، وأيضاً لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة ، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وأيضاً لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم ، ثم قال : أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة ، وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة في الرجال والنساء ظاهراً فيهما وهو المطلوب .

وأجيب أما عن الأول : فبأنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع ، والجمهور يقولون به ، لكنه يكون مجازاً ولا يلزم أن يكون ظاهراً وفيه النزاع( {[209]} ) . وأما عن الثاني : فبمنع الملازمة ، نعم يلزم أن لا يشاركن في الأحكام بمثل هذه الصيغة ، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج ؟ والأمر كذلك ، ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلاً لعدم الدليل الخارجي هناك ، وأما عن الثالث : فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على الإرادة ، فالحق عدم دخول الإناث ظاهراً ، نعم الأولى هنا القول بدخولهن باعتبار التغليب ، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط كما يقتضيه ظاهر الصيغة ، ودخول الإناث في الأمر بالتقوى للدليل الخارجي ، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم ، والمأمور به إما الاتقاء بحيث يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح ، ويتناول رعاية حقوق الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى . وأما الاتقاء في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام ، وصلة الأرحام ، والعدل في النكاح ، والإرث ونحو ذلك بالخصوص بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد الأمر وتأكيد إيجاد الامتثال ، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه :

{ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ * واحدة } لأن الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له ، أو باعثة عليه داعية إليه ، ولا يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة أو النعمة الجسيمة ، ولا شك أن الأول : يوجب التقوى مطلقاً حذراً عن العقاب العظيم ، وأن الثاني : يدعو إليها وفاءاً بالشكر الواجب ؛ وإيجاب الخلق من أصل واحد للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جداً ، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى ، وفيه كمال توبيخ لمن يفوته ذلك ، والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام ، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد وهو أبو البشر وذكر صاحب «جامع الأخبار » من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم ، بين كل آدم وآدم ألف سنة ، وأن الدنيا بقيت خراباً بعدهم خمسين ألف سنة ، ثم عمرت خمسين ألف سنة ، ثم خلق أبونا آدم عليه السلام ، وروى ابن بابويه في كتاب «التوحيد » عن الصادق في حديث طويل أيضاً أنه قال : لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشراً غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين ، وقال الميثم في «شرحه الكبير على النهج » ونقل عن محمد بن علي الباقر أنه قال : قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته » ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره ، وفي كتاب «الخصائص »( {[210]} ) ما يكاد يفهم منه التعدد أيضاً الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال : إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سموات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم ، وأنى للحجة عليهم ، ولعل هذا وأمثاله من أرض السمسمة وجابر ساوجاً بلقاً إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا العالم الذي نحن فيه ، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضاً غير بعيد ، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة ، بل قد صرح زين العرب بكفر من يعتقد التعدد ، نعم إن آدمنا هذا عليه السلام مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى لا بخلق أمثاله وهو حادث نوعاً وشخصاً خلافاً لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان ، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخباراً كثيرة في ذلك ، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان ، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى ، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعوّل عليها .

والقول بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك فمما لا أرتضيه ديناً ولا أختاره يقيناً .

والخطاب في ربكم و خلقكم للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناءاً على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكاً للنظم مستغنى عنه لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كانوا بواسطة ما بينه وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمناً لحق الوسائط جميعاً ، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه :

{ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهو عطف على { خَلَقَكُمْ } داخل معه في حيز الصلة ، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول : بطريق التفريع من الأصل ، والثاني : بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم عليه السلام الأيسر( {[211]} ) كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره ، وروى الشيخان

«استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع ، وإنّ أعوجَ شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج » وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب فأي فائدة في خلقها من ذلك ، وزعم أن معنى { مِنْهَا } من جنسها والآية على حد قوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ النحل : 72 ] ووافقه على ذلك بعضهم مدعياً أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضاً ، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى ، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن آدم الجنة وكلا القولين باطل ، أما الثاني : فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلاً فضلاً عن التصريح به ، ومع هذا يقال عليه : إن الحور خلقن من زعفران الجنة كما ورد في بعض الآثار فإن كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه كما هو نص كلام الزاعم فبينها وبين آدم عليه السلام المخلوق من تراب الدنيا بُعدٌ كلّي يكاد يكون افتراقاً في الجنسية التي ربما توهمها الآية ، ويستدعي بعد وقوع التناسل بينهما في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص كلامه يردّ عليه إن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب منه ، وأما الأول : فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص ، وأيضاً هو خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يردّ على الثاني أيضاً .

والقول بأن أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب ؟ يقال عليه : إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه كما أنه قادر على خلق آدم من التراب هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضاً ، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب والقول : بأن ذلك يجرّ إلى ما فيه استهجان لا يخفى ما فيه .

لأن هذا التشخص الخاص الحاصل لذلك الجزء بحيث لم يبق من تشخصه الأصلي شيء ظاهر يدفع الاستهجان الذي لا مقتضي له إلا الوهم الخالص لا سيما والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي . فقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن حواء لما انفصلت من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية التي بها وقع الغشيان لظهور التوالد والتناسل وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معموراً بحواء ، فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي بعد ذلك سنة جارية في الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع ، لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة العالم فكل ما في العالم جزء منه ، وليس الإنسان بجزء لواحد من العالم وكان سبب الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص ، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية انتهى .

ويفهم من كلامهم أن هذا الخلق لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون سائر أزواج الحيوانات ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل ، نعم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زوج إبليس عليهما اللعنة خلقت من خلفه الأيسر ؛ والخلف كما في «الصحاح » أقصر أضلاع الجنب ، وبذلك فسره الضحاك في هذا المقام ، وإنما أخر بيان خلق الزوج عن بيان خلق المخاطبين لما أن تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ماهو المقصود من حملهم على امتثال الأمر من تذكير خلقها ، وقدم الجار للاعتناء ببيان مبدئية آدم عليه السلام لها مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخر ، واختير عنوان الزوجية تمهيداً لما بعده من التناسل . وذهب بعض المحققين إلى جواز عطف هذه الجملة على مقدر ينبىء عنه السوق لأن تفريع الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ذلك الأصل لا محالة ، كأنه قيل : خلقكم من نفس واحدة خلقها أولاً وخلق منها زوجها الخ ، وهذا المقدر إما استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ ، وبيان كيفية خلقهم منه بتفصيل ما أجمل أولاً ، وإما صفة لنفس مفيدة لذلك ، وأوجب بعضهم هذا التقدير على تقدير جعل الخطاب فيما تقدم عاماً في الجنس ، ولعل ذلك لأنه لولا التقدير حينئذ لكان هذا مع قوله تعالى :

{ وَبَثَّ مِنْهُمَا } أي نشر وفرق من تلك النفس وزوجها على وجه التناسل والتوالد { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } تكراراً لقوله سبحانه : { خَلَقَكُمْ } لأن مؤداهما واحد وليس على سبيل بيان الأول لأنه معطوف عليه على عدم التقدير ولأوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس واحدة ، وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها ، والناس إنما خلقوا من نفس واحدة من غير مدخل للزوج ، ولا يلزم ذلك على العطف ؛ وجعل المخاطب بخلقكم من بعث إليهم عليه الصلاة والسلام إذ يكون ( وبث منهما ) الخ واقعاً على من عدا المبعوث إليهم من الأمم الفائتة للحصر ، والتوهم في غاية البعد وكذا لا يلزم على تقدير حذف المعطوف عليه وجعل الخطاب عاماً لأن ذلك المحذوف وما عطف عليه يكونان بياناً لكيفية الخلق من تلك النفس ، ومن الناس من ادعى أنه لا مانع من جعل الخطاب عاماً من غير حاجة إلى تقدير معطوف عليه معه ، وإلى ذلك ذهب صاحب «التقريب » ، والمحذور الذي يذكرونه ليس بمتوجه إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً .

والمعطوف متكفل ببيان ذلك ، وقد ذكر غير واحد أن اللازم في العطف تغاير المعطوفات ولو من وجه وهو هنا محقق بلا ريب كما لا يخفى ، والتلوين في { رّجَالاً وَنِسَاء } للتكثير ، و { كَثِيراً } نعت لرجالاً مؤكد لما أفاده التنكير ، والإفراد باعتبار معنى الجمع ، أو العدد ، أو لرعاية صيغة فعيل ، ونقل أبو البقاء أنه نعت لمصدر محذوف أي بثاً كثيراً ولهذا أفرد ، وجعله صفة حين كما قيل تكلف سمج ، وليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات ، بل الذكور والإناث مطلقاً تجوزاً ، ولعل إيثارهما على الذكور والإناث لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره ، وقيل : ذكر الكبار منهم لأنه في معرض المكلفين بالتقوى واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة قاله الخطيب ، واحتج بعضهم بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال ، وأجيب بأنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور ، على أن الآية لا تدل على أكثر من خلقنا وخلق الزوج مما ذكر سبحانه وهو غير واف بالمدعى ، وقرئ وخالق ، وباث على حذف المبتدأ لأنه صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة بخلاف نحو زيد ركب وذاهب أي وهو خالق وباث .

{ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ } تكرير للأمر الأول وتأكيد له ، والمخاطب مَن بعث إليهم صلى الله عليه وسلم أيضاً كما مر ، وقيل : المخاطب هنا وهناك هم العرب كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن دأبهم هذا التناشد ، وقيل : المخاطب هناك من بعث إليهم مطلقاً وهنا العرب خاصة ، وعموم أول الآية لا يمنع خصوص آخرها كالعكس ولا يخفى ما فيه من التفكيك ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقياً بعد صفة الربوبية فكأنه قيل : اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقاً بديعاً ولكونه مستحقاً لصفات الكمال كلها . وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى بعض آخر من موجبات الامتثال ، فإن قول القائل لصاحبه : أسألك بالله ، وأنشدك الله تعالى على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه ، و تساءلون إما بمعنى يسأل بعضكم بعضاً فالمفاعلة على ظاهرها ، وإما بمعنى تسألون كما قرىء به وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا تعدد فاعله وأصله على القراءة المشهورة تتساءلون بتاءين فحذفت إحداهما للثقل ، وقرأ نافع وابن كثير ، وسائر أهل الكوفة { تَسَاءلُونَ } بادغام تاء الفاعل في السين لتقاربهما في الهمس .

{ والارحام } بالنصب وهو معطوف إما على محل الجار والمجرور إن كان المحل لهما ، أو على محل المجرور إن كان المحل له ، والكلام على حدّ مررت بزيد ، وعمراً ، وينصره قراءة ( تسألون به وبالأرحام ) وأنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله تعالى ويقولون : أسألك بالله تعالى وبالله سبحانه وبالرحم كما أخرج ذلك غير واحد عن مجاهد ، وهو اختيار الفارسي وعلي بن عيسى ؛ وإما معطوف على الاسم الجليل أي اتقوا الله تعالى والأرحام وصلوها ولا تقطعوها فإن قطعها مما يجب أن يتقى ، وهو رواية ابن حميد عن مجاهد والضحاك عن ابن عباس ، وابن المنذر عن عكرمة ، وحكي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه واختاره الفراء والزجاج ، وجوز الواحدي النصب على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها ، وقرأ حمزة بالجر ، وخرجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور ، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه .

وأول من شنع على حمزة في هذ القراءة أبو العباس المبرد حتى قال : لا تحل القراءة بها ، وتبعه في ذلك جماعة منهم ابن عطية وزعم أنه يردها وجهان : أحدهما : أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها ، وهذا مما يغض من الفصاحة ، والثاني : أن في ذكرها على ذلك تقرير التساؤل بها والقسم بحرمتها ، والحديث الصحيح يرد ذلك ، فقد أخرج الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم :

" من كان حالفاً فليحلف بالله تعالى أو ليصمت " وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش والإمام بن أعين ومحمد بن أبى ليلى ، وجعفر بن محمد الصادق وكان صالحاً ورعاً ثقة في الحديث من الطبقة الثالثة .

وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس على القراءة والفرائض ، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه منهم إمام الكوفة قراءة وعربية أبو الحسن الكسائي ، وهو أحد القراء السبع الذين قال أساطين الدين : إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر ، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم ، وقد أطال أبو حيان في «البحر » الكلام في الرد عليهم ، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح ، بل الصحيح ماذهب إليه الكوفيون من الجواز وورد ذلك في لسان العرب نثراً ونظماً ، وإلى ذلك ذهب ابن مالك ، وحديث إن ذكر الأرحام حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه بلا ريب ، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير التساؤل بها ، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى ، فقد قيل في جوابها : لا نسلم أن الحلف بغير الله تعالى مطلقاً منهي عنه ، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر ، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلاً فمما لا بأس به ففي الخبر «أفلح وأبيه إن صدق » . وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر : أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف وليس هو كقول القائل والرحم لأفعلن كذا ، ولقد فعلت كذا ، فلا يكون متعلق النهي في شيء ، والقول بأن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يخفى ما فيه فافهم وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر ، فقال في «الخصائص » : باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك .

رسم دار وقفت في طلله *** أي رب رسم دار ، وكان رؤبة إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ يقول : خير عافاك الله تعالى أي بخير يحذف الباء لدلالة الحال عليها ، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وفي «شرح المفصل » أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها ، وقد مشى على ذلك أيضاً الزمخشري في «أحاجيه » ، وذكر صاحب «الكشف » أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو الله لأفعلن وفي نحو ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك والحمل على ما ثبت هو الوجه ، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو اتق الله تعالى فوالله إنه مطلع عليك وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الأصلين وهو وجه حسن .

وقرأ ابن زيد { والارحام } بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي والأرحام كذلك أي مما يتقى لقرينة { اتقوا } أو مما يتساءل به لقرينة { تَسَاءلُونَ } وقدره ابن عطية أهل لأن توصل وابن جني مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء ، وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه تعالى ، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ؟ قال : نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت : بلى قال : فذلك لك " وأخرج البزار بإسناد حسن " الرحم حجنة( {[212]} ) متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله تعالى : أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته " وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح : " إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة( {[213]} ) من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة " والأخبار في هذا الباب كثيرة ، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بَعُدَ ، ويطلق على الأقارب من جهة النساء وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقاً .

{ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } أي حفيظاً قاله مجاهد فهو من رقبه بمعنى حفظه كما قاله الراغب وقد يفسر بالمطلع ، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه ، ومن هنا فسره ابن زيد بالعالم ، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل ، والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال ، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية الفواصل .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ } أي احذروه من المخالفات والنظر إلى الأغيار والزموا عهد الأزل حين أشهدكم على أنفسكم { الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } وهي الحقيقة المحمدية ويعبر عنها أيضاً بالنفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم وبآدم الحقيقي الذي هو الأب لآدم ، وإلى ذلك أشار سلطان العاشقين ابن الفارض قدس سره بقوله على لسان تلك الحقيقة :

وإني وإن كنت ابن آدم صورة *** فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

{ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهي الطبيعة أو النفس الحيوانية الناشئة منها ، وقد خلقت من الجهة التي تلي عالم الكون وهو الضلع الأيسر المشار إليه في الخبر ، وقد خصت بذلك لأنها أضعف من الجهة التي تلي الحق { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً } أي كاملين يميلون إلى أبيهم { ونساءاً } ناقصين يميلون إلى أمهم { واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ } فلا تثبتوا لأنفسكم وجوداً مع وجوده لأنه الذي أظهر تعيناتكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً واتقوا الأرحام أي اجتنبوا مخالفة أوليائي وعدم محبتهم فإن من وصلهم وصلته ومن قطعهم قطعته فالأرحام الحقيقية هي قرابة المبادئ العالية { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء : 1 ] ناظراً إلى قلوبكم مطلعاً على ما فيها فإذا رأى فيها الميل إلى السوي وسوء الظن بأهل حضرته ارتحلت مطايا أنواره منها فبقيت بلاقع تتجاوب في أرجائها البوم .


[1]:فقد روينا عن أبي ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع مناديا يناديه يا محمد فإذا سمع الصوت انطلق هاربا فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، قال: فلما برز سمع النداء يا محمد، قال: لبيك قال قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم قال: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) حتى فرغ من فاتحة القرآن، ولولا صحة الأخبار على غير هذا النحو كان هذا الخبر أقوى دليل على مكيتها فافهم اهـ.
[2]:ويلزم منه أنه صلى الله عليه وسلم صلى بضع عشرة سنة بلا فاتحة وهي خاتمة في البعد اهـ منه.
[209]:- فإن قيل: الأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يصار إلى المجاز إلا لدليل، أجيب بأنه لا نزاع في أن الصيغة للرجال وحدهم حقيقة ولو كانت لهم وللنساء معاً حقيقة أيضاً لزم الاشتراك، وإلا فالمجاز وقد تقرر في الأصول أن المجاز أولى من الاشتراك اهـ منه.
[210]:- لابن بابويه اهـ منه.
[211]:- وقيل: إنها خلقت من فضل طينته ونسب للباقر اهـ منه.
[212]:- الحجنة -بفتح الحاء المهملة والجيم وتخفيف النون- صنارة المغزل التي يعلق بها الخيط ثم يقتل الغزل اهـ منه.
[213]:- الشجنة –بكسر أوله المعجم وضمه- القرابة المشتبكة اشتباك العروق اهـ منه.