تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

المفردات :

الطيبات : مات طاب من الأطعمة وحل .

الجوارح : واحدها : جارحة . وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور .

مكلبين : مبالغين في تدريبها على الصيد . فالمكلب : مؤدب الجوارح ومدربها على الصيد .

4- يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ . . . لما ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة آية التحريم تحرج المسلمون أن يتناولوا شيئا قبل أن يستيقنوا من حله .

لذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا أحل لهم ؟ .

جاء في تفسير ابن كثير وغيره :

أخرج ابن أبي حاتم ابن جبير ، أن عدي بن حاتم ، وزيد بن المهلهل الطائيين- وكانا أهل صيد- قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة .

وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء ، فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ . . .

أي : يسألك المؤمنون : ماذا أحل لهم من الطعام ؟ فقل لهم يا محمد : أحل لكم ما تستطيعون أكله وتشتهونه مما حل لكم .

قال صاحب الظلال :

وهو جواب يستحق الانتباه ، إذ يلقى في حسهم أنهم لم يحرموا طيبا ولم يمنعوا عن طيب ، وأن كل الطيبات ما تزال لهم حلالا . فلم يحرم إلا الخبيث ، والواقع أن كل ما حرم تستقذره الفطرة السليمة بطبعها من الناحية الحسية كالميتة والدم ولحم الخنزير ، أو ينفر منه الضمير السليم كالذي أهل به لغير الله ، وما ذبح على النصب أو الاستقسام بالأزلام .

وهو يضيف إلى الطيبات ما أمسكته الجوارح كالصقر والبازى- ومثلها كلاب الصيد- المعلمة على الصيد ، التي كلبها أصحابها ، أي : علموها كيف تكلب الفريسة وتكبلها وتصطادها ، وتحتفظ بها لا تأكلها ، واشترط لحل ما تكلبه الجوارح وتمسكه أن تكون قد أمسكته لحساب أصحابها لا لحسابها هي ، وآية ذلك ألا تأكل منه عند صيده ؛ ولا تقربه إلا إذا غاب عنها صاحبها فجاعت فإنها إن تكن أمسكت الفريسة لنفسها ولتطعم منها ؛ حرمت الفريسة على الناس وتركت للذي صادها لنفسه من الجوارح . . فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه . فلا بد من ذكر اسم الله عند إطلاق الجارح أو كلب الصيد ؛ ليكون الصيد حلالا .

من كتب التفسير :

جاء في تفسير ابن كثير ، وصفوة التفاسير للأستاذ محمد علي الصابوني والتفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ما نوجزه فيما يأتي :

وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ . . أي : اذكروا اسم الله على هذه الجوارح التي علمتموها عند إرسالها .

روى البخاري وأصحاب السنن من حديث عدي بن حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أرسلت كلابك المعلمة ، وذكرت اسم الله عليه ؛ فكل مما امسكن عليك ، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " {[179]} .

وعلامة المعلم أن يسترسل إذا أرسل ، وينزجر إذا زجر وأن يمسك الصيد فلا يأكل منه ، أن يذكر الله عند إرساله ، فهذه أربع شروط لصحة الأكل من صيد الكلب المعلم . .

قال بعض الفقهاء : بحرمة أكل الصيد الذي أكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا ؛ لأنه أمسكه على نفسه ، وقال مالك والليث : يؤكل وإن أكل منه الكلب .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فلا يؤكل منه ، ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه ؛ لأن تأديب سباع الطير إلى حد ألا تأكل منه متعذر ، بخلاف الكلاب فإنه غير متعذر ، وإذا أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيا حياة مستقرة ، فذكاه- أي : ذبحه- حل أكله اتفاقا ؛ لقوله تعالى : وما أكل السبع إلا ما ذكيتم . وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه ، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية .

قال أبو طلحة الأسدي : " سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها ، ثم انتثر قصبها- أي أمعاؤها- فأدركت ذكاتها ، فذكيتها ، فقال : كل وما انتثر من قصبها فلا تأكل " .

قال إسحاق بن راهويه : السنة في الشاة ، على ما وصف ابن عباس ، فإنها- وإن خرجت أمعاؤها- فهي حية بعد ، وموضع الذكاة منها سالم ، وإنما ينظر- عند الذبح- أحية هي أم مية ؟ ولا ينظر إلى ما أصابها : هي تعيش معه أم لا ؟ قال ابن إسحاق : ومن خالف هذا ؛ فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء .

وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ . هذا أمر بتسمية الله تعالى عند إرسال الكلب والطير على الصيد ، فالحكم في التسمية عنده كالحكم غيها عند الذبح .

وقيل : هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه .

قال الألوسي : وهو بعيد ، وإن استظهره أبو حيان {[180]} .

واستدل العلماء بهذه الآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة ؛ لان تعليم يحتاج إلى ذلك ، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد . ومثله للحراسة ، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة ، مثل تعقبل اللصوص ، وإنقاذ الغرقى ، وقيادة العميان .


[179]:إذا أرسلت كلبك المعلم: رواه البخاري في الوضوء (175) وفي الذبائح (5486،5485،5476،5475) ومسلم في الصيد (1929) وأبو داود في الصيد (2854) والترمذي في الصيد (1470) والنسائي في الصيد (4263) والدرامي في الصيد (2002) واحمد في مسنده (18900،18882،17781) من حديث عدي بن حاتم قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه. قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر. قال: فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر" ورواه البخاري في الذبائح (5496،5488،5478) وأبو داود في الصيد (2856،2855،2852) والترمذي في الصيد (1464) وفي السير (3983) وفي الأطعمة (1797) (17296،17283،17279) وابن ماجه في الصيد (3207) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك.
[180]:مختصر تفسير ابن كثير تحقيق محمد على الصابوني 1/485 والتفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية حزب 1 1ص1018 ،وصفوة التفاسير للأستاذ محمد على الصابوني 1/328 وفي تفسير ابن كثير عن صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بحلمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا ؟ فقال: (سموا أنتم وكلوا).
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } شروع في تفصيل المحللات التي ذكر بعضها على وجه الإجمال إثر بيان المحرمات ، أخرج ابن جرير . والبيهقي في سننه . وغيرهما عن أبي رافع قال : «جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائم بالباب فقال عليه الصلاة والسلام : قد أذنا لك قال : أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو ، قال أبو رافع : فأمرني صلى الله عليه وسلم أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت ، وجاء الناس فقالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى يسألونك الآية2 .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن السائل عاصم بن عدي . وسعد بن خيثمة . وعويم بن ساعدة ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السائل عدي بن حاتم . وزيد بن المهلهل الطائيان ، وقد ضمن السؤال معنى القول ، ولذا حكيت به الجملة كما تحكى بالقول ، وليس معلقاً لأنه وإن لم يكن من أفعال القلوب لكنه سبب للعلم وطريق له ، فيعلق كما يعلق خلافاً لأبي حيان ، فاندفع ما قيل : إن السؤال ليس مما يعمل في الجمل ويتعدى بحرف الجر ، فيقال : سئل عن كذا ، وادعى بعضهم لذلك أنه بتقدير مضاف أي جواب ماذا ، والأول مختار الأكثرين ، وضمير الغيبة دون ضمير المتكلم الواقع في كلامهم لما أن يسألون بلفظ الغيبة كما تقول : أقسم زيد ليضربن ، ولو قلت : لأضربن جاز ، والمسؤول نظراً للكلام السابق ما أحل من المطاعم والمآكل ، وقيل : إن المسؤول ما أحل من الصيد والذبائح { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ، وإلى ذلك ذهب البلخي ، وعن أبي علي الجبائي . وأبي مسلم هي ما أذن سبحانه في أكله من المأكولات والذبائح والصيحد ، وقيل : ما لم يرد بتحريمه نص أو قياس ، ويدخل في ذلك الإجماع إذ لا بد من استناده لنص وإن لم نقف عليه ، والطيب على هذين القولين بمعنى الحلال ، وعلى الأول بمعنى المستلذ ، وقد جاء بالمعنيين { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطف على الطيبات بتقدير مضاف على أن { مَا } موصولة ، والعائد محذوف أي وصيد ما علمتموه ، قيل : والمراد مصدره لأنه الذي أحل بعطفه على { الطيبات } من عطف الخاص على العام ، وقيل : الظاهر أنه لا حاجة إلى جعل الصيد بمعنى المصيد لأن الحل والحرمة مما يتعلق بالفعل ، ويحتمل أن تكون { مَا } شرطية مبتدأ ، والجواب فكلوا ، والخبر الجواب ، والشرط على المختار ، والجملة عطف على جملة { أُحِلَّ لَكُمُ } ولا يحتاج إلى تقدير مضاف .

ونقل عن الزمخشري أنه قال بالتقدير فيه ، وقال تقديره لا يبطل كون { مَا } شرطية لأن المضاف إلى اسم الشرط في حكم المضاف إليه كما تقول غلام من يضرب أضرب كما تقول من يضرب أضرب ، وتعقب بأنه على ذلك التقدير يصير الخبر خالياً عن ضمير المبتدأ إلا أن يتكلف بجعل { َما أَمْسَكْنَ } من وضع الظاهر موضع ضمير ) ما علمتم فافهم ، وجوز كونها مبتدأ على تقدير كونها موصولة أيضاً ، والخبر كلوا ، والفاء إنما دخلت تشبيهاً للموصول باسم الشرط لكنه خلاف الظاهر ، و { مّنَ الجوارح } حال من الموصول ، أو من ضميره المحذوف ، و { الجوارح } جمع جارحة ، والهاء فيها كما قال أبو البقاء للمبالغة ، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف ، وفسرت بالكواسب من سباع البهائم والطير ، وهو من قولهم : جرح فلان أهله خيراً إذا أكسبهم ، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ، وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد غاباً .

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . والسدى . والضحاك وهو المروي عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة أنها الكلاب فقط { مُكَلّبِينَ } أي معلمين لها الصيد ، والمكلب مؤدب الجوارح ؛ ومضربها بالصيد ، وهو مشتق من الكلب لهذا الحيوان المعروف لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه ؛ أو لأن كل سبع يسمى كلباً على ما قيل ، فقد أحرج الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد من حديث أبي نوفل قال : «كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك أو كلبك فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فيه سباع فقال : إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجعلوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به » ، ولا يخفى أن في شمول ذلك لسباع الطير نظراً ، ولا دلالة في تسمية الأسد كلباً عليه .

وجوز أن يكون مشتقاً من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال : هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به ، وانتصابه على الحالية من فاعل { عَلِمْتُمُ } ، وفائدتها المبالغة في التعليم لما أن المكلب لا يقع إلا على النحرير في علمه ، وعن ابن عباس . وابن مسعود . والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم قرأوا { مُكَلّبِينَ } بالتخفيف من أكلب ، وفعل وأفعل قد يستعملان بمعنى واحد { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال من ضمير { مُكَلّبِينَ } أو استئنافية إن لم تكن { مَا } شرطية وإلا فهي معترضة ، وجوز أن تكون حالاً ثانية من ضمير { عَلِمْتُمُ } ومنع ذلك أبو البقاء بأن العامل الواحد لا يعمل في حالين وفيه نظر ، ولم يستحسن جعلها حالاً من { الجوارح } للفصل بينهما .

{ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من الحيل وطرق التعليم والتأديب ، وذلك إما بالإلهام منه سبحانه ، أو بالعقل الذي خلقه فيهم جل وعلا ، وقيل : المراد مما عرفكم سبحانه أن تعلموه من اتباع الصيد بأن يسترسل بارسال صاحبه . وينزجر بزجره . وينصرف بدعائه . ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه .

ورجح بدلالته على أن المعلم ينبغي أن يكون مكلباً فقيهاً أيضاً ، و من أجلية ، وقيل : تبعيضية أي بعض ما علمكم الله { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره ، أو جواب للشرط ، أو خبر للمبتدأ ، و من تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم وغير ذلك ، وقيل : زائدة على رأي الأخفش ؛ وخروج ما ذكر بديهي ؛ و { مَا } موصولة أو موصوفة ، والعائد محذوف أي أمسكنه ، وضمير المؤنث للجوارح ، و { عَلَيْكُمْ } متعلق بأمسكن ، والاستعلاء مجازي ؛ والتقييد بذلك لا خراج ما أمسكنه على أنفسهن ، وعلامته أن يأكلن منه فلا يؤكل منه ؛ وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم ، روي أصحاب السنن عن عدي بن حاتم قال : «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك ، فإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه » وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه . والشعبي . وعكرمة ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه . وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده ، ويؤكل صيد البازي ونحوه وإن أكل ، لأن تأديب سباع الطير إلى حيث لا تؤكل متعذر ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج عبد بن حميد عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل ، لأن الكلب تستطيع أن تضربه ، والصقر لا تستطيع أن تضربه ، وعليه إمام الحرمين من الشافعية ؛ وقال مالك . والليث : يؤكل وإن أكل الكلب منه ، وقد روي عن سلمان . وسعد بن أبي وقاص . وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد ذكرت اسم الله تعالى عليه فكل { ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } الضمير لما علمتم كما يدل عليه الخبر السابق ، والمعنى سموا عليه عند إرساله ؛ وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن . والسدي ، وقيل : لما أمسكن أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، وقيل : للمصدر المفهوم من كلوا أي سموا الله تعالى على الأكل وهو بعيد وإن استظهره أبو حيان ، والأمر للوجوب عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وللندب عند الشافعي ، وهو على القول الأخير للندب بالاتفاق { واتقوا الله } في شأن محرماته ، ومنها أكل صيد الجوارح الغير المعلمة { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } أي سريع إتيان حسابه ، أو سريع إتمامه إذا شرع فيه ، فقد جاء أنه سبحانه يحاسب الخلق كلهم في نصف يوم والمراد على التقديرين أنه جل شأنه يواخذكم على جميع الأفعال حقيرها وجليلها ، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم ، ولعل ذكر هذا إثر بيان حكم الصيد لحث متعاطية على التقوى لما أنه مظنة التهاون والغفلة عن طاعة الله تعالى فقد رأينا أكثر من يتعاطى ذلك يترك الصلاة ولا يبالي بالنجاسة ، والمحتاجون للصيد الحافظون لدينهم أعز من الغراب الأبيض وهم مثابون فيه .

فقد أخرج الطبراني عن صفوان بن أمية «أن عرطفة بن نهيك التميمي قال : يا رسول الله إني وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة وهو مشغلة عن ذكر الله تعالى ، وعن الصلاة في جماعة ، وبنا إليه حاجة أفتحله أم تحرمه ؟ قال صلى الله عليه وسلم : أحله لأن الله تعالى قد أحله ، نعم العمل والله تعالى أولى بالعذر قد كانت قبلى رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها وحبك ذكر الله تعالى وأهله وابتغ على نفسك وعيالك حلالها فإن ذلك جهاد في سبيل الله تعالى » واعلم أن عون الله تعالى في صالح التجار ، واستدل بالآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة لأن التعليم قد يحتاج لذلك ، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد وقيس به الحراسة ، وعلى أنه لا يحل صيد الكلب المجوس ، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد روي عنه في المسلم يأخذ كلب الجوسي . أو بازه . أو صقره . أو عقابه فيرسله أنه قال : لا تأكله وإن سميت لأنه من تعليم المجوسي ، وإنما قال الله تعالى : { تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } من الحقائق التي تحصل لكم بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } وهي الحواس الظاهرة والباطنة وسائر القوى والآلات البدنية { مُكَلّبِينَ } معلمين لها على اكتساب الفضائل { تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من علوم الأخلاق والشرائع { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } مما يؤدي إلى الكمال { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } [ المائدة : 4 ] بأن تقصدوا أنه أحد أسباب الوصول إليه عز شأنه لا أنه لذة نفسانية