تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (5)

تحدي القرآن لليهود

{ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 6 ) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) }

5

المفردات :

مثل الذين حملوا التوراة : صفة اليهود الذين كلّفوا العمل بالتوراة .

ثم لم يحملوها : ثم لم يعملوا بها .

يحمل أسفارا : كتبا عظاما ، ولا ينتفع بها .

التفسير :

5- { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .

إن شبه اليهود الذين تركوا العمل بالتوراة بعد أن أنزلها الله عليهم ، وأمرهم بالعمل بها وتنفيذ أحكامها ، كشبه الحمار الذي يحمل الكتب الكبيرة المشتملة على صنوف العلوم والمعارف ، ولا يفهم شيئا منها ، ولا تفرقة عنده بين حمل كتب العلم أو حمل الأحجار .

ووجه الشبه هو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع قربه من الإنسان ، فما أقبح العالم الذي يحوي العلوم ولا يحاول تطبيقها وتنفيذها .

{ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .

بشّرت التوراة بأحمد ، وذكرت أنه نبي أمي يُبعث في أمة أمية ، وأمرت بالإيمان به وتصديقه ، فلما أرسله الله ، وكان اليهود يستفتحون بهذا النبي ، كفروا به وقالوا : إنه مرسل إلى العرب خاصة ، وكذّبوا بآيات الله التي دعتهم إلى الإيمان به ، وادعوا أن محمدا ليس هو النبي الذي بشرت به التوراة ، وإنما هو رسول سيأتي بعد ، وكما كذبوا بعيسى كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فبئس عملهم ، وما أقبح ما يمثّل به للمكذبين ، وما أشنع عملهم وسلوكهم .

{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .

الذين ظلموا الحق والعدل ، وحملهم الحقد والحسد على إنكار نبوة أحمد ، الله تعالى لا يهديهم إلى الإيمان ، ولا يفتح صدورهم لهداية الرحمن .

قال تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . . . } ( الأعراف : 107 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (5)

{ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } أي علموها وكلفوا العمل بما فيها ، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة ، والمراد بهم اليهود { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } أي لم يعلموا بما في تضاعيفها التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } أي كتباً كباراً على ما يشعر به التنكير ، وإيثار لفظ السفر وما فيه من معنى الكشف من العلم يتعب بحملها ولا ينتفع بها ، و { يَحْمِلُ } إما حال من الحمار لكونه معرفة لفظاً والعامل فيه معنى المثل ، أو صفة له لأن تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف بما توصف به على الأصح .

ونسب أبو حيان للمحققين تعين الحالية في مثل ذلك ، ووجه ارتباط الآية بما قبلها تضمنها الإشارة إلى أن ذلك الرسول المبعوث قد بعثه الله تعالى بما نعته به في التوراة وعلى ألسنة أنبياء بني إسرائيل كأنه قيل : هو الذي بعث المبشر به في التوراة المنعوت فيها بالنبي الأمي المبعوث إلى أمة أميين ؛ مثل من جاءه نعته فيها وعلمه ثم لم يؤمن به مثل الحمار ، وفي الآية دليل على سوء حال العالم الذي لا يعمل بعلمه ، وتخصيص الحمار بالتشبيه به لأنه كالعلم في الجهل ، ومن ذلك قول الشاعر :

ذوامل للأسفار لا علم عندهم *** بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدا *** بأوساقه أوراح ما في الغرائر

بناءاً على نقل عن ابن خالويه أن البعير اسم من أسماء الحمار كالجمل البازل ، وقرأ يحيى بن يعمر . وزيد بن علي { حُمّلُواْ } مبنياً للفاعل ، وقرأ عبد الله حمار بالتنكير ، وقرئ { يَحْمِلُ } بشد الميم مبنياً للمفعول .

{ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله } أي بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا فحذف المضاف وهو المخصوص بالذم وأقيم المضاف إليه مقامه ، ويجوز أن يكون { الذين } صفة القوم ، والمخصوص محذوف أي بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله هو ، والضمير راجع إلى { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } ، وظاهر كلام الكشاف أن المخصوص هو { مَثَلُ } المذكور ، والفاعل مستتر يفسره تمييز محذوف ، والتقدير بئس مثلاً مثل القوم الخ ، وتعقب بأن سيبويه نص على أن التمييز الذي يفسر الضمير المستتر في باب نعم لا يجوز حذفه ولو سلم جوازه فهو قليل ، وأجيب بأن ذاك تقرير لحاصل المعنى وهو أقرب لاعتبار الوجه الأول ، وكان قول ابن عطية التقدير بئس المثل مثل القوم من ذلك الباب ، وإلا ففيه حذف الفاعل ، وقد قالوا بعدم جوازه إلا في مواضع ليس هذا منها { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } أي الواضعين للتكذيب في موضع التصديق ، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بسبب التكذيب .

هذا ومن باب الإشارة : وفي قوله تعالى : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } [ الجمعة : 5 ] الخ إشارة إلى سوء حال المنكرين مع علمهم