التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (5)

بعد هذا البيان - لفضل الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى من أرسله لهدايتهم ، إلى الحديث عن جانب من رذائل اليهود ، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتحداهم وأن يرد على أكاذيبهم . . . فقال - تعالى : { مَثَلُ الذين . . . } .

المراد بالمثل فى قوله - تعالى - : { مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة . . } الصفة والحال . .

والمراد بالذين حملوا التوراة : اليهود الذين كلفهم الله - تعالى - بالعمل بما اشتملت عليه التوراة من هدايات وأحكام وآداب . . . ولكنهم نبذوها وتركوا العمل بها .

والأسفار : جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع ، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعانى المفيدة للمطلع عليها .

والمعنى : حال هؤلاء اليهود الذين أنزل الله - تعالى - عليهم التوراة لهدايتهم . . . ولكنهم لم ينتفعوا بها . . . كحال الحمار الذى يحمل كتب العلم النافع ، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا ، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله . .

ففى هذا المثل شبه الله - تعالى - اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوارة التى فيها الهداية والنور ، بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها .

ووجه الشبه بين الاثنين : هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به انتفاعا عظيما ، لسمو قيمته ، وجلال منزلته .

قال صاحب الكشاف : شبه اليهود فى أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا بمنتفعين بآياتها . . . بالحمار ، حمل أسفارا ، أى : كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ، ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ، وبئس المثل . .

وقال الإمام ابن كثير : يقول - تعالى - ذا ما لليهود الذين أعطوا التوراة فلم يعملوا بها ، إن مثلهم فى ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا . . . فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى ما عليه ، وكذلك هؤلاء . لم يعملوا بمقتضى ما فى التوراة بل أولوه وحرفوه ، فهم أسوأ من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، ولهذا قال - تعالى - : فى آية أخرى : { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون } وقال القرطبى : وفى هذا المثل تنبيه من الله - تعالى - لمن حمل الكتاب ، أن يتعلم معانيه ، ويعمل بما فيه ، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود ، قال الشاعر :

زوامل للأسفار لا علم عندهم . . . بجيِّدها ، إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا . . . بأوْساقِه ، أو راح ما فى الغرائر

وعبر - سبحانه - عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله : { حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } للإشعار بأن هذا التكليف منه - تعالى - لهم ، كان عهدا مؤكدا عليهم ، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه . ولكنهم نيذوا هذا العهد ، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال ، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده . .

ولفظ " ثم " فى قوله { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } للتراخى النسبى ، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم ، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود .

وشبههم ، بالحمار الذى هو مثل فى البلادة والغباء ، لزيادة التشنيع عليهم ، والتقبيح لحالهم ، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شىء نافع ، - وهو كتاب الله - كما هو شأن الحمار الذى لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشىء النافع والشىء الضار .

وجملة " يحمل أسفارا " فى موضع الحال من الحمار ، أو فى موضع جر على أنها صفة للحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، نكرة معنى .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : " يحمل " ما محلة ؟ قلت : محله النصب على الحال ، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللئيم فى قول الشاعر :

ولقد أمر على اللئيم يسبنى . . . ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال : { بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله . . } .

و { بِئْسَ } فعل ذم ، وفاعله ما بعده وهو قوله : { مَثَلُ القوم } وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته .

أى : بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى - .

وقوله : { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } تذييل قصد به بيان الأسباب التى أدت إلى عدم توفيق الله - تعالى - لهم إلى الهداية .

أى : والله - تعالى - قد اقتضت حكمته ، أن لا يهدى إلى طريق الخير ، من ظلم نفسه ، بأن آثر الغى على الرشد ، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ، لسوء استعداه ، وإنطماس بصيرته .