البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (5)

السفر : الكتاب المجتمع الأوراق منضدة .

{ مثل الذين حملوا التوراة } : هم اليهود المعاصرون للرسول صلى الله عليه وسلم ، كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها ، ولم يطيقوا القيام بها حين كذّبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي ناطقة بنبوته .

وقرأ الجمهور : حملوا مشدداً مبنياً للمفعول ؛ ويحيى بن يعمر وزيد بن عليّ : مخففاً مبنياً للفاعل .

شبه صفتهم بصفة الحمار الذي يحمل كتباً ، فهو لا يدري ما عليه ، أكتب هي أم صخر وغير ذلك ؟ وإنما يدرك من ذلك ما يلحقه من التعب بحملها .

وقال الشاعر في نحو ذلك :

زوامل للأشعار لا علم عندهم *** بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدى *** بأوساقه أو راح ما في الغرائر

وقرأ عبد الله : حمار منكراً ؛ والمأمون بن هارون : يحمل بشد الميم مبنياً للمفعول .

والجمهور : الحمار معرفاً ، ويحمل مخففاً مبنياً للفاعل ، ويحمل في موضع نصب على الحال .

قال الزمخشري : أو الجر على الوصف ، لأن الحمار كاللئيم في قوله :

ولقد أمر على اللئيم يسبني . . .

انتهى .

وهذا الذي قاله قد ذهب إليه بعض النحويين ، وهو أن مثل هذا من المعارف يوصف بالجمل ، وحملوا عليه

{ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } وهذا وأمثاله عند المحققين في موضع الحال ، لا في موضع الصفة .

ووصفه بالمعرفة ذي اللام دليل على تعريفه مع ما في ذلك المذهب من هدم ما ذكره المتقدمون من أن المعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة ، والجمل نكرات .

{ بئس مثل القوم } .

قال الزمخشري : بئس مثلاً مثل القوم . انتهى .

فخرجه على أن يكون التمييز محذوفاً ، وفي بئس ضمير يفسره مثلاً الذي ادعى حذفه .

وقد نص سيبويه على أن التمييز الذي يفسره الضمير المستكن في نعم وبئس وما أجري مجراهما لا يجوز حذفه .

وقال ابن عطية : والتقدير بئس المثل مثل القوم . انتهى .

وهذا ليس بشيء ، لأن فيه حذف الفاعل ، وهو لا يجوز .

والظاهر أن { مثل القوم } فاعل { بئس } ، والذين كفروا هو المخصوص بالذم على حذف مضاف ، أي مثل الذين كذبوا بآيات الله ، وهم اليهود ، أو يكون { الذين كذبوا } صفة للقوم ، والمخصوص بالدم محذوف ، التقدير : بئس مثل القوم المكذبين مثلهم ، أي مثل هؤلاء الذين حملوا التوراة .