تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (23)

المفردات :

فلما أنجاهم : يعني : الذين أحيط بهم .

إذ هم يبغون : يتجاوزون أمر الله إلى الكفر والعصيان .

إنما بغيكم على أنفسكم : إياها تظلمون ، وعليها تعتدون ، لما توجبون عليها من سخط الله ونقمته .

متاع الحياة الدنيا : إنما هو متاع لكم في الحياة الدنيا .

التفسير :

23 { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق . . . }

فلما أنجاهم الله من هذه الشدة ، ومن عليهم باليسر بعد العسر ، وبالفرح بعد الكرب ، وأعادهم إلى البر سالمين غانمين ، إذا بهم ينسون عهدهم ، وينقضون ميثاقهم ، ويسرفون في البغي والعدوان ، ويتسلطون على عباد الله ظلما وعدوانا ، وينسون حق الله عليهم ، وحق العدالة والإنسانية ، فحق الله عليهم : أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئا ، وحق العباد : أن ينصفونهم من أنفسهم وألا يتطاولوا عليهم بالظلم والبغي والعدوان .

وقد رددت آيات القرآن هذا المعنى ، فكشفت عن طبيعة الإنسان وهو الالتجاء إلى الله في الشدة والإعراض عن الله في الرخاء والنعمة .

قال تعالى : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } . ( فصلت : 51 ) .

وقال عز شأنه : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } . ( يونس : 12 ) .

وقال تعالى : { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار } . ( الزمر : 8 ) .

وينبه القرآن الناس إلى أن البغي لا يدوم ، فللظالم يوم يعض فيه على يديه ، والبغي مرتعه وخيم .

قال تعالى : { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } . ( يونس : 23 ) .

فالظالم يظلم نفسه ، ويعرضها للحساب والعقاب ، وهو الذي سيتحمل مسئولية هذا الظلم في يوم الحق والجزاء .

{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } . ( آل عمران : 30 ) .

{ متاع الحياة الدنيا } . أي : إنما هو لكم متاع في الحياة الدنيا الفانية المحدودةxiv أي : أن البغي عاقبته وخيمة على الباغي ، ومتعته محدودة بهذه الحياة ، أو أن الباغي يبغي على إنسان مثله ، ويقضي متعة محدودة ، ثم يبغي عليه إنسان آخر فذلك شأن الدنيا ، تهارش وتناوش ، وتنازع البقاء وتنافس في متع الدنيا والعدوان على الآخرين ، وهناك قصاص عادل من رب الأرض والسماء .

{ ثم إلينا مرجعكم } .

ثم يقف الإنسان أمام الله ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فيسأله عما قدم في دنياه ، وعن نقضه عهد الله ، ويخبره بحصيلة عمله في هذه الحياة .

{ فننبئكم بما كنتم تعملون } .

وقد صرح القرآن بهذا في كثير من آياته مثل قوله سبحانه : { أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد } . ( المجادلة : 6 ) .

وقوله : { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (23)

قوله : { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } { إذا } ، الفجائية . و { يبغون } من البغي وهو العدوان ومجاوزة الحد والسعي بالفساد{[1960]} ؛ أي لما استجاب الله دعاءهم فأنقذهم مما هم فيه من البلاء المحدق إذا هم يسعون في الأرض بالفساد ، فيعودون إلى الشرك وتقديس الأصنام وفعل المعاصي والسيئات { بغير الحق } مبالغة في إظهار فسقهم وعتوهم وعنادهم .

قوله : { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } { بغيكم } ، مبتدأ . و { على أنفسكم } خبره{[1961]} ؛ أي أن اعتداءكم وفسادكم في الأرض إنما وباله عائد عليكم وحائق بكم .

قوله : { متاع الحياة الدنيا } { متاع } ، منصوب من وجهين ، أحدهما : أن يكون منصوبا بفعل مقدر ، وتقديره : يبتغون متاع الحياة الدنيا .

وثانيهما : أن يكون منصوبا على المصدر بفعل مقدر . وتقديره : تمتعوا متاع الحياة الدنيا .

ويجوز فيه الرفع ، من وجهين كذلك ، أحدهما : أن يكون خبرا بعد خبر لقوله : { بغيكم } .

وثانيهما : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره : هو متاع الحياة الدنيا{[1962]} . وقيل غير ذلك .

قوله : { ثم إلينا مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } ثم معادكم بعد هذا المتاع إلى الله ؛ إذ تصيرون إليه لتناقشوا الحساب والمساءلة عما أفضتم فيه من تفريط ونسيان . وحينئذ يخبركم الله بكل ما قدمتموه من المعاصي في دنياكم فيجازيكم عليها . وفي ذلك وعيد شديد وتهديد مفزع ينذر به الله الجاحدين المفرطين الذين يتبعون الشهوات في حياتهم الدنيا ، ويتيهون ساردين في الضلال والغفلة{[1963]} .


[1960]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 64.
[1961]:البيان لاين الأنباري جـ 1 ص 409.
[1962]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 409، 410.
[1963]:فتح القدير جـ 2 ص 234- 236 والبيضاوي ص 276 والنسفي جـ 2 ص 158 وتفسير الطبري جـ 11 ص 70- 72.