تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

قتل أطفال بني إسرائيل

{ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم( 49 ) }

المفردات :

إذ : بمعنى الوقت وهي مفعول فيه لفعل ملاحظ في الكلام ، وهو اذكروا ، أي اذكروا وقت أن نجيناكم ، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث .

نجيناكم : النجو المكان العالي من الأرض لأن من صار إليه يخلص وينجو ثم سمى كل فائز ناجيا لخروجه من الضيق إلى السعة .

الآل : من آل يئول بمعنى رجع ، وآل الرجل أهله وخاصته وأتباعه لأنه يرجع إليهم في قرابة أو رأى أو مذهب . ولا يضاف إلا لذوي القدر والشأن من الناس .

فرعون : أسم لمن ملك مصر قبل البطالسة ، كما يقال لملك الروم قيصر ، ولملك الفرس كسرى ، ولملك اليمن تبع ، ولملك الحبشة النجاشي .

سامه : كلفه .

السوء : السيئ القبيح .

سوء العذاب : أشده وأفظعه .

البلاء : الاختبار والامتحان ، وهو تارة يكون بما يسر ليشكر العبد به ، وتارة بما يضر ليصبره ، وتارة غما ليرغب ويرهب ، قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } ( الأنبياء35 ) .

التفسير :

{ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }( 49 ) . ( 134 ) .

روى المؤرخون أن أول من دخل مصر من بني إسرائيل يوسف عليه السلام ، وانضم إليه إخوته فيما بعد ، وتكاثر نسلهم حتى بلغوا في مدى أربعمائة سنة نحو ستة آلاف ، حين خرجوا من مصر باضطهاد من فرعون وقومه لهم ، إذ قد رأى تبسيط اليهود في البلاد ومزاحمتهم للمصريين فراح يستذلهم ويكلفهم شاق الأعمال في مختلف المهن والصناعات ، وهم في ذلك يزدادون نسلا ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم لا يشركون المصريين في شيء ولا يندمجون في غمارهم ، إلى ما لهم من أنانية وإباء وترفع على سواهم ، اعتقادا منهم بأنهم شعب الله وأفضل خلقه ، فهال المصريين ما رأوا خافوا إذ هم كثروا أن يغلبوهم على بلادهم ، ويستأثروا بخيراتها وينتزعوها من بين أيدي أبنائها ، فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم واستحياء بناتهم فأمر فرعون القوابل أن يقتلن كل ذكر إسرائيلي حين ولادته( 145 ) .

والمعنى : اذكروا يا بني إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه ، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم واستئصال لأعقابكم وامتهان لكرامتكم حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم ، ويستبقون نفوس نسائكم ، وفي ذلك العذاب ، وفي النجاة منه امتحان لكم بالسراء ، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدى بكم إلى الإذلال في الدنيا والعذاب في الآخرة .

قال الإمام الرازي ما ملخصه :

«واعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة أي نعمة إنجائهم من عدوهم تتأتى من وجوه أهمها :

1- أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة ، صار تخليص الله عز وجل لهم من هذه المحن من أعظم النعم ، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم ، وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ، ولاشك في أن ذلك من أعظم النعم ، وعظم النعمة يوجب المبالغة في الطاعة والبعد عن المعصية ، لذا ذكر الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة وليقطع عذرهم .

2- أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان عدوهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين ، وكان خصمهم مبطلا لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأن الله تعالى يقول لهم لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة مراكزكم ، ولا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم فإن الحق إلى جانبهم ومن كان الحق إلى جانبه فإن العاقبة لابد أن تكون له( 136 ) .

وقد خوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع أن هذا الإنجاء كان لأسلافهم لأن في نجاة أسلافهم نجاة لهم فإنه لو استمر عذاب فرعون للآباء لأفناهم ولما بقي هؤلاء الأبناء .

فلذلك كانت منة النجاة تحمل في طياتها منَّتين ، منة على السلف لتخلصهم مما كانوا فيه من عذاب ، ومنة على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها ؛ وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل من فرعون مع أنه الآمر بتعذيب بني إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له ، في إذاقتهم سوء العذاب وإنزال الإذلال والإعنات بهم .

وجعلت هذه الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود وهي في ظاهرها خير لأن هذا الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء على حيائهن ، واستعمالهن في الخدمة بالاسترقاق ، فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب أليم .

قال الإمام الرازي ما ملخصه : ( في ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه : أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك ، وهذا يفضي في نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا .

ثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ؛ فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال لما قد تقع فيه من نكد العيش بالإنفراد ، فصارت هذه الخطة عظيمة في المحن والنجاة في العظم منها تكون بحسبها .

ثالثها : أن قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكبد والرجاء القوي في الانتفاع به من أعظم العذاب ، فنعمة الله في تخليصهم من هذه المحنة كبيرة .

رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم ، يؤدي إلى صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان ( 137 ) .

وقد تكرر تذكير بني إسرائيل بنعمة نجاتهم من عدوهم في مواضع متعددة من القرآن الكريم وذلك لجلال شأنها ولحملهم على الطاعة والشكر .

قال تعالى : { وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } . ( الأعراف 141 ) .

قال سبحانه : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون( 138 ) . أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } . ( إبراهيم 6 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

قوله تعالى : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ( ذلك تذكير لبني إسرائيل بنعمته عليهم ، وهي نعمة تضاف إلى جملة النعم التي كتبها الله لهم ، وهي هنا تنجيههم بإذن الله من آل فرعون ، والنجاة أو النجاء بمعنى الفوز والخلاص من الضيق والكرب وآل فرعون هم أهله وأتباعه والذين على ملته وهواه ، والكلمة آل أصلها أهل – كما قال بعض أهل البيان – ثم أبدلت الهاء ألفا فصارت آل ، أما فرعون فإنه على الراجح اسم لكل ملك من الملوك الذين تعاقبوا على حكم القبط في مصر .

وقيل : إن الكلمة تعني العاتي ذا الدهاء والمكر ، وقيل : معناه : بالقبطية التمساح واسم فرعون لا ينصرف للتعريف والعجمة . {[63]}

وقوله : ( يسومونكم سوء العذاب ( أي يذيقونكم أشد أنواع العذاب كأن يتخذوكم لهم عبيدا فتظلوا عندهم موضع حقار وزراية ، وكاف المخاطب في محل نصب مفعول به للفعل يسوم ، و ( سوء ( مفعول به ثان منصوب و ( العذاب ( مضاف إليه ، وقوله : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ( من الذبح وهو في اللغة الشق ، والذبح معناه إحداث الشق في الحلقوم لقطعه أو فتقه ، وجملة يذبحون قيل أنها بدل من جملة يسومون في قوله : ( يسومونكم ( وقيل : هي تفسير لقوله يسومونكم ، أي أن تذبيح الأبناء واستحياء النساء جاء توضيحا لسموهم سوء العذاب وهذا هو الراجح والله أعلم .

ولقد كان فرعون حاكما عاتيا متجبرا قضى على بني إسرائيل بالقهر والتقتيل في غير عطف أو رحمة ، ويبدو للباحث المتدبر أن هذا المخلوق ما كان سوي النفس ولا مستقيم الطبع والشخصية ، فقد كانت تؤرقه ظواهر الشذوذ والمرض النفسي حتى راغ في قسوة محمومة وفي طبع غليظ متحجر يأمر جنوده وأتباعه بقتل الأطفال المواليد من بني إسرائيل واستبقاء البنات منهم على قيد الحياة ، وتلك غاية في الظلم وهو يمارس أسوأ أساليب القهر والعنف لمجرد وهم كان يراود تصوره وخياله ، فقد ذكر له أن زوال ملكه وسقوط عرضه سيكون على يد واحد من بني إسرائيل كما قيل ، ونحن لا نعبأ كثيرا بالسبب الذي أودى بهذا الطاغية الى هذا المستوى الإجرامي الذي يثير في النفس كآبة واشمئزازا . لا نعبأ بالسبب الذي كان وراء هذه الممارسة الغليظة فسواء كان ذلك إيهاما ركب رأس فرعون بأن فرعون أحد اليهود سوف يقضي عليه ، أو أن ذلك كان تعبيرا عن نفسية شاذة ملتوية تستطيب عذابات المظلومين وتستمرىء أن ترى الدم المسفوح بقطر بغزارة من جلود المظلومين والمعذبين .

لا يهمنا السبب كثيرا ما دامت النتيجة البشعة قد حلت بأولئك المقهورين ظلما وعدوانا ، لا يهمنا ذلك بقدر ما نلاحظه من خلال الدراسة ، والبحث أن طبيعة يهود يهود قد سميت بعد هذه الهزات والمصائب الالتواء والشذوذ حتى باتت غير سوية بل باتت غاية من انحراف الطبع وشذوذ النفس ، إن التجارب والدراسات كلها تشير إلى طبيعة اليهود الشاذة التي آلت إلى أن تمارس كل ضروب الأذى والتخريب وكل ألوان الإفساد والشر والتدمير ، تجتاح أوساط البشرية كافة ، فتذيقها الويل والثبور وعظائم الأمور ، والكلام في ذلك طويل لأن حلقات البلاء والتآمر والكيد من اليهود للبشرية تحتاج مجالا غير هذا المجال ، وذلك لفداحتها وتعدد مآسيها وأرزائها ، وهو كذلك مرير ، لأنه ينطوي على أحداث مذهلة مريعة منيت بها البشرية والمجتمعات عبر السنين الطوال وهي تعاني الأهوال والشدائد مثل الحروب الطاحنة المدمرة التي تتمخض عن الملايين من الضحايا والمعذبين ، ثم الكيد للبشرية لضربها في أعز ما تملك وهي القيم والعقائد ، ومكارم الأخلاق ، وكذلك الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي يصطنعها رجالات دهاقنة من اليهود تحت شعار مزيف من العلم ، ومن جملة هؤلاء فرويد في إفساد النفس وتمييعها لتظل فائرة مشبوبة خلف غريزة الجنس ، ثم ماركس وهو الذي في عناد وتوقح عن صفقة آراء غريبة ، لا تلبث أن تتداعى أمام المنطق السليم والمناقشة الموضوعية الحرة .

قوله : ( وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم ( اسم الإشارة وميم الجمع ( ذلكم ( تعني : فعلهم ذلك بكم ، أي أن فعل فرعون وجنوده بكم وما أنزلوه بكم من ألوان العذاب لهو بلاء ، أي امتحان واختيار عظيم ، لما في ذلك من بالغ القسوة وشديد الامتهان .


[63]:البيان للأنباري جـ 1 ص 81.