تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

175

176- { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيا } .

المفردات :

يسارعون في الكفر : أي يسارعون في نصرته والاهتمام بشئونه والتهوين من شأن المؤمنين وتخويفهم .

حظا في الآخرة : اي نصيبا من الثواب فيها .

التفسير :

كان للمنافقين مواقف شائنة في غزوة احد فقد عاد عبد الله بن أبي بثلث الناس ولما دارت الدائرة على المسلمين في أحد بسبب موقف المنافقين أولا وبسبب ترك الرماة أماكنهم فوق الجبل لحماية ظهور المسلمين ثانيا ورجعوا إلى المدينة أظهر المنافقون كثيرا من الشتامة والبغضاء وقالوا في حق الذين قتلوا في المعركة . . { لو كانوا عندنا ماتوا وما قتلوا } ( آل عمران 156 ) .

ولما استعرض الرسول الأمين هذه المواقف حزن وتألم فأنزل الله هذه الآية لتسليته أي لا ينبغي يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين في الكفر فإنهم لم يضروا أوليائي بشيء من الضرر وقد استفاد المسلمون في هذه الغزوة إذ عرفوا أعداءهم المنبثين فأخذوا حذرهم . { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } . أي حكمته فيهم انه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة بسبب ما أبدوه من أسباب الفرقة والتخذيل والشماتة . { ولهم عذاب عظيم } وعقاب أليم فوق عذاب الحرمان من نعيم الجنة .

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن اللذين هادوا . . ( المائدة 41 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

قوله تعالى : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) .

ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا ثم ارتدوا ، وقيل : المراد بذلك المنافقون ورؤساء اليهود فقد كتموا صفة النبي صلى الله عليه و سلم ؛ إذ كان مذكورا ومبينا في كتابهم .

وقيل : المراد أصناف الكافرين جميعهم . فقد كانوا يسارعون في الكفر ، ويظاهرون على النبي صلى الله عليه و سلم والمسلمين بالكيد والعدوان . ومن أجل هذه المسارعة في الكفر من الكافرين الحاقدين كان النبي صلى الله عليه و سلم يغتم وينتابه الحزن ، فنهاه الله عند ذلك مع أن الحزن والاغتمام والغضب من كفر الكافرين ومعاصيهم ومكائدهم عبادة يثاب عليها المسلم ، فكيف يأتي النهي عن ذلك . وتأويل ذلك أن النهي يقع على الإفراط أو الإسرف في الحزن والاغتمام مما يفضي إلى لحوق الضرر بالمحزون المغتم . كقوله تعالى : ( فلا تذهب نفسك عليهم حسارات ) أي لا تهلك نفسك عليك من فرط تحسرك على غيهم وإصرارهم على العتو والتمرد والتكذيب . وعلى هذا فإن النهي هنا عن الإفراط في التحسر المفضي إلى ضرر المحسر . لا جرم أن الإفراط المغالي في كظم الحزن والحسرة يودي بالمحزون المغموم إلى الاعتلال أو الهلاك . وهو ما وقع عليه النهي في الآية ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ) هؤلاء الناكبون عن دين الله لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، فهم لا يضرون الله بذلك ، والله سبحانه منزه عن طبائع البشر الين يضرهم الأذى والكيد ، لكن الله خالق كل شيء وخالق الحياة والأحياء جميعا لا يضره كفران الكافرين ولا ضلال الضالين المضلين .

إن هؤلاء الناكبين التعساء الذين يسارعون في الكفر لا يضرون سوى أنفسهم ولا يعود وبال ذلك إلا عليهم دون غيرهم . وكيفية ذلك في قوله : ( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) أي نصيبا من الثواب العظيم الذي أعده الله لعباده المؤمنين ؛ إذ كتب لهم الجنة ، لكن أولئك التعساء المتنكبين عن منهج الله لا جرم أنهم محرومون من نعيم الله في الجنة ، وفوق حرمانهم هذا أعد الله لهم النار يتعذبون فيها لزاما ودون مبارحة . وهو مقتضى قوله : ( ولهم عذاب عظيم ) .