تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

{ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا }

المفردات :

وآتوا : المراد بإتيانها ان يحافظوا عليها ولا يتعرضوا لها بسوء ، حتى يسلموها لليتامى عند البلوغ والرشد كاملة ، إلا ما صرفت في ضروريات اليتامى وحاجتهم .

اليتامى : جمع يتيم ، وهو من مات أبوه ، واليتامى جمع ذكرا أو أنثى ، اما الأيتام فجمع للذكران فقط وخصه الشرع بالصغير دون البلوغ .

ولا تتبدلوا : يقال تبدل الشيء واستبدل به اخذ الأول بدل الثاني فالباء داخلة على المتروك .

الخبيث : الحرام .

بالطيب : بالحلال .

حوبا كبيرا : إثما عظيما .

التفسير :

2- { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } .

المعنى الإجمالي :

وملكوا اليتامى ما يستحقون من مال واحفظوه لهم ولا تعطوهم الردئ وتحرموهم الجيد ، ولا تأخذوا أموالهم وتضيفوها إلى أموالكم إن ذلك كان إثما كبيرا .

من تفسير الآية للأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز :

وآتوا اليتامى أموالهم . . .

أمرنا الله بتوصيل مال اليتيم إليه بعد بلوغه ، وبعد ان أمرنا بإعطاء اليتامى أموالهم أكد هذا الامر تأكيد العليم الخبير بطبائع النفوس الإنسانية وجميع حيلها ، ولو كان القرآن من عند محمد لوجب أن يكون إنسانا عالميا يحيط بكل ما في الأرض والسماء ، ويغوص إلى خفايا النفوس ، ويصل إلى أدق طبائع البشر ، وما خفي واستتر من غرائزهم ، وهو الأمي الذي لم يتل من قبله الكتاب ولا خطه بيمينه . ففي هذا التحليل القادم دليل على ان القرآن من عند الله وإليك هذا التحليل والتنويع .

قد يتحايل الإنسان على أ كل مال اليتيم بأربع حيل :

1- الأولى الاستبدال : بأن يأخذ قطعة أرض من مال اليتيم ويعطيه بدلها ، زاعما ان ذلك له أصلح وهو في الواقع قد أخذ لنفسه الأحسن ، وهنا يبدو جمال التسمية في قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } فجعل الكثير الحسن من مال اليتيم خبيثا لأنه حرام ، وحق الغير ، وأخذه ظلم فكان خبيثا لا تألفه نفس المؤمن الطاهر ، وجعل القليل من ماله الحلال طيبا طاهرا ، لأنه حقه الحلال ، أي ولا تأخذ الكثير الخبيث ، الذي يؤول إلى النار من مال اليتيم ، بدل القليل الطيب الحلال من مالك .

2- الحيلة الثانية ان يقول الوصي : إني لا أريد أن أشعره بالوحدة والانقطاع فلن اترك ماله على حدة ، بل سأضمه إلي ليجد في أبا رحيما ، وفي أبنائي إخوة ، وفي رعايتي لماله شركة ومواساة . ثم يأخذ من مال اليتيم بذلك ما لا حق له فيه أما إذا أردت ضمه إليك مواساة وتعويضا عن أهله ، وكنت صادق النية في ذلك ، فالله هو الله يتولى جزاءك . قال تعالى : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح } ( البقرة 220 ) .

3- الحيلة الثالثة : ان يتزوج اليتيمة ذات المال . للاستيلاء على مالها بحجة انها تحت رعايته فقال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } . أي إن خفتم الجور على اليتيمة فتزوجوا من الآخرين بعدا عن الظلم .

4- والحيلة الرابعة : هي الإسراف والتبذير في مال اليتيم قبل أن يكبر حقدا عليه أن يسترد ماله البلوغ فيصير غنيا والوصي فقير فقال سبحانه : { فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } .

وهذا هيكل تقريبي أو صورة واضحة عن اليتيم وكل ما يمكن من صور التحايل على أكل ماله نهى عنها القرآن وحذرنا منها .

وأحب أن تسيروا في طريق التفسير بهذا المنوال التربوي والمنهاج العلمي ، والنظر إلى الفكرة وإلى ما يقصده القرآن كجسم كامل لا يصح بتر أجزائه ، بل تتأملوا تفصيلها وتنسيقها9 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

قوله تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) .

يأمر الله الأولياء والأوصياء أن يعطوا اليتامى أموالهم . والمقصود باليتامى هنا الذين كانوا أيتاما فيما مضى ثم بلغوا الرشد ، إذ لا يجوز أن تدفع الأموال لليتامى حال يتمهم فإن في ذلك تبديدا وتضييعا لها . وعلى ذلك فإن المقصود في الآية الذين كانوا أيتاما ، وذلك كقوله تعالى : ( فألقي لسحرة ساجدين ) إذ لا يسجد السحرة ماداموا على حالهم من الضلالة والشرك ، ولكنهم سحرة باعتبار ما كانوا عليه من السحر والشرك قبل الإيمان . وكذلك كان يقال للنبي ( ص ) حال كبره ونبوته : " يتيم أبى طالب " وذلك بالنظر ليتمه ؛ إذ كان صغيرا .

قوله : ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) الخبيث والطيب هما صفتان للمال . والمقصود بالخبيث المال الزيف الهزيل أو الرديء الذي تعزف عنه النفس . أما الطيب فهو المال الجيّد المرغوب .

والله سبحانه ينهى الأولياء والأوصياء الذين يرعون اليتامى أن يأكلوا أموالهم الجيدة رغبة منهم فيها ليبذلوا مكانها أموالا رديئة ويقولوا : أموال بأموال . فإن ذلك لا يعدو أن يكون ضربا من التحايل الذي يدفع إليه الطمع والشهوة الجامحة في جمع المال . وذلك حرام بغير شك .

وقيل : الخبيث هو مال اليتيم إذا أكلتموه بغير حق . والطيب هو مالكم الحلال المشروع . أي لا تتبدلوا أموال اليتامى لتأكلوها خبيثة بدلا من أموالكم وهي حلال .

قوله : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) . أي لا تخلطوا أموالهم بأموالكم فتنفقوا من الخليط بغير تمييز واضح لتضيع أموال اليتامى . فإن خلط أموالهم بأموال الأوصياء طريق التفريط والتبديد بغير داع أو حاجة . وقد كانوا يخلطون أموالهم بأموال اليتامى دون تحرج حتى نزلت هذه الآية فانتهوا عن الخلط خشية الوقوع في الحرام .

وقد قيل : إن النهي عن الخلط قد نسخ بقوله : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) مما جعل الأوصياء لا يتحرجون من خلط أموالهم بأموال اليتامى عندهم . ولعل الصواب أن نعتبر الآية في النهي موضحة على نحو أكبر بالآية الأخرى في جواز الخلط وليست منسوخة . فإن النسخ عملية إبدال حكم بحكم آخر يقوم مقامة تماما . لكن الوارد هنا أن النهي قد وقع على الخلط الذي تضيع فيه أموال اليتامى فيأكلها من ضم اليتيم إليه . وذلك فيه من سوء النية وفساد القصد ما هو مبين . أما إذا وقع الخلط بغير النية في التعدي على مال اليتيم فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا حرج عندئذ في خلط المالين معا .

قوله : ( إنه كان حوبا كبيرا ) والحوب الكبير متعلق بخلط المال بنية سيئة . يقال : حاب الرجل حوبّا أي أثم . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر لي حوبتي أي إثمي . وتأتي الحوبة بمعنى الحاجة أيضا{[686]} .


[686]:ـ المصباح المنير ج 1 ص 168 وتفسير النسفي ج 1 ص 205 وفتح القدير ج 1 ص 418.