تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} (6)

{ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا }

المفردات :

وابتلوا : الابتلاء الاختبار والتجربة .

بلغوا النكاح : أي بلغوا سن النكاح ، أو بلغوا الحلم وهو حد التكليف وقدر بخمسة عشر عاما .

آنستم : أبصرتم وتبنيتم .

رشدا : حسن تصرف في الأموال .

إسرافا : الإسراف مجاوزة الحد المعتاد في التصرف .

بدارا : البدار : المسارعة في الشيء .

أي لا تأكلوا أموالهم مسرفين ومبادرين كبرهم ، أي مسرعين في تبذيرها قبل أن يكبروا فيتسلموها منكم .

فليستعفف : العفة : ترك ما لا ينبغي من الشهوات والمراد فليتنزه عن الأكل من مال اليتيم .

التفسير :

6- { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم . . الآية }

أي عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن تختبروا اليتامى وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور وحسن التصرف في الأموال ، وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صار في قدرتهم أن يصرفوا أمورهم تصريفا حسنا فإن تبينتم منهم رشدا بعد البلوغ ، وهداية إلى حسن التصرف وحفظ الأموال فادفعوا إليهم أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ .

ولا تأكلوها مسرفين في الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا فينتزعوها من أيديكم .

ومن كان من الأوصياء على اليتامى غنيا فليتعفف عن الأكل من أموالهم ، وليبالغ في إعفاف نفسه وإبعادها عن أخذ شيء من مال اليتيم ومن كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم بقدر حاجته من سد الجوع وستر العورة لا يزيد عن ذلك .

فإذا سلمتموهم أموالهم فليكن ذلك أمام شهود ، إثباتا للحق وحماية لأنفسكم ، وتأكيدا لحفظ مال اليتيم .

والله من ورائكم هو المحاسب والمراقب وكفى به حسيبا ومراقبا .

في رحاب الآية :

1- عنى القرآن بتربية اليتيم وكفالته ورعايته وتكوين شخصيته . لأنه فرد من أفراد الأمة والأمة مجموعة أفراد . وقد أمر في الآية السابقة بالقول المعروف معه والتوجيه السديد وفي هذه الآية حث على التدريب العملي بالاختبار كأن تسأله أنا اشتريت هذا الثوب كم يساوي ؟ فإذا توسم الوصي فيه خيرا أعطاه قليلا من المال ليتصرف فيه حتى إذا بلغ الحلم وآنس فيه الرشد دفع إليه المال ، وقد علق دفع المال على شرطين ، البلوغ والرشد وهو صغير لا يدفع إليه حتى يكبر ، والكبر وحده لا يكفي بل لابد من الكبر مع الرشاد ، والرشد عند كثير من المفسرين يكون في المال والدين والخلق .

يقول الأستاذ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق :

{ وابتلوا اليتامى } . يأمر باختبارهم وتدريبهم على التصرف ، والقيام على بعض الشئون لينظر أيحسنون أم يسيئون ؟ فإذا أحسنوا وسعت لهم دائرة الاختبار ، وإذا أساءوا أرشدوا وعلموا ، تأمر الآية باختبارهم على هذا النحو . حتى يصلوا إلى درجة الرشد ، وتعرف قدرتهم على ضبط الأموال وحسن التصرف ، فتسلم أموالهم إليهم ليباشروا شئونها بأنفسهم ويدخلوا بها في معترك الحياة25 .

{ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } الفاء في قوله : فادفعوا ، واقعة من جواب الشرط فإن آنستم . والشرط وجوابه واقع جواب إذا .

***

2- سن البلوغ :

ظاهر الآية يدل أن أموال اليتامى لا تدفع إليهم إلا إذا بلغوا راشدين .

والبلوغ إما بالاحتلام للذكور ، وبالحيض للإناث ، وإما بالسن وهو عند الشافعي والحنابلة 15 سنة ، وعند المالكية 17 سنة .

وفرق الحنفية بين الذكور والإناث فجعلوه للذكور 18 عاما وللإناث 17 عاما وكل ذلك بالحساب القمري .

فإذا بلغ غير رشيد فلا يسلم له ماله عند جمهور الفقهاء .

وقال أبو حنيفة : يسلم له إذا بلغ 25 سنة وإن يثبت رشده ، لأنه يصلح أن يكون جدا ، وهو يستحيي أن يحجر على مثله .

***

3- أجرة الوصي :

اختلف العلماء حول قوله سبحانه :

{ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } .

1- منهم من قال إن هذه الآية مع شدتها منسوخة بقوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ( النساء 10 ) .

2- ومنهم من يرى أن الآية غير منسوخة ولكنها أرشدت الغني إلى العفة عن مال اليتيم ، وأن يقصد بعمله ورعايته وجه الله .

وأباحت للفقير أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا ، ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان معسرا فلا شيء عليه26 .

وعن عمر : يأخذ الوصي الفقير ما يسد جوعه ويواري سوأته ، إذا استغنى رد ما أخذ .

وعن عمر : ألا أني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت استقرضت ، فإذا أيسرت قضيت .

3- الوصي له حالتان :

أن يكون وليا فعليا ، يتصرف في مال اليتيم ويرعى شئونه ، محاسبا أو وكيلا أو راعيا فبقدر ما يؤجر به نفسه يأخذ من مال اليتيم .

أو أنه ما دام سلم نفسه لليتيم يرعى أمره فليأخذ ما يكفيه وما ينفق به على نفسه .

كالقاضي في مال الدولة فإنه يأخذ المال والمرتب وإن كان غنيا ورد هذا لقول بأن هناك فرقا بين المقامين .

فالقاضي يأكل من مال الدولة وهو مال عام ، والوصي هنا يأكل من مال خاص .

والرأي الأخير أمثل الآراء فالوصي إن شغل بمال اليتيم ورعايته فله الأكل بالمعروف زائدا على أجرته إن كان فقيرا وله الأجر فقط إن كان غنيا .

يقول الإمام فخر الدين الرازي :

اختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم أم لا ؟ .

فمنهم من يرى أن للوصي أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله . . . لأن الوصي لما تكلف بإصلاح مهمات الصبي ، وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها ، فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم وكذا هنا . . .

4- الإشهاد عند تسليم المال لليتيم :

أمر الله بالإشهاد عند تسليم أموال اليتامى إليهم ، كما أمر بالإشهاد عند كتابة الدين فقال : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } . ( البقرة 282 ) .

والإشهاد يكون في الأمور الهامة ، وفي الأمور المالية بالذات منعا للخصومات والمنازعات ، وإبراء لذمة الأوصياء ، ولكي يكون اليتامى على بينة من أمرهم .

وقد ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن الإشهاد واجب عند تسليم اليتيم ماله ، لقوله تعالى : { فأشهدوا عليهم } . وهو أمر وظاهر الأمر أنه للوجوب ، وليس معنى الوجوب هنا أن الوصي يأثم إذا لم يشهد ، بل معناه أن الإشهاد لابد منه من براءة ذمته بأن يدفع لليتيم ماله أمام رجلين أو رجل وامرأتين حتى إذا دفع المال ولم يشهد ثم طالبه اليتيم فحينئذ يكون القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن الوصي لم يدفع إليه ماله .

ويرى الإمام أبو حنيفة أن الأمر في قوله تعالى : { فأشهدوا عليهم } . للندب وأن الوصي إذا ادعى ذلك يصدق ويكتفي في تصديقه بيمينه لأنه أمين لم تعرف خيانته إذ لو عرفت خيانته لعزل .

5- ختام الآية :

قال سبحانه :

{ فإذا دفعتم إليهم أمولهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } .

يعني أنكم قد تبرؤون أمام القضاء ولكن الله دقيق في حسابه لا تخفى عليه خافية فراقبوا الله قبل رقابة القضاء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} (6)

قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .

نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه . فقد توفي رفاعة وترك ابنه صغيرا من بعده فأتى عم ثابت إلى النبي ( ص ) وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت الآية{[695]} .

قوله : ( وابتلوا اليتامى ) أي امتحنوهم واختبروهم لتعلموا نجابتهم ومعرفتهم بالسعي في مصالحهم وضبط أموالهم ، ويكون ذلك عقب بلوغهم النكاح أي البلوغ أو الحلم .

قوله : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) الرشد معناه : الصلاح وإصابة الصواب ، وهو خلاف الغي والضلال والمراد به هنا : الصلاح في العقل والدين وحفظ المال{[696]} أي إن أبصرتم وأحسستم منهم صلاحا في العقل والدين وحفظ المال ولم تخشوا منهم تفريطا في المال وتبديدا فأعطوهم أموالهم التي كانت لهم بحوزتكم وتحت رعايتكم .

ويؤخذ من هذه الآية أن دفع المال لليتيم إنما يكون بشرطين هما : إيناس الرشد ثم البلوغ . فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه . وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء . لكن أبا حنيفة قد أسقط إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة . فإنه لو بلغ اليتيم خمسا وعشرين سنة وجب دفع المال إليه ولو لم يكن راشدا . وقد علّل أبو حنيفة ذلك بأنه ( الموصى عليه ) في مثل هذه السن يصبح جدا ولا يعقل أن يحجر على الجد . والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من بقاء الحجر عليه مادام غير راشد بالغا من السن ما بلغ . وذلك ما يقتضيه ظاهر الآية ( رشدا ) فلا معنى لدفع المال إليه ما دام مفرطا في المال ، وغير صالح في التصرف ؟

واختلف الفقهاء في لزوم الرفع إلى السلطان عند دفع المال إلى اليتيم أم أن ذلك موكول إلى اجتهاد الوصيّ فسه من غير حاجة إلى إبلاغ السلطان . فقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الرفع إلى السلطان ليثبت عنده رشد اليتيم ثم يدفع إليه ماله . وقال آخرون : إنه يكفي في ذلك اجتهاد الوصي ومعرفته بحال اليتيم إن كان قد بلغ الرشد أو لم يبلغ .

ولو أن الوصيّ سلّم اليتيم ماله بعد الرشد ثم عاد إليه السفه لتبذير أو سوء تدبير أو غيره فعل يعود إليه الحجر في ماله ؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه بعودة الحجر . وقال أبو حنيفة : لا يعود إليه الحجر لمجرد بلوغه عاقلا وذلك بدليل صحة إقراراه في الحدود والقصاص . واستبدال مالك والشافعي على عودة الحجر بقوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) وهذا هو الراجح والله أعلم{[697]} .

وقد ورد في بيان كلمة ( بالمعروف ) أقوال عديدة نقتصر منها على اثنين . فقال قوم : المقصود بالمعروف هو القرض يأخذه الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه حتى إذا أيسر قضه إياه . وهو قول كثير من أهل العلم منهم عمر بن الخطب وعبد الله بن عباس والأوزاعي وغيرهم . أما القول الثاني : فلا قضاء على الوصيّ الفقير فيما يأكل بالمعروف ؛ لأن ذلك في مقابل حرصه وانشغاله بالعناية والاهتمام بمال المحجور . وهي طعمة من الله له . وقدر المعروف هنا أن يأكل ما يسد جوعته ويكتسي بما يستر عورته ولا يلبس الرفيع الفاخر من الحلل وغير ذلك . وذلك هو قول جمهور الفقهاء . وهو الراجح ، والدليل على صحة ذلك إجماع الأمة على أن الإمام الناظر لشؤون المسلمين لا يجب عليه دين عوضا عما أكل بالمعروف من أموال المسلمين .

قوله : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) إذا دفع الوصيّ مال اليتيم إليه بعد البلوغ والرشد فعليه الإشهاد على ذلك وهو من قبيل التثبت وإزالة الشبهة والتهمة . وهذا الإشهاد مستحب عند فريق من أهل العلم . وقال آخرون : بل انه فرض لظاهر الآية والله أعلم .

والتعقيب المناسب في الآية أن يخوف الله عباده الأوصياء فلا يميلوا أو يقصروا ، فإنه سبحانه يجازيهم على أفعالهم أو ما تكنه صدورهم وكفى به محاسبا ومجازيا{[698]} .


[695]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 95.
[696]:- المصباح المنير جـ 1 ص 243 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 453 وتفسير النسفي جـ 1 ص 208 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 37-40.
[697]:- البدائع للكساني جـ 7 ص 171 والمجموع جـ 13 ص 377 والمغني جـ 4 ص 518 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 2 ص 140.
[698]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 502 وتفسير الرزي جـ 9 ص 197 -199.