{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلث وربع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة او ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا }
ألا تقسطوا : أي ألا تعدلوا من اقسط أي عدل وأما قسط فمعناه ظلم وجار قال تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا . ( الجن 15 ) .
في اليتامى : المراد اليتيمات .
ما طاب لكم : ما حل : أو مالت إليه أنفسكم .
مثنى وثلاث ورباع : أي اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا .
ألا تعولوا : ألا تجوروا وتظلموا .
3- { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } .
وإن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة ، فعليكم ألا تتزوجوا بها ، فإن الله جعل لكم مندوحة عن اليتامى ، بما أباحه لكم من التزويج بغيرهن واحدة أو اثنين أو ثلاثا أو أربعا ، إذا وثقتم بالقدرة على العدل ، ولكن إن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجين أو الزوجات فعليكم أن تلزموا واحدة فقط ، أو استمتعوا بما ملكت أيديكم من الإماء ، وإن زواج الواحدة أقرب إلى العدل ، وأبعد عن الظلم والجور .
سبب نزول الآية روى البخاري وغيره : " عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنه سألها عن هذه الآية فقالت : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في حاله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا ان ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن " الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير .
1- روى الطبري عن ابن عباس وعكرمة : أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل ، فإذا صار معدما مال على يتيمه الذي هو في حجره فأنفقه أو تزوج به ، فنهوا عن التزويج فوق الأربع .
2- وقال آخرون معنى الآية : فكما خفتم في اليتامى أن تجوروا عليهم فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهن ، ولكن انكحوا ما طاب منهن مثنى وثلاث ورباع ، إذا اطمأننتم إلى تحقيق العدل بينهن وإلا فاقتصروا على الواحدة .
3- وقال آخرون : وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء ، فلا تنكحوا منهن إلا مالا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع . وقد أجاز السيد رشيد رضا أن تكون الآراء السابقة كلها مقصودة للآية فقال : " وقد يصح ان يقال إنه يجوز أن يراد بالآية مجموع تلك المعاني ، من قبيل رأي الشافعية الذين يجيزون استعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجا زه معا " 10 .
ويقول الأستاذ الدكتور محمد بلتاجي :
" . . ومن هنا معنى الآية يتضمن أمرا إلى أولياء الفتيات اليتامى بالإقساط فيهن عند إرادة التزوج بهن ، ثم هو في نفس الوقت أمر إلى هؤلاء الأولياء بألا يسرفوا على أنفسهم بكثرة الزوجات ، فيحملهم ذلك على التعدي على أموال اليتامى ، الذين هم في رعايتهم وتحت وصايتهم وقد كان هذا وما سبقه موجودا عند نزول القرآن الكريم ثم هو أيضا أمر إلى المسلمين باتقاء الله تعالى في النساء ، وتجنب الزنا بهن لأن الله تعالى أباح التزوج منهن فلم يعد بالمسلم حاجة مقبولة إلى الزنا ، ثم هو في الوقت نفسه أمر المسلمين بوجوب اتقاء الله في العدل في النساء عند إرادة التزوج منهن والخشية من ظلمهن في ذلك . كما يخاف كل منهم ان يظلم اليتيم إذا كان تحت رعايته ، ثم إن الآية بعد كل هذا تشمل على إباحة تعدد الزوجات بشرط العدل " 11 .
1- قال بعض أئمة الشيعة والظاهرية : يجوز جمع تسع نساء حيث اعتبروا كلمات ( مثنى وثلاث ورباع ) معدولة عن اثنين وثلاث وأربع وجمعوا هذه الأرقام 2+3+4=9 وهو كلام مرفوض مخالف لما يفيده النص العربي البليغ فإن الطفل هو الذي إذا أراد يقول تسعة قال 2+3+4=9 أما القرآن فهو أبلغ أسلوب .
والعمل متواتر من العهد النبوي والخلفاء الراشدين بعدم جواز جمع أكثر من أربع في عصمة رجل في وقت واحد ، وهذا العمل مؤيد بالكتاب والسنة والإجماع وهو الحق الذي يجب الالتزام به والوقوف عنده12 .
الإسلام دين الوسط وهو شريعة الله العليم الخبير ، وقد كان العرب في بيئة ذاع فيها التفاخر بالأنساب ، والاعتزاز بكثرة الأبناء ، وإهمال شأن المرأة وهضم حقوقها ، فلم يقفوا في تعدد الزوجات عند حد .
" وقد سلك الإسلام طريقا وسطا هو إباحة التعدد إلى حد محدود13 لما في هذا من منافع لا بنبغي لمشرع ان يغض الطرف عنها ، ومنها :
1- أن طبيعة الرجل الجنسية قد تقوى فلا يقنع بامرأة واحدة فإذا سددنا عليه باب التعدد فتح لنفسه باب الزنا والمخالة الداعرة فتنتهك الأعراض وتضيع الأنساب ، وذلك شر عظيم ، وفي فتح باب التعدد تمهيد لكثرة النسل الذي تعتز به الأمة ، وإن دينا يحرم الزنا ويعاقب عليه أقسى العقوبات ، جدير به أن يفتح باب التعدد ، إشباعا للغريزة ودفعا للشر ، ورغبة في كثرة النسل الحلال .
2- وقد تكون المرأة عقيما لا تلد ، أو تصاب بما يمنعها من مزاولة الحياة الجنسية ، ويرى الزوج من الوفاء لها ألا يتخلى عنها في محنتها ، وألا يمنعها عطفه وانسه ورعايته ، أفليس من الحكمة أن نمكنه من هذا الوفاء ، بإباحة التزوج عليها حتى لا نلجئه إلى سلوك طريق آخر ؟ .
3- ولما كان الرجال أكثر من النساء تعرضا لأسباب الفناء كان عددهم أقل من عددهن وخاصة أعقاب الحروب فإذا لم نبح للرجل أن يعول بالزواج أكثر من واحدة كانت النساء عرضة للفاقة ، وللاتجار بالأعراض ، والعمل للتخلص من النسل فتقل الأيدي العاملة .
وليس بعجيب أن يكون عدد النساء في العالم أكثر من عدد الرجال ، وأن يباح للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة ، ضمانا لبقاء النوع فقد جرت عادة الخالق سبحانه أن يخلق من بذور النبات وبويضات الحيوان ملايين البذور والبويضات ضمانا لبقاء أنواعها ، ويكون استئثار المرأة بالرجل حينئذ أثرة ممقوتة ضارة بالجماعة14 .
ذهب بعض الناس إلى منع تعدد الزوجات مدعيا أن آيتين في سورة النساء ترشدان إلى ذلك .
الآية الأولى تقول : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ( النساء 3 ) .
والآية الثانية تقول : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . ( النساء 129 ) .
بل إنهم عند الاستشهاد بالآية 129 من سورة النساء هذه استشهدوا بالجزء الأول منها وهو ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم . وقالوا : إن التعدد ممنوع في القرآن لأن الآية رقم 3 من سورة النساء اشترطت العدل لإباحة التعدد .
والآية رقم 129 بينت أن العدل غير مستطاع حتى لمن حرص على تحقيقه بين النساء .
قال الأستاذ أحمد شاكر : ( وزاد الأمر وطم حتى سمعنا أن حكومة من الحكومات التي تنتسب للإسلام وضعت في بلادها قانونا منعت فيه تعدد الزوجات جملة بل صرحت تلك الحكومة بأن تعدد الزوجات عندهم صار حراما ولم يعرف رجال تلك الحكومة أنهم بهذا اللفظ الجرىء صاروا مرتدين خارجين من دين الإسلام بل إن احد الرجال الذين ابتلى الأزهر بانتسابهم إلى علمائه ، تجرأ مرة وكتب بالقول الصريح إن الإسلام يحرم تعدد الزوجات جرأة على الله وافتراء على دينه15 .
العلاقات الزوجية متداخلة ، منها ما هو مادي ، ومنها ما هو معنوي ، فالمحبة والهوى القلبي أمور معنوية لا يتحكم فيه الإنسان وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " 16
أما الأمور المادية مثل الأكل والنفقة والكسوة والمسكن وأشباهها فيمكن العدل فيها بين النساء . وهي التي عناها القرآن ، حين أرشد الرجال إلى العدل فيها ، وبين أن العدل في ميل القلب أمر غير مستطاع لأن القلوب متقلبة ، وما يسمى القلب قلبا إلا لأنه يتقلب ، ولان قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . فإذا اتبع الإنسان هوى قلبه ، مال إلى الزوجة التي يحبها وأعطاها حظوظا مادية زائدة وترك الأخرى تستمع بمثل هذه الحظوظ المادية . ولذلك وجه القرآن المسلم بأن يعدل في قسمته بين النساء في المسكن والمأكل والملبس ، وأمر بالتسوية بينهما ، ونهى عن محاباة المحبوبة ، وهجر ضرتها حتى تصير كالمرأة المعلقة وهي التي هجرها زوجها وتركها بدون طلاق فلا هي مطلقة تنتظر الأزواج ، ولا هي متزوجة زوجا يقر عينها ، ويحسن عشرتها ، ويوفي لها حقها ، ويعدل بينها وبين ضرتها أو ضرائرها ، في الامور المادية التي يمكن العدل فيها .
وقد روى الإمام احمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له امرأتان فمال إلى احدهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " 17 .
والمراد بالميل هنا الظلم في القسمة بين الزوجين ، وتفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والمسكن والملبس ، وهي التي عناها القرآن بقوله : { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالملعقة } . ( النساء 129 ) .
وفي ختام الآية فتح القرآن الباب أمام الأزواج ليحاولوا العدل ولينصفوا الزوجة الأخرى ويحسنوا إليها مراعاة لأمر الله واتقاء عقابه وحسابه ، فقال سبحانه : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } ( النساء : 129 ) .
قال الطبري شيخ المفسرين : وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس فتعدلوا في قسمتكم بين أزواجكم ، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف فإن الله كان غفورا رحيما يستر عليكم ما قد يكون سلف منكم في ذلك رحيما بكم يقبل توتكم فيه .
يقول الأستاذ رشيد رضا في موضوع : الإصلاح الإسلامي في تعدد الزوجات ما يأتي :
قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا } ( النساء 3 ) .
العول : الجور ، أي ذلك الاقتصار على امرأة واحدة أو ملك اليمين أقرب الوسائل لعدم وقوعكم في الجور والظلم المانع من تعدد الزوجات لمن خاف الوقوع فيه .
والآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجة محاباة لأخرى ، وتفضيلا لها عليها وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازما على هذا الظلم بان كان يريد أن يضارها لكرهه لها ، ثم قال في الآية 129 من سورة النساء أيضا { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } . فإذا قرنت هذه القضية بقضية { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } . أنتجتا وجوب الاقتصار على امرأة واحدة ولكنه قال بعدها : { فلا تميلوا كل الميل فتدورها كالملعقة } .
فعلم به ان غير المستطاع هو العدل في الحب وأثره من ميل النفس ، فيجب ضبط النفس في أثره ، وما يترتب عليه من المعاملة المستطاعة ، في النفقة والمبيت وغيرها ، وهو العدل المشروط في الأولى .
الأولى : أن الإسلام لم يوجب تعدد الزوجات ، ولم يندب إليه ، وإنما ذكره بما يدل على أنه يسلم فاعله من الظلم المحرم ، وحكمة هذا وفائدته أن يتروى فيه الرجل الذي تطالبه نفسه به ، ويحاسبها على قصده وعزمه ، وما يكون من مستقبل أمره في العدل الواجب .
الثانية : أنه لم يحرمه تحريما قطعيا لا هوادة فيه : لما في طبيعة الرجال وعاداتهم الراسخة بالوراثة في جميع العالم من عدم اقتصارهم في الغالب على التمتع بامرأة واحدة من حاجة بعضهم إلى النسل في حال عقم المرأة او كبرها أو علة أخرى مانعة من الحمل ومن كثرة النساء في بعض الأزمنة والأمكنة ولاسيما أعقاب الحرب بحيث تكون الألوف الكثيرة منهن ، أيامى لا يجدن رجالا يحصنوهن وينفقون عليهن مع وجود الأقوياء الأغنياء القادرين على إحصان امرأتين أو أكثر .
الثالثة : أنه لهذا وذلك تركه مباحا ، إلا انه قيده بالعدد فلا يتجاوز أربعة وبالقدرة على العدل والرغبة فيه ، وبهذه الشروط نتقي ضرره ونرجو خيره .
وقد رأينا وسمعنا بآذاننا من أهل عصرنا ، أن من المتدينين المتقين رجلا لم يرزق ولدا من زوجته الأولى ، فخطب زوجة ثانية رزق منها أولادا وعاش الجميع كعيشة الأخوات في حجر والدهن وقد كان هذا هو أكثر حال المسلمين ، في قرون الإسلام الأولى ، ولكنه قل في هذا الزمن بما طرأ على أكثر الشعوب الإسلامية من الجهل بالإسلام ، وبحكمه وآدابه في الزواج . وقد حمل شيخنا الأستاذ الإمام محمد عبده في سياق تفسيره للآية في الأزهر ، وحملة منكرة شديدة على هذه المفسدة في مصر ، وقرر أنه يستحيل تربية الأمة تربية صحيحة ، مع كثرة هذا التعدد الإفسادي ، الذي صار يجب منعه عملا بقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " الثابتة في الحديث18 وقاعدة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، وهي متفق عليها وقد نشرنا أنه أفتى فتوى غير رسمية بأن للحكومة منع التعدد لغير ضرورة مبيحة لا مفسدة فيها19 .
قام المستشار محمد الدجوي ببحث عن الحالة المدنية لمن تولى مشيخة الأزهر من سنة 1798 إلى سنة 1960 م .
وأسفر البحث عن أولئك المشايخ الأجلاء ، وعدتهم بضعة عشر شيخا ، لم يتزوج واحد منهم بزوجة ثانية بل اقتصروا على زوجة واحدة ، وذلك لانهم فهموا أحكام الدين ووعوا تعاليمه وتشربوا بروحه .
يرى الدكتور محمد عبد الله دراز أن أوروبا أباحت تعدد الخليلات والعشيقات ، ثم أباحت للإنسان أن يعترف بنسب أولاده من عشيقته ، فهم تفادوا اسم الزوجة فقط .
ولكن الإسلام حارب اتخاذ الأخدان والخليلات فقال سبحانه : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } . النساء 25 ) .
وقال عز شأنه : { محصنين غير مسافحين } ( النساء 24 ) .
ذهب فريق من العلماء إلى ان التعدد مباح لا يتوقف جوازه على شيء وراء أمن العدل وعدم الخوف من الجور والقدرة على القيام بواجبات الأسرة القديمة والجديدة ومن هؤلاء العلماء الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ، والأستاذ أحمد شاكر ، والأستاذ علي عبد الواحد وافي ، والدكتور محمد بلتاجي .
ومن العلماء من يرى أن الأصل في الزواج الاقتصار على زوجة واحدة تتحقق بها المودة والرحمة ، ويباح التعدد عند الضرورة مثل عقم الزوجة أو مرضها مرضا شديدا يمنعها من أداء وظيفتها ، ويمكن أن يفهم هذا الرأي من كلام الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا والشيخ محمد المدني .
ومن العلماء من يرى ان يكون تعدد الزوجات بإذن القاضي ، ومنهم من يرى ترك الناس إلى ضمائرهم ودينهم مع العناية بالتربية الدينية وإرشاد الناس إلى أدب الإسلام .
قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) .
سبب نزول هذه الآية أن عروة بن الزبير وهو ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق قد سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن{[687]} .
وعلى العموم فإن الآية من حيث سببها متعلقة بالخشية من الحيف يوقعه الوليّ على اليتيمة التي تكون في حجره فيما إذا رغب أن يتزوجها . فعليه إذ ذاك أن يعدل إلى من سواها من النساء تجنبا للظلم أن يقع على اليتيمة .
وقبل الحديث عن هذه الآية بالتفصيل فإنه ينبغي أن نعرض لحملة الحقد والتشويه المضلل التي يثيرها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان حول تعدد الزوجات . وهي حملة عارمة خبيثة يثيرها خصوم الإسلام من المنافقين والكافرين ، يستوي في ذلك أن الحافز إلى مثل هذه الحملة هو الحقد المركوز في تلك الصدور أو الجهل المطبق الذي يركب رؤوس كثير من المضللين والواهمين والمخدوعين .
على أن الحكم من الناحية الشرعية هنا أن نصم بالكفر أو الردّة كل من يتطاول على الإسلام بما يلصق به شيئا من عيب أو نقيصة . فإن الإسلام هو دين الله وهو فوق كل العيوب والشبهات ، وأكمل من أن تناله نقائص أو قوادح .
أما تعدد الزوجات فهو حقيقة صريحة لا تقبل المواربة أو التأويل المتكلف . وهو كذلك إجراء إسلامي ممتاز يحسب للأمور والأحداث والظروف كل حساب . وليس الإسلام قاصرا عل أمة معينة ولا هو رهن بفترة من الزمان تمر كأي زمان . ولكن الإسلام دين البشرية مهما ازدادت أو انتشرت وهو كذلك دين الزمان كله إلى أن ينتهي الزمان كله . وعلى ذلك فإنه قمين بالإسلام أن تتحقق فيه كل عناصر الحيطة والتحسب لكافة الأحوال والملابسات فردية كانت أم جماعية كيلا يقف عاجزا عن مراعاة الظروف مهما امتدت أو الفطرة كيفما تباينت أو تفاوتت .
والإسلام بطبيعته دين وسط يقوم على الاعتدال والتوازن ويجانب التفريط أو المغالاة . فهو لا يفرض الزواج من واحدة فقط مهما تكن الظروف ، وهو لا يدع أمر النكاح بغير ضبط أو تحفظ ، فلا تفريط يحمل بواعث الضيق والتنطع والإحراج ، ولا إفراط أو مغالاة تسوق إلى الإسراف في تلفت وتسيب . بل إن الإسلام يقف من هذه المسألة الخطيرة خير موقف وينتهج أسلم أسلوب . فهو يدعو إلى الزواج أولا ويحذر من التبتّل والعزوبة . فإن كانت الحال عل السلامة والوئام بحيث يغمرها الرضى والطمأنينة والقناعة فبها ونعمت . أما إن كان ثمة ظروف ملحة تفرض شيئا من التعدد تحت اعتبارات شتى فلا مناص إذ ذاك من اللجوء إلى التعدد . وتلكم هي الاعتبارات أو بعضها :
أولها : المرض العضال يصيب الزوجة فيقعدها عن الالتزام بمهام الزوجية وفي مقدمتها المسيس . ولا يستطيع الزوج في حالة كهذه أن يطل مضطلعا بمشقة الاصطبار إلى زمن طويل حتى إنه يخشى عليه من التورط في أسباب العنت والانزلاق إذا ما سدت في وجهه سبل الزواج من أخرى .
ثانيها : العقم فقد تكون المرأة عقيما لا تلد . وفي ذلك من المضايقة والحرج ما لا يخفى إلا إذا أبيح للزوج أن ينكح أخرى عسى أن يرزق النسل . والإنسان مفطور على حب النسل ، وهو تظل تخالطه نسائم الشوق والحنين لأبناء وأحفاد تقرّ بهم عينه وتطمئن لهم نفسه . وعلى ذلك فإن من أشد ألوان المرارة التي تحيق بالنفس البشرية أن تسأم التشريع الذي يحرم عليها سببا يقود إلى النسل .
ثالثها : الحرب . وتلك حقيقة لا شك في وقوعها بين الحين والآخر . ذلك أن البشرية دائمة التطاحن والاقتتال المدمر . والشعوب والدول إذا ما اختلفت فإنها لا تتردد في اللجوء إلى أقسى السبل لفض المشكلات والخلافات ، وهي الحرب . وهي سبيل معلومة في العود على البشرية والمجتمعات بالقتل . ولا ريب أن يكون القتل في الرجال من أبرز مظاهر الحرب . الحرب التي تذهب بالرجال وتستبقي النساء لأنهن لطبيعتهن أقل اضطلاعا بواجب القتال . وفي ذلك بيان واضح في اختلال النسبة بين الرجال والنساء من حيث العدد ، فلا مناص عندئذ من معالجة الموقف بغير التعدد في الزواج ، وإلا وقعت مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة لسوف تفضي في الغالب إلى مفاسد وانحرافات .
رابعها : التباين بين الأفراد من حيث المطلب الغريزي . بمعنى أن ثمة تفاوتا متحققا بين الرجال في الرغبة . والناس في أمور الحياة كلها متفاوتون ، فهم متفاوتون من حيث أخلاقهم وأمزجتهم ، و من حيث طاقاتهم ومهاراتهم و من حيث قدراتهم العقلية والنفسية والروحية والبدنية ’ ومن حيث رغائبهم في المال أو البنين أو الطعام . وهم كذلك متفاوتون من حيث رغائبهم في شهوة الجنس . إذ يفترقون في هذا المجال لتتراوح النفوس والرغبات بين الفتور أو الاعتدال أو الشدة . وتلك هي سنة الله في الناس والخلائق أجمعين .
ومن جهة أخر فإن الإسلام دين صريح ومستبين ، يخاطب الإنسان عل نحو مكشوف وواضح وبغير مواربة أو ازورار . ذلك أن الإسلام يعترف للإنسان بما ركّب فيه من شهوات مركوزة فهو ( الإسلام ) يدعوه للأخذ بحظه من هذه الشهوات بعيد عن التحيل أو التدسس في الظلام . إن الإسلام بذلك يدعو بكل صراحة لا تعرف المجاملة أو التكلف إلى أن يمارس الإنسان الشهوة بالطريقة المشروعة الحلال من خلال التعاقد المشهود عل ملأ من الناس . أما أن تكون ممارسة الشهوة في غياهب الظلام وفي بطون المواخير حيث التلصص والخيانة وموات الضمير فذلك ما يأباه الإسلام ويعلن عليه الحرب والنكير . نقول ذلك ونحن نقف على حقائق مذهلة من أفاعيل الأفاكين دعاة التحرر الذين يعيبون على الإسلام صراحته النظيفة في التعدد مع أنهم مرتكسون في حمأة الأوساخ والقاذورات التي تتلطخ بها بيوت الدعارة والخنا ومواخير الفاحشة والرذيلة . وهذه هي الصورة التي يرتضيها المفسدون دعاة التحرر ويدعون لتطبيقها خيانة في الظلام وممارسة الرذيلة في خسة مخبوءة في أوكار الوحل والدنس . أما أن يتم ذلك بالتعاقد المشروع المشهود من خلال نكاح شرعي حلال فإن ذلك أمر مشين ومقبوح يعيبه المفسدون دعاة التحرر المبتذل ! ! إن هؤلاء لا يعارضون أن يقارف الرجل الشهوة مع عشرات النساء في المواخير وبيوت الدعارة ، أم أن يمارسها في زواج ثان مشروع ومحسوب فذلك تأخر ورجعية كما يتصور الأفاكون المضللون ! !
ثم متى يقع الحيف على الزوجة الثانية الجائية من جراء التعدد في الزواج ؟ إنه لم يوقع أحد عليها حيفا ؛ لأنها ارتضت الزواج بنفسها من غير قسر أو إكراه . ولو أن شيئا من القسر أو الإكراه قد وقع عليها حين الزواج لجاز أن تعتبر محيفة لكنها هي التي ارتضت لنفسها ذلك بمحض رغبتها ومطلق إرادتها .
أما الزوجة الأولى التي قد جيء إليها بضرة فإنها ليس لها أن ترفض حقا لزوجها لتحرمه من التمتع به تحت مختلف الأحوال والظروف كما بينا آنفا . لكنها إن وقع عليها حيف بسبب هذا الزواج وكان الحيف حقيقيا وخطيرا ومتعمدا من الزوج نفسه بحيث يترتب عليها من ذلك ضرر كيفما كان ، فإن لها أن ترفع الأمر إل القضاء . وشأن القاضي في ذلك أن يرفع عنها الضرر حتى ولو أد ذلك إلى التطليق .
بعد هذا الكلام لا نتصور أن حيفا أو ضررا حقيقيا يقع على إحدى الزوجتين . ولو أن شيئا من ذلك وقع فإنه لا يساوي حيفا أو ضررا يحيق بالرجل من جرّاء إكراه على الاكتفاء بواحدة مهما تكن الظروف . لا جرم أن إكراهه في ذلك مدعاة لكثير من احتمالات الجنوح وفساد النفس والأعصاب .
ولا نتصور كذلك أن مثل هذه الشبهة غير اجترار تلغط به حناجر الذين يكرهون الإسلام لدوافع شتى منها الحقد أو الحسد ، ومنها التقليد في نعيق سفيه أعمى للأجانب من شرقيين ملاحدة أو غربيين صليبيين واستعماريين وجميعهم يلتقون على صعيد الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين .
قوله : ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء ) قد يرض سؤال هنا : كيف جاءت " ما " للادميين مع أنها تستعمل لغير العاقل . فقد قيل في ذلك عدة أقوال لعل خيرها أن " من " و " ما " قد يتعاقبان . ومثل ذلك قول الله سبحانه : ( والسماء وما بناها ) أي ومن بناها . وقوله أيضا : ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي عل رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) . وعلى ذلك فإن هذين الاسمين يتعاقبان وقيل : ( ما ) هنا للصفة أي انكحوا الطيب من النساء أي الحلال والأمر في قوله : ( فأنكحوا ) للإباحة لا للوجوب على الأرجح . أي أن الله جلت قدرته قد أباح للمؤمنين الزواج ممن يحل من النساء . فقد اكتفى بذكر من يجوز نكاحها ؛ لأن المحرمات من النساء كثير .
قوله : ( مثنى وثلاث ورباع ) إعراب كل من هذه الأعداد النصب على البدل من الاسم الموصول " ما " وكل من هذه الأعداد نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة من لفظها . بمعنى أم مثنى معدولة عن اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ، ورباع معدولة عن أربعة . {[688]} وتعني الآية إباحة التعدد بالخيار من الواحدة حتى الرابعة دون زيادة . وأي زواج من خامسة مع وجود أربع زوجات فهو باطل غير معتبر ولا مشروع . ولا يدل هذا العدد الوارد في الآية وهو المثنى والثلاث والرباع على إباحة تسع زوجات بزعم أن الواو تفيد الجمع . فإن هذا الفهم فاسد ؛ لمجانبته للظاهر المحكم من الكتاب والسنة ولمخالفته لما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها مثلما هو مخالف للسان العرب . فالعرب لا تقول اثنين وثلاث وأربعة بدلا من قولها تسعة . وثمة فهم خر أشد قبحا ونكرا تمسك به بعض الروافض فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة زوجة قائلين : إن العدد في هذه الألفاظ يفيد التكرار وأن الواو للجمع . فمثن تعني اثنين اثنين . وثلاث تعني ثلاثة ثلاثة . فأفاد ذلك إباحة الزواج من ثماني عشرة زوجة معا . وذلك مناف للشريعة واللغة في آن واحد .
وعلى ذلك فإن التحديد بأربع زوجات للإباحة أمر لا يقبل الجدال . وفي ذلك قد أخرج الإمام مالك في الموطأ وكذلك النسائي والدارقطني في سننهما أن النبي ( ص ) قال لغيلان بن أمية الثقفي بعد أن أسلم وله من الزوجات عشر نسوة : " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " .
وأخرج أبو داود في سننه عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فقال : " اختر منهن أربعا " .
أما ما أبيح للنبي ( ص ) فوق أربع فإن ذلك من خصوصياته وذلك أمر مبني على بواعث وأسباب فرضتها اعتبارات شتى من التشريع الذي يتعلق بهدم لمفاهيم وتصورات جاهلية ، أو التحبب لمختلف بطون العرب ورجالاتهم ذوي الصولة والمكانة ، أو الحدب على المضيعات من النساء المسلمات اللواتي انقطعت بهن الأسباب بعد ممات أزواجهن فتعرضن للفتنة والضياع وغير ذلك من الاعتبارات التي تحركها المصلحة العليا للدعوة الإسلامية .
وبذلك فإن الاحتجاج بزواج النبي من تسع لا يصلح دليلا في هذا المجال . أما قولهم بأن الواو جامعة فإن ذلك مخالف لقواعد اللسان العربي السليم . فالله سبحانه قد خاطب العرب بأفصح اللغات ولا يعقل أن تقول العرب اثنين وثلاثة وأربعة ولا تقول تسعة . والصحيح أن الواو في هذا الموضع تعني البدل فيكون المعنى : انكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث .
وكذلك قولهم بأن العدل يفيد التكرار تنفيه أبسط أساليب اللغة . فالعرب لا تقول أربعة ستة ثمانية بدلا من قولها ثماني عشرة .
وقوله : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) واحدة منصوب بإضمار فعل تقديره : انكحوا واحدة . ذلك يعني أنكم إن خشيتم عدم العدل بين الزوجات من حيث النفقة والقسم والعشرة والجماع ( فواحدة ) أي ينبغي الوقوف عند واحدة دون غيرها ؛ كيلا يكون في التعدد حيف أو مجانبة للعدل . وقرئت واحدة بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : فهي واحدة . {[689]}
وقوله : ( أو ما ملكت أيمناكم ) يريد بذلك الإماء . أي يجب الاكتفاء بواحدة أو ما تيسر من الإماء وهن ملك اليمين . ويجدر بنا أن نقف هنا وقفة لنبيّن مسألة ظالما خاض فيها المبطلون والجاحدون ليثيروا حول الإسلام الظنون والشبهات ، وليبعثوا في نفوس المسلمين كل ظواهر الشك والوهن .
أما الإماء أو ملك اليمين أو الجواري فإن ذلك كله ناشئ عن موضوع رئيس قد استغله الخصوم أبشع استغلال وذلك هو نظام الرق . ومن الحقيقة المغمورة التي تخف على كثير من الناس أن الإسلام قد عالج مسألة الرقيق على خير ما يكون عليه العلاج ، عل نحو يستأصل هذا النظام من أساسه لو قدر للإسلام أن يظل مهيمنا على الحياة ومؤثرا في المجتمع من غير إعاقة ولا تعثير .
وحقيقة المسألة أن نظام الرق كان متفشيا في العالم كله في غير ما غرابة أو استقباح . فقد كان من الأمور العادية تماما أن ينتشر الرقيق والإماء في كل مكان ، سواء كان ذلك في البيت أو الحقل أو دوائر الدولة . حتى يمكن القول بأن هذا النظام كان يمثل الدعامة الأساسية التي يستند إليها النظام الاقتصادي والاجتماعي لدى المجتمعات في الأزمنة الخالية . لقد كان نظام الرق مشروعا ومعتبرا لدى جميع النظم والشرائع والأديان التي سبقت الإسلام . فلم تنكره التوراة ولا الإنجيل ولا شريعة حمورابي ولا مذهب كونفوشيوس ولا فلسفة الإغريق وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون لم يستنكر هؤلاء نظام الرقيق ، بل العكس هو الذي كان واقعا . فلقد كان نظام الرقيق يحظى بتقدير وإقرار العلماء والفلاسفة والمشرعين في الأزمنة الخالية جميعها . وهنا يأتي دور الإسلام في المسألة . فقد جيء بالإسلام إلى هذه الدنيا وهي على حالها من تفشي ظاهرة العبيد في كل مجالات الحياة . ومن العسير البالغ أن يعمد الإسلام لتحريم الرق طفرة واحدة من غير توطئة ولا مقدمات . ولو عمد الإسلام لهذا التحريم أول مقدمه لكان في ذلك مدعاة لانهيار اجتماعي ونفسي مرير لا يطاق . لكن الإسلام وهو يعالج مسألة الرق قد سلك في ذلك سبيلين يؤديان إلى زوال هذا النظام بالكامل ثم الخلاص نهائيا من الرق وما يتعلق به من توابع وذيول .
وهي تبديد أسباب الرق للقضاء على كل مظاهره ووجوده . وفي ذلك استئصال لمنابع هذا النظام من جذوره بإبادة كل مقدماته ودواعيه التي تؤول إليه . يتبين ذلك في تحريم أسباب الرق كتحريم الإسلام للظلم والاستعباد بغير حق أو إيجاب الانتظار من الدائن للمدين حتى المسيرة فلا يسترقه مقابل دينه الذي يعجز عن أدائه . قال سبحانه : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إل ميسرة ) . وكان من عادة العرب الجاهلين إذا استقرض منهم الفقير مالا ولم يستطع أن يؤديه عند حلول أجله ، استرقه الدائن في مقابل دينه . لكن ذلك في الإسلام محظور البتة وعلى الدائن أن ينتظر حتى ميسرة المدين .
وعلى هذا فإن نظام الرق لا يلبث أن يتبدد ويتلاش مع مرور الزمن مادامت أسبابه وبواعثه قد أوقفت ، أو مادامت أبوابه التي تؤدي إليه قد أوصدت ، نتصور ذلك ونحن نتخيل نهرا كبيرا جاريا له روافد عديدة تمده بالأمواه من كل مكان حتى إذا تلاقت جميعا تمخضت عن نهر كبير جار . ولا سبيل إلى تجفيف هذا النهر الكبير إلا إذا عولنا عل تجفيف روافده وأسبابه . وتلك هي الحال بالنسبة للرق الذي كانت له دواع ومؤديات كثيرة قد عمد الإسلام من أول يوم لإيقافها وتحريمها كيما يتسنى لهذا النظام أن يتلاش ويضمحل .
وهي التحرير أي تحرير الرقاب المسترقة من إسار العبودية إلى حيث الانعتاق والحرية . وللإسلام في ذلك دوره العظيم فيما يتعلق بتحرير الرقيق نهائيا . وقد تجلى ذلك في دعوة الإسلام من أجل إعتاق العبيد حتى أقبل المسلمون جميعا في همة عظيمة ونخوة لا يحدها حد من أجل إعتاق العبيد لا لمطمع مادي أو دنيوي بل ابتغاء وجه الله ومرضاته .
وقد شرع الإسلام من أجل ذلك حكمين . أحدهما يفيد الوجوب المفروض وثانيهما يفيد المندوب المستحب ، وفي كلا الحكمين يكون المعتق مأجورا و له من ربه كبير المثوبة . أما حكم الوجوب المفروض فهو منتشر في جوانب شتى من السلوك والتصرفات التي تتعلق بمخالفات يرتكبها الناس في حياتهم كلما زلوا أو أخطأوا .
ومن جملة ذلك القتل الخطأ والحنث باليمين والظهار والجماع حال الصيام وغير ذلك من المخالفات . فإن من يجترح شيئا من ذلك فقد بات لزاما عليه أن يعتق رقبة .
أما حكم المندوب المستحب فهو ينتشر في كل جوانب الحياة بغير حدود . وهو حكم لا يتجاوز حد الندب والاستحباب وقد أهاب الإسلام بالمسلمين جميعا أن يسخوا في همة وتضحية في العتق . لقد هتف الإسلام بالمسلمين هتافا حانيا مؤثرا يخاطب الحس والوجدان ، وينفذ إلى القلب في صميمه كيما يسارعوا في نخوة عارمة لا تتردد من أجل تحرير العبيد . وقد استجاب المسلمون في مختلف الأزمنة والأمكنة لنداء الإسلام بالتحرير حتى كان الناس يتسابقون في سخاء وشهامة رفيعة على الإعتاق عن طيب خاطر . فكانت ظاهرة العتق للعبيد مثار اهتمام المسلمين واستباقهم المتزاحم على التحرير .
بمثل هذا التشريع يتبدد نظام الرق ويذوي ليتلاش رويدا رويدا . وتبعا لذلك فلسوف تنتهي مسألة الإماء أو الجواري . وهي مسألة لصيقة بنظام الرق أصلا . وليس بعد ذلك لمتحذلق مغرض أن يطعن في الإسلام طعنا يصمه بالكفر أو الردة ولا يجترئ على مثل هذا الطعن الغادر إلا معتد خصيم أو جاهل يلغط في نعيق كنعيق الغربان .
إن الإسلام فوق كل شبهة ، وهو يسمو على الطعون لو قدّر لبني ادم أن يقفوا عل هذا الدين في تشريعه وتصوره وفكره . وأن يعوه في تدبر وتبصر بعيدا عن التعصب والحقد والجهل .
وقوله : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) تعولوا من العول وهو الميل والجور والمعنى : أن الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت أيمانكم أقرب إلى أن لا تميلوا عن الحق والعدل فتحيفوا وتظلموا . نقول : عال الميزان عولا إذا مال . وعال الحاكم في حكمه إذا جار . وقيل : تعولوا من العيلة وهي الفقر . مصدر عال يعيل فهو عائل أي فقير ، والجمع عالة . وقال الإمام الشافعي في تأويل ( ألا تعولوا ) : ألا تكثر عيالكم{[690]} .