{ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }
وآتوا : الإتيان الإعطاء والمناولة أو الالتزام .
صدقاتهن : جمع صدقة بضم الدال ، وهو المهر .
نحلة : أي عطية من غير عوض من نحله ينحله نحلة .
هنيئا : أي سائغا من هنأه الطعام يهنئه أي ساغ له .
مريئا : أي سائغا : الهنئ ما يلذ للأكل : والمرئ ما سهل هضمه وحسنت عاقبته ، والمراد أنه لا تبعة ولا عقاب عليه ، أي حلالا طيبا .
4- { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .
هناك حقوق للمرأة على زوجها ، وحقوق للرجل على زوجته ، فمن حقوق المرأة ، المهر وهو الصداق ، والنفقة والعشرة بالمعروف .
ومن حقوق الزوج الطاعة أو القوامة ، والأمانة او المحافظة على المال والعرض وحسن العشرة أيضا .
والآية تأمر الأزواج بإعطاء النساء مهورهن عن طيب خاطر ، فإذا طابت نفس المرأة وتنازلت لزوجها عن شيء من صداقها فلا مانع من أخذه والانتفاع به .
وعلاقة الآية بالحديث عن اليتامى أنها ، استطراد في بيان حق المرأة ، وسواء أكانت يتيمة أو غير يتيمة ، واحدة أو أكثر فيجب أن تأخذ حقها في الصداق .
والصداق دليل المصادقة ، وتحمل المسئولية وآية المودة وتوثيق عرى الصلة بين الزوجين كي تدوم الألفة وتعظم المحبة .
والصداق ليس شراء للمرأة ، فمعنى قول الإنسان لفتاة هل ترضين أن تكوني زوجتي ؟ أي هل ترضين أن نكون شركة أكون أنا مديرها والمسئول عنها ؟ فتقول له جدا أو مزاحا ؟ أو هل أنت صادق في عرضك ؟ .
فالصداق دليل مادي على تحمل المسئولية .
ثم اتبع القرآن ذلك بقوله : " نحلة " أي عطية عن طيب نفس وصدق رغبة بدون مقابل أو عوض .
وأهل اللغة يقولون إن النحل بدون مقابل :
وبعض الفقهاء يقولون : إن الصداق ثمن البضع ، ونقول لهم : لو أني اشتريته يا فقهاء لكنت أستطيع بيعه لأخر ، ثم إن الله سمى المهر صداقا وجعله نحلة أي هبة وهدية بدون عوض .
لكن القرآن يقول : { فما استمعتم به منهن فآتهن أجورهن } . ( النساء 24 ) .
بعد أن سماه القرآن صداقا ونحلة جعله فريضة فرضها الله ، وألزمنا بها كما يلزم الإنسان أجر العامل .
فالزوجة قد استمتعت بزوجها كما استمتع هو بها ، لكن لما كانت المسألة ليست جزاء الاستمتاع المادي ، بل هي حق فرضه الله للمرأة ، لأنها قبلت أن تنتقل من بيت أسرتها إلى بيت زوجها ، وقبلت أن يكون لزوجها القوامة عليها ، وقبلت أن يكون لزوجها الرئاسة والطاعة ، لهذا فرض الله لها النفقة والصداق وجعل ذلك فريضة لازمة ، كما يلزم الإنسان أن يعطي الأجر لمن عمل له عملا ، قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } . ( النساء 34 ) .
{ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .
والضمير يعود على المهر أي إذا طابت نفوسهن ورضيت عن طيب خاطر ورغبة صادقة أن تتنازل إحداهن لزوجها عن شيء من صداقها ، قد أباح الله له أخذه والانتفاع به . وأحل له التصرف فيه حلالا طيبا .
ومن دقائق اللغة ، أن القرآن قال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } ولم يقل عقلا لأن الرجل قد يحتال على المرأة حتى تهب له شيئا من الصداق ، أو يلوح لها بالزواج فتترضاه بشيء من الصداق وتتنازل له بحكم عقلها ، ولكنه تنازل ظاهري .
يقول الحكيم الترمذي : أي أن عقلها يوازي الأمور ، ويفضل التضحية بالمال لترضية زوجها ، فهي شكلية لا حقيقة .
ولذلكم فإن القرآن قال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } 20 .
وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية :
وفي الآية دليل على ضيق المسالك في ذلك ، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن إعلاما بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر .
والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ، وتجافت عنه نفوسهن طيبات ، لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم ، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم ، وسوء معاشرتكم ، فكلوه هنيئا مريئا .
الخطاب في الآية للزواج ، لأن الضمائر في الآية السابقة لهم ، وبعض المفسرين يرى أن الخطاب في هذه الآية للأولياء ، فقد كان الولي في الجاهلية يزوج ابنته وأخته ، ويأخد الصداق لنفسه ، فأنزل الله الآية لمنع ذلك ولا مانع من ان يجعل الخطاب عاما للمسلمين ، فيشمل الأزواج والاولياء ، فالزوج مطالب بإعطاء المرأة صداقها ، والولي مطالب بدفعه لها بعد تسلمه من الزوج ، وللزوجة كامل الحق في التصرف في المهر بعد ذلك .
من الأحكام التي تؤخذ من الآية :
1- لابد في النكاح من صداق يعطى للمرأة قال القرطبي : هو مجمع عليه ولا خلاف فيه .
2- الصداق ملك المرأة ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت .
3- يجوز للمرأة أن تعطي زوجها برضاها واختيارها مهرها أو جزء سواء أكان مقبوضا معينا ، أم كان في الذمة ويشمل الإبراء الهبة .
ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع فيما أعطت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها .
قوله تعالى : ( وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) .
الصدقات مفردها صدُقة بضم الدال ، وهي المهر يعطي للمرأة حال الزواج ، {[691]} ونحلة بمعنى عطية أي أن الله هو الذي أعطى النساء مهورهن . وقيل : نحلة معناها عن طيب نفس وبغير نزاع . وقيل : نحلة تعني : فريضة واجبة . {[692]}
والمخاطب في هذه الآية موضع خلاف المفسرين . فثمة قول بأنهم الأزواج قد أمرهم الله بعطاء الزوجات مهورهن دون تردد أو شح . وفي قوله آخر : إنهم الأولياء وقد كلفهم الله ألا يأكلوا مهور البنات عند الزواج كالذي كان عليه الشأن في الجاهلية ، وقد أورد أهل البيان معنى لطيفا مأخوذا من نوعية الحروف التي تتألف منها كلمة الصداق وهي الصاد والدال والقاف . وقالوا : إن هذه الحروف تنطوي على الشدة والحزم وهي إنما يليق استعمالها في مجال العزم والقوة . وفي ذلك دلالة على أن مهر المرأة قد شددت الشريعة عل دفعه للمرأة بحزم من غير وناء أو لين . وتدل الآية على وجوب الصداق للمرأة عند الزواج بغير خلاف . فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقل المهر عشرة دراهم . وقال الإمام مالك : إن أقله ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال آخرون : إنه يصح أن يكون المهر عملا يؤديه الزوج لزوجته كأن يكون ذلك تعليما أو زراعة أرض . ويصح أن يكون المهر كذلك منفعة من المنافع التي تتقوم بالمال مثل سكنى الدار أو الانتفاع بالأرض .
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا حد لأقل المهر ، وقالوا : إن كل ما يصلح أن يسمى مالا جاز أن يكون مهرا لقول النبي ( ص ) لأحد الخاطبين : " التمس ولو خاتما من حديد " {[693]} .
ويحل للأزواج أو الأولياء أن يأكلوا شيئا من المهر إن طابت به أنفس الزوجات وقدمنه بغير قسر أو إكراه أو استحياء . وقوله ( نفسا ) ، منصوب على التمييز .
وقوله : ( فكلوا هنيئا مريئا= ليس المقصود هنا صورة الأكل بالذات ، بل المراد هو استباحة الاستفادة والاستغلال بأي وجه من وجوه الانتفاع . وقد ذكر الأكل لوقوعه في الغالب .
( هنيئا مريئا ) كلاهما منصوب على الحال . والتقدير هو : فكلوه أكلاه هنيئا مريئا . والهنيء معناه الطيب الذي لم يأت بتعب أو مشقة . والمرئي السهل الذي لا ضرر فيه ولا أذى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.