تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا} (4)

{ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }

المفردات :

وآتوا : الإتيان الإعطاء والمناولة أو الالتزام .

صدقاتهن : جمع صدقة بضم الدال ، وهو المهر .

نحلة : أي عطية من غير عوض من نحله ينحله نحلة .

هنيئا : أي سائغا من هنأه الطعام يهنئه أي ساغ له .

مريئا : أي سائغا : الهنئ ما يلذ للأكل : والمرئ ما سهل هضمه وحسنت عاقبته ، والمراد أنه لا تبعة ولا عقاب عليه ، أي حلالا طيبا .

التفسير :

4- { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .

هناك حقوق للمرأة على زوجها ، وحقوق للرجل على زوجته ، فمن حقوق المرأة ، المهر وهو الصداق ، والنفقة والعشرة بالمعروف .

ومن حقوق الزوج الطاعة أو القوامة ، والأمانة او المحافظة على المال والعرض وحسن العشرة أيضا .

والآية تأمر الأزواج بإعطاء النساء مهورهن عن طيب خاطر ، فإذا طابت نفس المرأة وتنازلت لزوجها عن شيء من صداقها فلا مانع من أخذه والانتفاع به .

وعلاقة الآية بالحديث عن اليتامى أنها ، استطراد في بيان حق المرأة ، وسواء أكانت يتيمة أو غير يتيمة ، واحدة أو أكثر فيجب أن تأخذ حقها في الصداق .

والصداق دليل المصادقة ، وتحمل المسئولية وآية المودة وتوثيق عرى الصلة بين الزوجين كي تدوم الألفة وتعظم المحبة .

والصداق ليس شراء للمرأة ، فمعنى قول الإنسان لفتاة هل ترضين أن تكوني زوجتي ؟ أي هل ترضين أن نكون شركة أكون أنا مديرها والمسئول عنها ؟ فتقول له جدا أو مزاحا ؟ أو هل أنت صادق في عرضك ؟ .

فالصداق دليل مادي على تحمل المسئولية .

ثم اتبع القرآن ذلك بقوله : " نحلة " أي عطية عن طيب نفس وصدق رغبة بدون مقابل أو عوض .

وأهل اللغة يقولون إن النحل بدون مقابل :

وبعض الفقهاء يقولون : إن الصداق ثمن البضع ، ونقول لهم : لو أني اشتريته يا فقهاء لكنت أستطيع بيعه لأخر ، ثم إن الله سمى المهر صداقا وجعله نحلة أي هبة وهدية بدون عوض .

لكن القرآن يقول : { فما استمعتم به منهن فآتهن أجورهن } . ( النساء 24 ) .

بعد أن سماه القرآن صداقا ونحلة جعله فريضة فرضها الله ، وألزمنا بها كما يلزم الإنسان أجر العامل .

فالزوجة قد استمتعت بزوجها كما استمتع هو بها ، لكن لما كانت المسألة ليست جزاء الاستمتاع المادي ، بل هي حق فرضه الله للمرأة ، لأنها قبلت أن تنتقل من بيت أسرتها إلى بيت زوجها ، وقبلت أن يكون لزوجها القوامة عليها ، وقبلت أن يكون لزوجها الرئاسة والطاعة ، لهذا فرض الله لها النفقة والصداق وجعل ذلك فريضة لازمة ، كما يلزم الإنسان أن يعطي الأجر لمن عمل له عملا ، قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } . ( النساء 34 ) .

{ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .

والضمير يعود على المهر أي إذا طابت نفوسهن ورضيت عن طيب خاطر ورغبة صادقة أن تتنازل إحداهن لزوجها عن شيء من صداقها ، قد أباح الله له أخذه والانتفاع به . وأحل له التصرف فيه حلالا طيبا .

ومن دقائق اللغة ، أن القرآن قال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } ولم يقل عقلا لأن الرجل قد يحتال على المرأة حتى تهب له شيئا من الصداق ، أو يلوح لها بالزواج فتترضاه بشيء من الصداق وتتنازل له بحكم عقلها ، ولكنه تنازل ظاهري .

يقول الحكيم الترمذي : أي أن عقلها يوازي الأمور ، ويفضل التضحية بالمال لترضية زوجها ، فهي شكلية لا حقيقة .

ولذلكم فإن القرآن قال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } 20 .

وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية :

وفي الآية دليل على ضيق المسالك في ذلك ، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن إعلاما بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر .

والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ، وتجافت عنه نفوسهن طيبات ، لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم ، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم ، وسوء معاشرتكم ، فكلوه هنيئا مريئا .

الخطاب في الآية :

الخطاب في الآية للزواج ، لأن الضمائر في الآية السابقة لهم ، وبعض المفسرين يرى أن الخطاب في هذه الآية للأولياء ، فقد كان الولي في الجاهلية يزوج ابنته وأخته ، ويأخد الصداق لنفسه ، فأنزل الله الآية لمنع ذلك ولا مانع من ان يجعل الخطاب عاما للمسلمين ، فيشمل الأزواج والاولياء ، فالزوج مطالب بإعطاء المرأة صداقها ، والولي مطالب بدفعه لها بعد تسلمه من الزوج ، وللزوجة كامل الحق في التصرف في المهر بعد ذلك .

من الأحكام التي تؤخذ من الآية :

1- لابد في النكاح من صداق يعطى للمرأة قال القرطبي : هو مجمع عليه ولا خلاف فيه .

2- الصداق ملك المرأة ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت .

3- يجوز للمرأة أن تعطي زوجها برضاها واختيارها مهرها أو جزء سواء أكان مقبوضا معينا ، أم كان في الذمة ويشمل الإبراء الهبة .

ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع فيما أعطت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا} (4)

قوله تعالى : ( وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) .

الصدقات مفردها صدُقة بضم الدال ، وهي المهر يعطي للمرأة حال الزواج ، {[691]} ونحلة بمعنى عطية أي أن الله هو الذي أعطى النساء مهورهن . وقيل : نحلة معناها عن طيب نفس وبغير نزاع . وقيل : نحلة تعني : فريضة واجبة . {[692]}

والمخاطب في هذه الآية موضع خلاف المفسرين . فثمة قول بأنهم الأزواج قد أمرهم الله بعطاء الزوجات مهورهن دون تردد أو شح . وفي قوله آخر : إنهم الأولياء وقد كلفهم الله ألا يأكلوا مهور البنات عند الزواج كالذي كان عليه الشأن في الجاهلية ، وقد أورد أهل البيان معنى لطيفا مأخوذا من نوعية الحروف التي تتألف منها كلمة الصداق وهي الصاد والدال والقاف . وقالوا : إن هذه الحروف تنطوي على الشدة والحزم وهي إنما يليق استعمالها في مجال العزم والقوة . وفي ذلك دلالة على أن مهر المرأة قد شددت الشريعة عل دفعه للمرأة بحزم من غير وناء أو لين . وتدل الآية على وجوب الصداق للمرأة عند الزواج بغير خلاف . فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقل المهر عشرة دراهم . وقال الإمام مالك : إن أقله ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال آخرون : إنه يصح أن يكون المهر عملا يؤديه الزوج لزوجته كأن يكون ذلك تعليما أو زراعة أرض . ويصح أن يكون المهر كذلك منفعة من المنافع التي تتقوم بالمال مثل سكنى الدار أو الانتفاع بالأرض .

وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا حد لأقل المهر ، وقالوا : إن كل ما يصلح أن يسمى مالا جاز أن يكون مهرا لقول النبي ( ص ) لأحد الخاطبين : " التمس ولو خاتما من حديد " {[693]} .

ويحل للأزواج أو الأولياء أن يأكلوا شيئا من المهر إن طابت به أنفس الزوجات وقدمنه بغير قسر أو إكراه أو استحياء . وقوله ( نفسا ) ، منصوب على التمييز .

وقوله : ( فكلوا هنيئا مريئا= ليس المقصود هنا صورة الأكل بالذات ، بل المراد هو استباحة الاستفادة والاستغلال بأي وجه من وجوه الانتفاع . وقد ذكر الأكل لوقوعه في الغالب .

( هنيئا مريئا ) كلاهما منصوب على الحال . والتقدير هو : فكلوه أكلاه هنيئا مريئا . والهنيء معناه الطيب الذي لم يأت بتعب أو مشقة . والمرئي السهل الذي لا ضرر فيه ولا أذى .


[691]:- مختار الصحاح ص 359.
[692]:- المصباح المنير جـ 2 ص 263 وتفسير الرازي جـ 9 ص 186.
[693]:- بداية المجتهد جـ 2 ص 18 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 24 وما بعدها والثمر الداني ص 436.