تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

{ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ، فاسئلوا الله من فضله ، إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }

المفردات :

التمني : تشهى حصول الزمر المرغوب فيه ، وحديث النفس بما يكون وما لا يكون .

من فضله : أي : إحسانه ونعمه المتكاثرة .

تمهيد :

بعد أن نهى سبحانه عن أكل الأموال بالباطل ، وعن القتل ، وتوعد فاعلهما بالويل والثبور ، وهما من أفعال الجوارح ؛ ليصير الظاهر طاهرا من المعاصي الوخيمة العاقبة- نهى عن التمني ، وهو التعرض لها بالقلب حسدا ؛ لتطهر أعمالهم الباطنة فيكون الباطل موافقا للظاهر ، ولأن التمني قد يجر إلى الأكل ، والأكل قد يقود إلى القتل ، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

التفسير :

32- وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ . أي : إن الله كلف كلا من الرجال والنساء أعمالا فما كان خاصا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء ، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من اجرة لا يشاركهن فيه الرجال وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر وقد أراد الله أن يختص النساء بأعمال البيوت ، والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ؛ ليتقن كل منهما عمله ، ويقوم بما يجب عليه مع الإخلاص .

وعلى كل منهما أن يسأل ربه الإعانة والقوة على ما نيط به من عمل ، ولا يجوز أن يتمنى ما نيط بالآخر ، ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالعقل والجمال ؛ إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها ، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية ؛ إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخرون ويتمنوا لأنفسهم مثله أو خيرا منه بالسعي والجد .

والخلاصة : أنه تعالى طلب إلينا أن نوجه الأنظار إلى ما يقع تحت كسبنا ، ولا نوجهها إلى ما ليس في استطاعتنا ، فإنما الفضل بالأعمال الكسبية ، فلا تتمنوا شيئا بغير كسبكم وعملكم .

فعلى المسلم أن يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه ، بالجد والاجتهاد مع رجاء فضل الله فيما لا يصل إليه كسبه إما للجهل به وإما للعجز عنه فالزارع يجتهد في زراعته ويتبع السنن والأسباب التي سنها الله لعمله ، ويسأل الله أن يمنع الآفات والجوائح عنه ويرفع أثمان غلاته إلى نحو أولئك مما هو بيد الله .

روى عكرمة : أن النساء سألن الجهاد فقلن : وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال ؛ فنزلت : وسئلوا الله من فضله . أي : لا تتمنوا نصيب غيركم ، ولا تحسدوا من فضل الله عليكم واسألوا الله من إحسانه وإنعامه ؛ فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ ، روى أنه صلى الله عليه وسلم قال : '' سلوا الله من فضله ؛ فالله يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج'' .

إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا . وبذا فضل بعض الناس على بعض بحسب مراتب استعدادهم ، وتفاوت اجتهادهم في معترك الحياة ، ولا يزال العاملون يستزيدونه ولا يزال ينزل عليهم من جوده وكرمه ما يفضلون به القاعدين الكسالى حتى بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدا بعيدا ، وكاد التفاوت بين الشعوب أن يكون أبعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الإنسان .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ) .

التمني كما عرفه الرازي على أنه عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . وقال القرطبي : التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي . والتمني المتعلق بأمور الدنيا ومصالحها وحطامها مذموم لما في ذلك من إشغال للقلب وإرهاق للأعصاب ، ولما في ذلك من دوام المراودة للنفس كيما تظل مشهودة ولاهية عن غايات سامية عليا يصبو إليها المؤمن . ولا جرم أن تكون اهتمامات المؤمن سامية رفيعة لتعلو على الدنايا والخسائس ولتسمو على الأغراض الهزيلة التي تتهافت حولها نفوس الضعفاء والمبتذلين . إن الآية الكريمة تنهى عن الانشغال في التمني لما فضل الله به بعض الناس على بعض في الرزق وعطايا الدنيا ، فإن لكل حظه مما اكتسبه سواء كان ذكرا أم أنثى . وقد قيل إن هذه الآية نزلت في أم سلمة – رضي الله عنها- قالت : يغزوا الرجال ولا يغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث . وقيل غير ذلك . والآية تفيد بعمومها التحذير من مفسدة التلهي بتمني الخير والمال أو مختلف المكاسب . وليس من دافع لمثل هذا الشعور غير الحسد البغيض . ومن شأن المسلم في مثل هذا الأمر أن يكد ويسعى في الأرض بجد ونشاط مع دعوته لله بأن يهب له الرزق الحسن . والله سبحانه لهو أعلم حيث يقسم الرزق ، إنما يقسمه بقدر وقسطاس مستقيم . على أننا نضيف إلى ذلك أن المحظور في الآية والمنهي عنه هو الذي يكون مصحوبا بالحسد والبغض مع ما يرافق ذلك من تمن لزوال النعمة لدى الآخرين . أما إن كان التمني مجردا عن لوثة الحسد مع تمني الخير ودوام النعمة عند الآخرين فليس في ذلك من بأس ، وذلك ما ذهب إليه أكثر أهل العلم . ومن ناحية أخرى فإن التمني المتعلق بأمور الدين والآخرة مما لا علاقة له بشهوات النفس وزخارف الدنيا- فإنه حسن ومفضل ، وليس أدل على ذلك من قول النبي ( ص ) : " وددت أن أحيا ثم أقتل " فقد تمنى عليه الصلاة والسلام الشهادة وقد أعطيها بالفعل وذلك لما أثرت فيه لعقة السم في الشاة المسمومة حيث قال : " ما زالت أكلة خيبر تعاودني الآن أوان قطعت أبهري " . ومثل ذلك كثير .

قوله : ( واسألوا الله من فضله ) أي لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فإن التمني لا يجدي شيئا ، لكن اسألوا الله من فضله أي ادعوه واطلبوا منه الخير في غير ملل ولا كلل فإن الله جلت قدرته أكرم الكرماء وهو الرحيم الوهاب . وفي هذا روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ( ص ) قال : " سلوا لله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج " .

وقوله : ( إن الله كان بكل شيء عليما ) أي أن الله عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها ، ومن لا يستحق من الدنيا إلا القليل فيعطيه مثل ذلك القليل .

وبعبارة أخرى فإن الله عالم بما يكون صالحا للسائلين ، وعلى السائلين أن يجملوا في الطلب فإن كل شيء مقدور وعند الله مسطور{[738]} .


[738]:- تفسير الرازي جـ 10 ص 82 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 162 وأسباب النزول للنيسابوري ص 99.