تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (44)

المفردات :

والربانيون : جمع رباني ؛ وهو المنسوب إلى الرب . والمراد : الزهاد والعباد .

والأحبار : جمع حبر ؛ وهو : العالم ، أو رؤساء العلماء عند اليهود .

استحفظوا : كلفوا من الله بالمحافظة عليه .

شهداء : أي : رقباء يحمونه من التغيير والتبديل .

التفسير :

44-إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ . . . الآية .

هذا كلام مستأنف لبيان علو شأن التوراة فهو سبحانه الذي انزلها من عنده لتكون مصدر هداية للناس إلى سبيل الله مشتملة على الأحكام والتكاليف والشرائع .

ومشتملة على النور من بيان للعقائد السليمة والمواعظ الحكيمة والأخلاق القويمة .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :

والمعنى : إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى مشتملة على ما يهدي الناس إلى الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضئ لهم حياتهم من عقائد ومواعظ وأخلاق فاضلة .

يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ . .

النبيون . هنا هم الأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى .

الَّذِينَ أَسْلَمُواْ . صفة للنبيين أي : أخلصوا وجوههم لله

قال الشوكاني : وفيه إرغام لليهود بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام ، الذي دان به محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يقال لنبي من الأنبياء : إنه يهودي أو نصراني ، بل كانوا جميعا مسلمين .

لِلَّذِينَ هَادُواْ . أي : رجعوا عن الكفر ، والمراد لهم اليهود .

وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء .

َالرَّبَّانِيُّونَ . العلماء الحكماء .

الأَحْبَار . العلماء .

وقال مجاهد : الربانيون : الفقهاءُو العلماء وهم فوق الأحبار ، وقال ابن عباس : الربانيون : هم الذين يسوسون الناس بالعلم ، ويربونهم بصغاره قبل كباره .

والحبر والحبر : الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، فهم يخبرون العلم أي : يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم {[242]}

بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ . أي : أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبذيل والمحافظة على تطبيق أحكامها ، وأن يكونوا رقباء على تنفيذ حدودها ، وتطبيق أحكامها ؛ حتى لا يهمل شيء منها .

والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق ، وضياء لهم من ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم لل ، ه وأخلصوا له العبادة والطاعة ، ويحكم بها أيضا الربانيون والأحبار الذين التزموا طريقة الأنبياء .

وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين اليهود ، بسبب انه تعالى حملهم أمانة حفظ كتابه والقيام على تنفيذ أحكامه ، وشرائعه وتعاليمه .

قال الفخر الرازي :

قوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله .

حفظ كتاب الله على وجهين .

الأول : أن يحفظ فلا ينسى .

والثاني : أن يحفظ فلا يضيع ، وقد اخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين :

أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم .

الثاني : ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه {[243]}

فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ .

الخشية : خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء بها في قوله : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء . . {[244]} ( فاطر : 20 ) .

فالخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشي ، بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم .

والمعنى : إذا كان شأن التوراة ، أن تنفذ أحكامها وتعاليمها فلا تخافوا يا علماء اليهود ، أحدا من الناس كائنا من كان ، وعليكم أن تطبقوا أحكام الله كما أنزلها الله وأن تجعلوا خشيتكم مني وحدي ، لا من أحد من الناس فانا الذي بيدي نفع العباد وضرهم .

وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً . أي : لا تتركوا الحكم بما أنزل الل ؛ ه خوفا من احد أو رغبة في مصلحة أو رشوة .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة المائدة .

والاشتراء هنا معناه : الاستبدال ، والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم .

والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه ، وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا .

أي : ولا تستبدلوا بأحكام آياتي التي اشتملت عليها التوراة ، أحكاما أخرى تغايرها وتخالفها لكي تأخذوا في مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ الدنيا .

وهذا الثمن لا يكون إلا قليلا- وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا- بالنسبة لطاعة الله والرجاء في رحمته ورضاه .

وهذا النهي ، وإن كان موجها إلى رؤساء اليهود وأحبارهم ، إلا أنه يتناول الناس جميعا في كل زمان ؛ لأنه نهى عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب . وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله : فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . . خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات- إذا انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم- ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة {[245]}

وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .

هذه الآية ، وما يأتي من قوله تعالى : فأولئك هم الظالمون .

وقوله تعالى : فأولئك هم الفاسقون . نزلت كلها في الكفار وعلى هذا رأى أكثر المفسرين .

فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة {[246]}

صفحة من تفسير القرطبي

قال القرطبي {[247]} قوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .

والظالمون والفاسقون . نزلت كلها في الكفار ؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم . وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ؛ أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وحجدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ؛ قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا .

قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار ، أي : معتقدا ذلك ومستحلا له ؛ فأما من فعل ذلك ، وهو معتقد أنه راكب محرم ؛ فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .

وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار . وقيل أي : ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله ؛ فهو كافر ، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع ؛ فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ؛ قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها : أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : للذين هادوا . فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ، ألا ترى أن بعده وكتبنا عليهم . فهذا الضمير لليهود بإجماع ؛ وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص . فإن قال قائل : من إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟ قيل له : من . هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ؛ والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك الكافرين ؛ فهذا من أحسن ما قيل في هذا .

ويروي أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟ قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل . وقيل : الكافرون . للمسلمين ، والظالمون لليهود ، والفاسقون . للنصارى ؛ وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر {[248]} .


[242]:تفسير القرطبي 6/189 ،وقد نقل أكثر من أي من العلماء في معنى {الربانيون والأحبار} كما أجاد في نقل الآراء عن معنى آخر الآية.
[243]:تفسير الفخر الرازي 12/4.
[244]:المفردات في غريب القرآن ص 149 للراغب الأصفهاني.
[245]:تفسير سورة المائدة للدكتور محمد سيد طنطاوي ص 219 نقلا عن تفسير الآلوسي 6/145.
[246]:التفسير الوسيط تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية الحزب 12 ص 1080.
[247]:تفسير القرطبي 6/190.
[248]:قال في البحر: يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر. قلت وهو كفر النعمة عند الإباضية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (44)

قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بئايتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } أنزل الله التوراة هدى لبني إسرائيل ، أي ترشيد لهم بما يدلهم على طرق السعادة والنجاة ويبين لهم الأحكام والشرائع والتكاليف . وكذلك أنزلها لهم نورا ، أي ضياء يكشف ما تشابه عليهم . وقيل : بيان بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .

قوله : { يحكم بها النبيئون الذين أسلموا } الجملة حال من التوراة . وقيل الجملة مستأنفة مبينة لشأن التوراة وسمو رتبتها . والمراد بالنبيين هنا ، النبيون من لدن موسى إلى عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام ، وكان بين الاثنين ألف نبي .

وقيل : أربعة آلاف نبي . وقيل : المراد بهم هذا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل . ويقتضي هذا التأويل أن يكون شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم ينسخ .

قوله : { الذين أسلموا } أي استسلموا وانقادوا لأمر الله ، امتثالا لما كلفهم به . والإسلام لفظ عام معناه الخضوع والإذعان لأوامر الله والانقياد للتكاليف والأحكام الشرعية . فلا جرم أن يتناول مضمون الإسلام سائر النبيين والمرسلين من لدن آدم حتى النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام .

وقوله : { للذين هادوا } أي تابوا من الكفر . وهم اليهود .

والتقدير ، أن النبيين من بعد موسى – وكلهم على ملة الإسلام بما يعنيه الإسلام من خضوع وامتثال واستسلام لأمر الله – كانوا يحكمون بالتوراة فيما بين اليهود فلا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها أيما تحريف .

قوله : { والربانيون والأحبار } معطوف على { النبيون } . وذلك في الحكم بأحكام التوراة وحمل الناس على العمل بها . والربانيون بمعنى العلماء والحكماء وقيل : العلماء والفقهاء وهم فوق الأحبار . وقيل : هم الذين يسوسون الناس بالعلم . وهو قول ابن عباس وغيره .

أما الأحبار ، فهم الفقهاء والمفرد بكسر الحاء . وسمي بذلك من أجل الحبر الذي يكتب فيه . وقيل : حبر بكسر الحاء وفتحها . وقيل : أصله من التحبير ، أي التزيين والتحسين . فالأحبار يحبرون العلم أي يبينوه ويزينوه . والمراد بذلك أحبار اليهود{[976]} .

قوله : { بما استحفظوا من كتاب الله } أي بالذي استحفظوه من النبيين وهي التوراة . فقد سألهم النبيون أن يحفظوها من التغيير والتبديل ، وأن يعملوا بأحكامها كاملة دون انتقاص . ويدل ذلك على استخلاف النبيين للعلماء والفقهاء في أداء هذه الأمانة التي أودعوها . قال ابن جرير الطبري في تأويل ذلك : وأما قوله : { بما استحفظوا من كتب الله } فإن معناه : يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة .

قوله : { وكانوا عليه شهداء } أي أن هؤلاء النبيين والربانين والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق وهو من عند الله . فهم رقباء على كتاب الله ( التوراة ) يحمونه من التغيير والتبديل .

قوله : { فلا تخشوا الناس واخشون } ذلك تحذير من الله للحكام والعلماء ونهي لهم أن يخشوا غير الله فيجوروا في أقضيتهم وأحكامهم ، ويمضوها على خلاف ما أمروا به من الحق والعدل خشية من سلطان أو ظالم أو خوفا من أذى يحيق بهم أو تحرجا من لوم لائم من قريب أو صديق بل عليهم أن يخشوا الله وحده في ذلك كله فلا يميلوا أو يزيغوا وأن يظلوا على تخوف من الله وحده دون سواه ، فهو الأجدر أن يخافه الناس وأن يرهبوه ، فإن بيده مقاليد كل شيء وهو القاهر فوق عباده وهو المقتدر على فعل كل شيء كإعزاز المؤمنين الثابتين على الحق وقصم الجبارين والطغاة والمضلين .

قال الرازي في هذا المعنى : والمعنى إياكم أن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم . فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي .

قوله : { ولا تشتروا بئاياتي ثمنا قليلا } أي إياكم أن تستبدلوا أو تستعيضوا عن آياتي وهي أحكامي وشرائعي التي فرضتها عليكم ، بالثمن المهين البخس من محقرات الدنيا وخسائسها ومغرياتها كالرشوة والجاه ورضا الناس وغير ذلك من متاع الحياة الفانية ، كالذي فعله أحبار يهود في كتمانهم التوراة ، إذ حرفوها تحريفا وغيروا أحكامها ومعانيها تغييرا يناسب أهواءهم ورغبتهم في الدنيا بما فيها من زخرف وغرور{[977]} .

قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون } جاء في تأويل هذه الآية عدة أقوال ، منها : أن هذه نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم دون غيرهم وهذا القول ضعيف ، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

ومنها : أن المراد ليس كفرا ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر . فكأنهم بذلك حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين . وهذا ضعيف أيضا ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين .

ومنها : أن من لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ويشبه بذلك الكافرين . وهذا ضعيف كذلك ، لأنه مخالف لظاهر الآية .

ومنها وهو الذي نختاره ونرى أنه الصحيح : أن قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون } تأويله أن من جحد ما أنزل الله فقد كفر . ومن أقر بما أنزل الله فهو ظالم فاسق وليس كافرا . فالمعنى يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه . أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله كذلك ، لكنه أتى بما يخالفه فهو حاكم بما أنزل الله إلا أنه تارك له . فلا يلزم دخوله في زمرة الكافرين بل الفاسقين الظالمين . وبعبارة أخرى فإن المصدق لشريعة الله المقر بها إقرارا والمستيقن أنها من عند الله ، وأنها صالحة للناس لكنه عمل بخلافها فهو ليس كافرا ولكنه مندرج في أفواج الفاسقين الخارجين عن منهج الله . أو الظالمين الذين بدلوا شريعة الله ليحلوا مكانها شريعة غيرها . لا جرم أن أولئك عصاة خاطئون وإن كانوا غير كافرين .

قال ابن عباس : في الآية إضمار . أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر .

قال ابن مسعود والحسن في ذلك : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له . فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له{[978]} .


[976]:- مختار الصحاح ص 120 وتفسير الرازي ج 12 ص 4 وتفسير القرطبي ج 6 ص 189 وروح المعاني ج 6 ص 144.
[977]:- تفسير الطبري ج 6 ص 161، 162 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 60 وروح المعاني ج 6 ص 144 والكشاف ج 1 ص 915 وتفسير الرازي ج 12 ص 5 ص 6.
[978]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 190 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 60 وتفسير الرازي ج 12 ص 7 والكشاف ج 1 ص 616.