تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا} (59)

56

المفردات :

الآيات : هي ما اقترحته قريش من جعل الصفا ذهبا .

مبصرة : بينة جعلتهم ذوي بصائر .

فظلموا بها : فكفروا بها وجحدوا .

التفسير :

وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات ؛ لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب ، فاقترحت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم بعض الآيات والمعجزات فأجابهم الله بقوله :

59- { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون . . . }

أي : أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم ؛ لاستحقوا عذاب الاستئصال كما هي سنتنا في الأمم السابقة كعاد وثمود ، وقد قضى الله ألا يستأصل كفار هذه الأمة ؛ لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن .

ولأن الله شاء أن تكون معجزة الإسلام هي القرآن وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة ويخاطب الفكر والقلب ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة ، أما الخوارق المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس ، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل .

والخلاصة : أنه ما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين بمثلها ، فإن أرسلناها وكذب هؤلاء بها ؛ عوجلوا ولم يمهلوا .

روى الإمام أحمد{[420]} عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم ، لعلنا نجتبي منهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم .

قال : بل نستأني بهم فأنزل الله : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة . . . }

{ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ولا نرسل بالآيات إلا تخويفا } .

أي : وقد سألت ثمود من قبل قومك : الآيات فآتيناها ما سألت ، وجعلنا لها الناقة حجة واضحة ، دالة على وحدانية من خلقها ، فكفروا بها ، ومنعوها شربها وقتلوها ، فأبادهم الله وانتقم منهم .

وما كانت الآيات إلا إنذارا وتخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات .

هذه التجارب البشرية ، اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق ؛ لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها ، لا رسالة جيل واحد يراها ، ولأنها رسالة الرشد البشري ، تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته ، والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه .

أما الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم وأولها : خارقة الإسراء والمعراج ، فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .


[420]:- أخرجه في المسند بالصفحة رقم 258 من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم 2333 (طبعة المعارف) ورواه الطبري بعدة روايات يؤيد بعضها بعضا ج 15 ص 74 طبعة بولاق.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا} (59)

قوله عز وجل : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } ، قال ابن عباس : " سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا ، فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن أستأني بهم فعلت ، وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت ، فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا بل تستأني بهم " ، فأنزل الله عز وجل : { وما منعنا أن نرسل بالآيات } التي سألها كفار قومك إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم ، فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم ، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ، ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها ، أن نهلكهم ولا نمهلهم ، وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة في العذاب ، فقال جل ذكره : { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } [ القمر – 46 ] ثم قال : { وآتينا ثمود الناقة مبصرةً } ، مضيئة بينة ، { فظلموا بها } ، أي : جحدوا بها أنها من عند الله كما قال : { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [ الأعراف – 9 ] أي : يجحدون . وقيل : ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة . { وما نرسل بالآيات } أي : العبر والدلالات ، { إلا تخويفاً } ، للعباد ليؤمنوا . قال قتادة : إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون .