تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

الرضاعة

221

{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإذا أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير( 233 ) }

المفردات :

المولود له : أبو الولد ، فإن الولد يولد له وينسب إليه .

رزقهن : نفقتهن .

وسعها : الوسع ، الطاقة والاحتمال .

فصالا : فطاما الولد عن الرضاع .

جناح : الجناح الإثم .

أن تستعرضوا : أن تطلبوا مرضعات لأولادكم غير أمهاتهم .

المعنى الإجمالي :

وعلى الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن مدة عامين مراعاة لمصلحة الطفل ، إذا طلب أحد الوالدين أو كلاهما استيفاء مدة الرضاعة تامة لاحتياج الولد إليها ، ويلزم الولد باعتبار الولد منسوبا إليه بالإنفاق على الأمهات حينئذ بإطعامهن وكسوتهن على قدر طاقته بلا إسراف ولا تقتير ، فإنه لا يلزم إنسان إلا بما يقدر عليه ويستطيعه ، ولا ينبغي أن يكون سببا في إلحاق الضرر بأمه ، بأن يهضم حقها في نفقتها أو حضانة ولدها ، كما ينبغي أن لا يكون الولد سببا في إلحاق الضرر بأبيه بأن يكلف طاقته أو يحرم حقه في ولده ، وإذا مات الأب أو كان فقيرا عاجزا عن الكسب ، كانت النفقة على وارث الولد ولو كان له مال فإن رغب الوالدان أو كلاهما في فطام الطفل قبل تمام العامين ، وقد تراضيا عن ذلك ونظرا إلى مصلحة الرضيع فلا تبعة عليهما ، وإذا شئتم أيها الآباء أن تتخذوا مراضع للأطفال غير أمهاتهم ، فلا تبعة عليكم في ذلك ولتدفعوا إليهن النفقة والأجر بالرضا والمحاسنة ، وراقبوا الله في أعمالكم ، واعلموا أنه مطلع عليها مجازيكم بها .

التفسير :

{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف }

المراد بالوالدات الأمهات ، سواء في عصمة أزواجهن أم كن مطلقات ، لأن اللفظ عام في الكل ولا يوجد ما يقتضي تخصيصه بنوع من الأمهات .

ويرى بعض المفسرين أن المراد بالوالدات هنا خصوص المطلقات ، لأن سياق الآيات قبل ذلك في أحكام الطلاق .

وقد سماهن الله والدات ، ولم يقل الأمهات يرضعن أولادهن ، للإشارة إلى أنهن اللائي ولدن أولادهن ، ومنهن يكو الغذاء الطبيعي المناسب لهذا المولود ، الذي جاء عن طريقهن .

قال الجمل : " وهذا الأمر للندب والوجوب ، فهو يكون للندب عند استجماع شروط ثلاثة : قدرة الأب على استئجار المرضع ، ووجود غير الأم ، وقبول الولد للبن الغير ، ويكون للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط( 272 ) .

والآية تحث الأم على إرضاع ولدها ، لأن الإرضاع هو المطعم الطبيعي للمولود ، إذ إن لبن الأم يلائم حياة الطفل كل الملائمة فيزداد حجما بزيادة حجم المولود ، وتنوع محتوياته حسب حاجته ، والرضاعة تفيد الأم ولا تضرها إلا في أحول شاذة ، إذ إن الرضاعة تعمل على تحسين الحالة الصحية العامة للمرضع بتنشيط الجهاز الهضمي وحمله على العمل للحصول على المودة الغذائية اللازمة للمولود ، وذلك فوق ما تفيده الرضاعة في الجهاز التناسلي ، إذ تعيده إلى أوضاعه الطبيعية بعد عملية الولادة .

{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } وقد حددت الآية مدة الرضاعة بحولين كاملين لمن أراد إتمام الرضاع .

وحداد الزوجة على زوجها أي ترك الزينة والطيب ونحوه ، واجب عليها مدة عدتها التي حددها الله تعالى كما ثبت في الصحيحين أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال :

" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر : أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ( 281 ) .

وهذا هو رأي جمهور العلماء .

وقال الحسن بن أبى الحسن : ليس الإحداد بشيء ، إنما تتربص عن الزوج ولها أن تتزين وتتطيب .

وهذا الرأي ضعيف لمخالفته للسنة .

وفي ختام الآية نجد القرآن يلمس ويحرك دواعي الامتثال لله فيقول :

{ والله بما تعلمون خبير }

أي إنه محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه شيء ، فإذا وقفتم أنتم ونسائكم عند حدوده ، أسعدكم في الدنيا وأجزل مثوبتكم في الآخرة ، وبذلك حملت الآية الكريمة المسلمين جميعا مسؤولية حماية الآداب العامة حفاظا على المجتمع الإسلامي الفاضل .

* * *

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } . يعني : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن ، خبر بمعنى الأمر ، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها .

قوله تعالى : { حولين كاملين } . أي سنتين ، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولاً وبعض الشهر شهراً كما قال الله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) ، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) ، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم ، ويقال : أقام فلان بموضع كذا حولين ، وإنما أقام به حولاً وبعض آخر ، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان ، أربعة وعشرون شهراً ، واختلف أهل العلم في هذا الحد ، فمنهم من قال : هو حد لبعض المولودين ، فروى عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين ، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهراً ، وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهراً ، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهراً ، كل ذلك تمام ثلاثين شهراً لقوله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) . وقال قوم : هو لكل مولود بأي وقت ولد ، لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق الأبوين ، فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه ، لقوله تعالى : { فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور } وهذا قول ابن جريج و الثوري ، ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقيل : المراد من الآية : بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين ، فلا يحرم ما يكون بعد الحولين ، قال قتادة : فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ، ثم أنزل التخفيف فقال :

قوله تعالى : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } . أي هذا الرضاعة وليس فيما دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به .

قوله تعالى : { وعلى المولود له } . يعني الأب .

قوله تعالى : { رزقهن } . طعامهن .

قوله تعالى : { وكسوتهن } . لباسهن .

قوله تعالى : { بالمعروف } . أي على قدر الميسرة .

قوله تعالى : { لا تكلف نفس إلا وسعها } . أي طاقتها .

قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } . قرأ ابن كثير وأهل البصرة ، " برفع الراء " نسقاً على قوله ( لا تكلف ) وأصله ( تضار ) فأدغمت الراء في الراء ، وقرأ الآخرون تضار " بنصب الراء " ، قالوا : لما أدغمت الراء في الراء ، حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ، ومعنى الآية لا تضار والدة بولدها فينزع الولد منها إلى غيرها بعد فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه .

قوله تعالى : { ولا مولود له بولده } . أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها ، تضاره بذلك ، وقيل معناه : لا تضار والدة فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه ، وقبل الصبي من غيرها ، لأن ذلك ليس بواجب عليها ( ولا مولود له بولده ) فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها . فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل المجهول ، والوالدة والمولود له مفعولان ، ويحتمل أن يكون الفعل لهما ، وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل ، والمعنى لا تضار والدة فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه ( ولا مولود له ) أي لا يضار الأب أم الصبي ، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه ، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد ، ويجوز أن يكون الضرار راجعاً إلى الصبي ، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي ، ولا ترضعه الأم حتى يموت ، أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي ، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه : لا تضار والدة ولدها ، ولا أب ولده ، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين .

قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } . اختلفوا في هذا الوارث ، فقال قوم : هو وارث الصبي ، معناه : وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته ، ثم اختلفوا في أنه ، أي وارث هو ؟ من ورثته ؟ فقال بعضهم : هو عصبة الصبي من الرجال مثل : الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا : إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه ، وقيل : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا : يجبر على نفقته كل وارث قدر ميراثه ، عصبة كانوا أو غيرهم . وقال بعضهم : هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود ، فمن ليس بمحرم مثل : ابن العم والمولى فغير مراد بالآية ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث : هو الصبي نفسه ، الذي هو وارث أبيه المتوفى ، يكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله ، فإن لم يكون له مال فعلى الأم ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله ، وقيل : هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر ، عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة . وقيل : ليس المراد منه النفقة ، بل معناه : وعلى الوارث ترك المضارة ، وبه قال الشعبي والزهري .

قوله تعالى : { فإن أراد } . يعني الوالدين .

قوله تعالى : { فصالا } . فطاماً قبل الحولين .

قوله تعالى : { عن تراض منهما } . أي اتفاق من الوالدين .

قوله تعالى : { وتشاور } . أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد ، والمشاورة استخراج الرأي .

قوله تعالى : { فلا جناح عليهما } . أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين .

قوله تعالى : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } . أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم ، أو تعذر لعلة بهن ، أو انقطاع لبن ، أو أردن النكاح .

قوله تعالى : { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } . إلى أمهاتهم .

قوله تعالى : { ما آتيتم } . ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن ، وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن .

قوله تعالى : { بالمعروف } . قرأ ابن كثير : ما آتيتم : وفي الروم " وما آتيتم من ربا " بقصر الألف ، ومعناه ما فعلتم يقال : أتيت جميلاً إذا فعلته ، فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد ، لا بمعنى تسليم الأجرة ، يعني إذا سلمتم لأمره ، وانقدتم لحكمه ، وقيل : إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار .

قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير } .