تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

عدة المتوفى عنها زوجها

221

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير( 234 ) }

المفردات :

ويذرون أزواجا : جمع زوج ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمقصود هنا الزوجات أي يتركون زوجات لهم في عصمتهم وقت الوفاة .

يتربصن : ينتظرن في بيت لزوجية .

المعنى الإجمالي :

والذين يتوفون منكم أيها الرجال ويتركون زوجات لهم غير حوامل ، فعليهن أن يمكثن بعدهم دون تعرض للزواج ، مدة أربعة أشهر هلالية وعشر ليال بأيامها ، استبراء للرحم وحدادا على الأزواج ، فإذا انتهت هذه المدة فلا تبعة عليكم أيها الأولياء لو تركتموهن يأتين من شريف الأعمال التي يرضاها الشرع ليصلن بها إلى الزواج فلا ينبغي أن تمنعوهن من ذلك ولا يجوز لهن أن يأتين من الأعمال ما ينكره الشرع ويأباه ، فإن الله مطلع على سرائركم ويعلم أعمالكم فيحاسبكم على ما تعملون .

التفسير :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . . . }

والذين يتوفاهم الله تعالى منكم أيها المسلمون ويتركون من خلفهم أزواجا ، فعلى هؤلاء الأزواج اللاتي ارتبطن برجالهن ارتباطا قويا متينا ، ثم فرق الموت بينهم وبينهن ، عليهن أن : { يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا . . . } أي عليهم أن ينتظرن انقضاء عدتهن ، فيحسبن أنفسهم عن الزواج وعن التزيين وعن التعرض للخطاب ، مدة أربعة أشهر وعشر ليال ، وفاء لحق الزوج المتوفي واستبراء للرحم .

قال الأستاذ سيد قطب : " والمتوفي عنها زوجها كانت تلقي الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله .

وعند العرب كانت المرأة إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا ، ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا مدة سنة ، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر الجاهلية ، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة كالحمار . . . إلخ . فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا النعت بل رفعه كله عن كاهلها ، ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده . . . وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة ، وحياة عائلية مطمئنة . . جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال ما لم تكن حاملا فعدتها عدة الحامل ، وهي أطول قليلا من عدة المطلقة . تستبرئ فيها رحمها ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب . فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها ، سواء من أهلها أو من أهل الزوج ، ولها مطلق الحرية فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله تعالى وشريعته ، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات ولها أن تتلقى خطبة الخطاب ولها أن تزوج نفسها ممن ترضى لا تقف في سبيلها عادة بالية ولا كبرياء زائفة ، وليس عليها من رقيب إلا الله( 279 ) .

والتعبير بقوله : { يتربصن بأنفسهن } تعبير دقيق حكيم أي عليهن أن يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزيين وعن الخروج من منزل الزوجية إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا الخروج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام ، وذلك لأن المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها لزوجها المتوفى عنها ، أن تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته ، فإن هذا أمر مستهجن في شرع الله ، وفي عرف العقلاء من الناس ، إذ هذه المدة التي جاءت في الآية التي حددها الله تعالى لمعرفة براءة الرحم من الحمل ، وهي التي تخف فيها مرارة الفراق بين زوجين ، ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة .

والحكمة من جعل العدة أربعة أشهر وعشرا أمران :

أولهما : أن الأشهر الأربعة هي المدة التي فيها الحمل ويستبين ، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط .

ثانيهما : أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قدرها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال ، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر . فكان التنسيق بالأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الأزواج في حدود هذه المدة ومقاربة لها في الجملة( 280 ) .

{ فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف }

أي فإذا بلغن أجلهن واستوفين عدة الوفاة الواجبة عليهن كاملة دون نقص واستبان حال الرحم ، فلم يكن فيه حمل ، فلا جناح ليكم أيها المسلمون فيما فعلن في أنفسهم من زينة وغيرها مما امتنعن عنه إبان فترة العدة .

وينبغي أن يكون الفطام تدريجيا ويجوز أن يفطم الصغير لأقل من عامين من ولادته ، إذا كانت صحته تعاونه على ذلك ، أما إذا كانت صحته لا تعاونه ، ولا يستسيغ الطعام الخارجي فإنه يستمر حتى يتم حولين كاملين وبعدهما يمكن أن يستغني الطفل استغناءا كاملا عن لبن الأم .

وقد أثبت الأطباء الثقاة أهمية لبن الأم وحنانها ورعايتها ، في تحسين أحوال الطفل النفسية والصحية .

{ لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي أن هناك الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ف‘ذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك .

قال النسفي : والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم ، وعليه أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه ، ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجته أو معتدة( 277 ) .

ونرى أن الأب والأم كلاهما شريك في التبعة وكلاهما مسئول تجاه هذا الصغير الرضيع وهي تمده باللبن والحضانة ، وأبوه يمدها بالغذاء والكساء لترعاه ، وهناك تكامل وتعاون إنساني وعاطفي في رعاية الصغير ، فالفطرة توجب على الأم كفالة الطفل وإرضاعه والعناية به ، كما أوجب الله تعالى على الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن من نفقة وكسوة بالمعروف ، أي بالطريقة التي تعارف عليها العقلاء دون إسراف أو تقتير .

{ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } والمراد برزقهن نفقتهن .

وقد أوجبت الآية على الوالد أن ينفق على أم رضيعه يكسوها سواء أكانت زوجة له أو مطلقة منه ، وذلك أجرة لها على إرضاع ولدهما ، بهذا قال الشافعي .

وعند الأحناف : لا تأخذ الزوجة أجرة على الرضاع ما دامت في عصمة الزوج أو العدة ، اكتفاء بنفقتها المشروعة لها وكل من النفقة والكسوة واجبان حسب المعروف بين الناس ، بلا إسراف ولا تقتير بحيث تكون في وسع طاقته .

{ لا تكلف نفس إلا وسعها . . . }

فكل منهما يؤدي واجبه في حدود طاقته ، فلا يلزم الوالد بما يشق عليه ، بل يكون الأجر في حدود طاقته . ولا تلزم الأم بالإرضاع دون نفقة كافية لها وللرضيع ، بل ينبغي أن يتعاونا الطرفان وأن يقوم كل طرف بواجبه نحو ولده .

{ لا تضار والدة بولدها ولا مولود بولده . . . }

فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولفتها ليهددها فيه ، أو تقبل رضاعه بلا مقابل ، ولا ينبغي أن يكلفها بما ليس في مقدورها ، أو ما يخالف وظيفتها ولا ينبغي أن يمنعها شيئا من نفقتها .

ولا تضار والدة زوجها بسبب ولدها ، بأن تطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة ، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد ، وأن تقول اطلب مرضعا ، بعد أن ألفها الرضيع .

وقدمت الأم في الجملة الكريمة لأن الشأن فيها أن يكون حنانها أشد ، وعاطفتها أرق ، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب .

فالجملة الكريمة توجيه سديد وإرشاد حكيم للآباء والأمهات ، إلى أن يقوم كل منهما بواجبه نحو الأولاد الذين هم ثمار لهما .

{ وعلى الوارث مثل ذلك }

والوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث والإشارة بقوله : ذلك تعود إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة وترك الأضرار .

أي أن والد الرضيع إذا مات قام وارثه بالرزق والكسوة ، بالمعروف لوالدة الطفل التي ترضعه .

وقال الألوسي ما ملخصه : " والمراد بالوارث وارث الود ، فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب ، من الرزق والكسوة بالمعروف ، إن لم يكن للولد مال وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة وخلق كثير . وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبي . وقال الشافعي : المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجبا على الأب .

وقيل : المراد بالوارث الباقي من الأبوين ، وجاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني " ( 278 ) .

وعلى أية حال فالجملة الكريمة تغرس معاني الإخاء والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة فالقادر ينفق على العاجز والغني يمد الفقير بحاجته ، وبذلك تسعد الأسرة وتسودها روح المحبة والمودة ، وهكذا لا يضيع الطفل إذا مات والده ، فحقه مكفول وحق أمه في جميع الحالات .

{ فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما . . . }

قال القرطبي : الفصال والفصل : وأصله التفريق فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي الفصيل .

فإذا شاء الوالد والوالدة فطام الرضيع قبل استيفاء العامين لأنهما يريان مصلحة للطفل في ذلك الفطام ، لسبب صحي أو سواه ، فلا جناح عليهما إذ تم هذا بالرضا بينهما ، وبالتشاور في مصلحة الرضيع الموكل إليهما رعايته ، المفروض عليهما حمايته .

{ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف . . . }

أي وإن أردتم أيها الآباء أن تسترضعوا مراضع لأولادكم ، ورضيت الأمهات بذلك ، فلا إثم عليكم فيما تفعلون ، ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم ، وعليكم أن تسلموا هؤلاء المراضع أجرهن ، بالطريقة التي يقرها الشرع وتستحسنها العقول السليمة والأخلاق القويمة .

" عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما و رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز ، وكذلك ما أشبهه ، وجوز ماعدا ذلك ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة رجعيا لأنها كالزوجة ، وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها " ( 283 ) .

{ علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن إلا أن تقولوا قولا معروفا . . . }

فهذه الجملة كالتعليل لما قبلها ، وقد أباح الله للرجال أن يفكر في الزواج من المرأة وأن تهفو نفسه إليها ، وأن يذكرها مع نفسه ، فذلك يتعلق بأمر فطري ، والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها ، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها ومن ثم ينهي فقط عما يخالف نظافة الشعور ، وطهارة الضمير ولذلك حرم الوعد السري بين الرجل والمرأة المعتدة ، وأباح الكلمة الطيبة ، والإشارة والتلميح بالمعروف .

{ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله . . . }

ولا تقصدوا قصد جازما تنفيذ هذا النكاح ، حتى ينتهي ما كتب وفرض في العدة ، إذ العاقل لا يستعجل أمرا قبل حلول وقته ، وإنما الذي يسوغ لكم هو أن تتموا عقد الزواج بعد انتهاء العدة ، وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وخفت حدته .

وإذا كان قد نهى عن العزم على العقل قبل فراغ العدة ، عن العقد من باب أولي ، ومن المعلوم أن عقد النكاح في زمن العدة باطل ، والمباشرة حينئذ زنا ، والتفريق بينهما واجب لأن من استحل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ، كالقاتل يعاقب بحرمانه من ميراث المقتول ، وهذا رأي جمهور العلماء .

وقيل : يفسخ النكاح بينهما ، فإذا انتهت العدة حلت له ، ولم يتأبد التحريم ، ولكل فريق أدلته في كتب الفقه .

{ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . . . }

اعلموا أن الله مطلع عليكم رقيب على ضمائركم ، وشهيد على أفعالكم ، فاتقوا غضبه واحذروا بطشه ، وثقوا بعفوه وغفرانه .

{ واعلموا أن الله غفور حليم }

غفور : يغفر خطيئة القلب الشاعر بالله ، حليم : لا يعجل بالعقوبة ، فلعل عبده الخاطئ أن يتوب .

وبذلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع ويرتضيه الخلق الكريم ، ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإسلام ، بأسلوب حكيم جمع بين الشدة واللين ، والخوف والرجاء .

* * *

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } . أي يموتون وتتوفى آجالهم ، وتوفى واستوفى بمعنى واحد ، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافياً .

قوله تعالى : { ويذرون أزواجاً } . يتركون أزواجاً .

قوله تعالى : { يتربصن } . ينتظرن .

قوله تعالى : { بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً } . أي يعتددن بترك الزينة والطيب والنقلة ، على فراق أزواجهن هذه المدة ، إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل ، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولاً كاملاً لقوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ) ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشراً ، واجبة عند أهل زوجها ، فأنزل الله تعالى : { متاعاً إلى الحول } فجعل لها تمام السنة ، سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل : { غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن } فالعدة كما هي واجبة عليها . وقال عطاء : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة ، وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن ، سواء كان فيه طيب أو لم يكن ، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه ، فإن كان فيه طيب فلا يجوز ، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس بالكحل الفارسي الذي لا زينة فيه ، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم ، منهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي ، وبه قال مالك وأصحاب الرأي ، وقال الشافعي رحمه الله : تكتحل به ليلا ، وتمسحه بالنهار . قالت أم سلمة : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبراً فقال : إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار " . ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ، ويجوز لها لبس البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر ، ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة ، كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر ، ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال سفيان : لا تلبس المصبوغ بحال .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب ، عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب : " دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفى أبوها أبو سفيان بن حرب ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة ، خلوق أو غيره ، فدهنت به جارية ، ثم مست بطنها ، ثم قالت : والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " . وقالت زينب : " ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها عبد الله ، فدعت بطيب ، فمست به ثم قالت : والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " قالت زينب : وسمعت أمي أم سلمة تقول : " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، ثم قال : هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول " قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ، ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا ، ولا شيئا ، حتى يمر بها سنة ، ثم تؤتي بدابة ، حمارا أو شاة أو طيرا ، فتفض به ، فقلما تفتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج ، فتعطي بعرة فترمي بها ، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره .

وقال مالك : تفتض أي تنسلخ جلدها . وقال سعيد بن المسيب : الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد ، ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل ، أربعة أشهر وعشراً ، قريباً من نصف مدة الحمل ، وإنما قال عشراً بلفظ المؤنث ، لأنه أراد الليالي ، لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي ، فيقولون : صمنا عشراً ، والصوم لا يكون إلا بالنهار . وقال المبرد : إنما أنث العشر لأنه أراد المدة ، أي عشر مدد ، كل مدة يوم وليلة ، وإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم .

وروى عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تنتظر آخر الأجلين ، من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشراً ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ، أراد بالقصرى سورة الطلاق ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) نزلت بعد قوله تعالى : ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ) ، في سورة البقرة فحمله على النسخ ، وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو : ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت .

قوله تعالى : { فإذا بلغن أجلهن } . أي انقضت عدتهن .

قوله تعالى : { فلا جناح عليكم } . خطاب للأولياء .

قوله تعالى : { فيما فعلن في أنفسهن } . أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي ، وقيل فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع .

قوله تعالى : { بالمعروف والله بما تعملون خبير } . والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة ، أما المعتدة عن الطلاق نظر ، فإن كانت رجعية فلا إحداد عليها في العدة ، لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها ، وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان : أحدهما : الإحداد كالمتوفى عنها زوجها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وبه قال أبو حنيفة ، والثاني : لا إحداد عليها ، وهو قول عطاء ، وبه قال مالك .