تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ} (4)

4-{ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }

لو نشاء لأنزلنا عليهم معجزة أو آية ، تضطرهم إلى الإيمان القهري ، لكنا لا نفعل ذلك ؛ لأننا لا نريد من الناس إلا الإيمان الاختياري ، الذي يحتكم إلى العقل والإرادة والاختيار ، وتلك حكمة الله وإرادته ، فقد خلق الكون ، وأرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، ودعا الناس إلى الإيمان ، وشرح للناس مظاهر القدرة الإلهية ، وبيّن للناس أسباب الهداية ، وفضائل الإيمان وآدابه ، وثواب السير على الصراط المستقيم ، وبيّن أسباب السعادة الدنيوية والأخروية ، وترك للإنسان اختيار الطريق الذي يريده ، عن حرية وطواعية ، قال تعالى : { ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } [ الشمس : 7-10 ] .

وقال سبحانه : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [ يونس : 99 ]

وقال سبحانه : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة . . . } [ هود : 118 }

لقد علم الله أزلا أن هذه هي الرسالة الخاتمة ، وأن هذا القرآن هو آخر الكتب السماوية ، فاشتمل على ألوان من الإعجاز في أسلوبه وبيانه ، وألفاظه ونظامه ، الإعجاز فيما اشتمل عليه من ألوان العلوم والفنون ، التي لم يكن يعلمها أحد وقت نزول القرآن الكريم في القرن السابع الميلادي ، الإعجاز في إخباره عن أمور مستقبلية ، مثل هزيمة الفرس أمام الروم ، ومثل تطور العلوم تطورا عظيما ، ومع تقدم العلوم فإنها لم تصطدم بأي حقيقة علمية جاء بها القرآن ، بل إن تقدم العلوم أكد صدق القرآن وإعجازه ، فقد تحدث القرآن عن بدء الخليقة ، وعن خلق السماء والأرض والبحار والأنهار ، وعن حركة الأرض والشمس والقمر ، وعن تطور خلق الجنين في بطن أمه ، وعن فقد الجسم للإحساس عند احتراق الجلد ، وعن خلق الله من كل زوجين اثنين ذكر وأنثى ، ليتم التوالد وإعمار الحياة ، بتناسل الإنسان والحيوان والنبات ، وتحدث القرآن عن نهاية الحياة وقيام القيامة ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات ، وكل هذه الأمور وغيرها أيّدها تقدم العلوم ، وكان تقدم العلوم في حد ذاته توثيقا لصدق القرآن وإعجازه ، قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق . . } [ فصلت : 53 ]

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ} (4)

قوله تعالى : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال قتادة : لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها ، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله وقال ابن جريج : معناه : لو شاء الله لأراهم أمراً من أمره ، لا يعمل أحد منهم بعده معصية . وقوله عز وجل : { خاضعين } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق ، وفيه أقاويل : أحدها : أراد أصحاب الأعناق ، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم ، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون ، جعل الفعل أولاً للأعناق ، ثم جعل خاضعين للرجال . وقال الأخفش : رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه . وقال قوم : ذكر الصفة لمجاورتها المذكر ، وهو قوله هم على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر ، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث . وقيل : أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن ، كقوله : { ذلك بما قدمت يداك }- و{ ألزمناه طائره في عنقه } . وقال مجاهد : أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء ، أي : فظلت كبراؤهم خاضعين . وقيل : أراد بالأعناق الجماعات ، يقال : جاء القوم عنقاً عنقاً ، أي : جماعات وطوائف . وقيل :إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد .