تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا ان يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } .

المفردات :

كرها : مكرهين بدون رضاهن .

ولا تعضلوهن : العضل : المنع الحبس والتضييق .

بفاحشة : كل ما فحش قبحه قولا أو فعلا والمراد بها هنا : نحو الزنا والنشوز .

مبينة : واضحة ظاهرة .

التفسير :

19- { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . . }

فيما تقدم من آيات أبطل الله سبحانه عادات كانت للجاهلية ، في شأن اليتامى وأموالهم . وميراث النساء . واستطرد الحديث إلى وجوب الحفاظ على عفتهن وتأديبهن ، إن ارتكبن الفاحشة استكمالا لعناصر إصلاح الأسرة .

وفي هذه الآية ينهى عن عادات جاهلية أخرى ، تتعلق بالنساء في أنفسهن وأموالهن .

سبب النزول :

روى البخاري عن ابن عباس قال : " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته : إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يتزوجوها . فهم أحق بها من أهلها " فنزلت هذه الآية64 .

يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء .

أي : لا يحل لكم أيها المؤمنون أن ترثوا من أقاربكم زوجاتهم بعد وفاتهم ، كما تورث الأموال والعقارات . وتقولوا : نرثهن كما نرث أموالهم .

كرها . كارهات لذلك بأن تتزوجوهن أو تزوجوهن من غيركم ، بدون رضاهن أو تمنعوهن من الزواج . كأنما تتصرفون في أموال ورثتموها ، فإن ما كان من أفعال الجاهلية المنكرة لا يليق بكم أيها المؤمنون .

ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن . أي ولا تضيعوا أيها الأزواج على زوجاتكم اللاتي كرهتموهن لدمامة أو سآمة وملل ، وتحسبوهن لديكم ، مع سوء العشرة ، ليفتدين أنفسهن منكم ببعض صداقكم لهن فتأخذوه منهن بدون رضاهن .

إلا أن يأتين بفاحشة مبينة : أي إلا ان يرتكبن فعلة واضحة القبح ، ظاهرة الشناعة تجعلها وحدها المسئولة عن هدم الحياة الزوجية : كالزنا أو النشوز . يكون من العدل أن يأخذ الزوج المظلوم بعض ما أداه لها صداقا ليخالعها عليه ، إذ هي التي هدمت بيته بظلمها وعدوانها .

وعاشرهن بالمعروف . أي بما عرف في الشرع حسنه ، من الإنفاق قدر طاقتكم من غير إسراف ومن القسم بالعدل والقول اللين وانبساطة الوجه ، لتعيشوا سعداء .

فإن كرهتموهن . وسئتم عشرتهن لدمامتهن ، أو سوء في خلقهن لا يمكن احتماله ، فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس ، وذهاب الحب واصبروا على معاشرتهن { فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } . فلعلكم تكرهون شيئا بحكم النفس والهوى ويجعل الله تعالى فيه خيرا كثيرا : دنيويا كان أو أخرويا ، وأنتم لا تعلمون ذلك الخير ولا تدركونه ، بسبب كراهتكم إليهن وعاشروهن بالمعروف ، لتروا ثمرة ذلك ، فإن المعروف يستعقب الخير دائما .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } . نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من ذوي عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج ، يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت هي فيرثها ، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها ، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية ، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن ، وقال مقاتل بن حيان : اسمه قيس بن أبي قيس ، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه ، فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه ، فلا ينفق علي ، ولا يدخل بي ، ولا يخلي سبيلي ، فقال : اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله . فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } . قرأ حمزة والكسائي : كرهاً بضم الكاف ها هنا وفي التوبة . وقرأ الباقون بالفتح قال الكسائي : هما لغتان . قال الفراء : الكره بالفتح ما أكره عليه ، وبالضم ما كان من قبل نفسه من المشقة .

قوله تعالى : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } . أي : لا تمنعوهن من الأزواج ليضجرن فيفتدين ببعض مالهن ، قيل : هذا خطاب لأولياء الميت ، والصحيح أنه خطاب للأزواج . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر ، فنهى الله تعالى عن ذلك .

قوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } . فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم ، واختلفوا في الفاحشة ، قال ابن مسعود وقتادة : هي النشوز ، وقال بعضهم : وهو قول الحسن : هي الزنا . يعني : المرأة إذا نشزت ، أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع ، وقال عطاء : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها ، فنسخ ذلك بالحدود ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر ( مبينة ومبينات ) بفتح الياء ، ووافق أهل المدينة والبصرة في مبينات ، والباقون بكسرها .

قوله تعالى : { وعاشروهن بالمعروف } : قال الحسن : راجع إلى أول الكلام ، يعني { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } { وعاشروهن بالمعروف } والمعاشرة بالمعروف : هي الإجمال في القول ، والمبيت ، والنفقة ، وقيل : هي أن يتصنع لها كما تتصنع له .

قوله تعالى : { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } . قيل : هو ولد صالح ، أو يعطفه الله عليها .