تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

44

المفردات :

من الذين هادوا : هم اليهود .

غير مسمع : يحتمل أن يكون المعنى غير مسمع : مكروها ، و أن يكون غير مقبول منك ولا مجاب إلى ما تدعو إليه .

وراعنا : إما بمعنى : ارقبنا وانظرنا ؛ نكلمك ، و إما بمعنى : كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها ، وهي : ( راعينا )

ليا بألسنتهم أي : فتلا بها و تحريفا .

طعنا في الدين : قدحا فيه .

أقوم : أعدل وأسد .

إلا قليلا : أي : إلا قليلا من الإيمان لا يعبأ به .

التفسير :

46_ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ .

من اليهود فريق يميلون الكلام عن معناه ، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبا منهم وفتراء وتضليلا وإنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : سمعنا وعصينا . أي : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك وروى عن مجاهد أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ( سمعنا قولك و لكن لا نطيعك ) . وكذالك كانوا يقولون له : اسمع غير مسمع .

أي : اسمع كلامنا لا أسمعك الله ، في الموضع الذي يقول فيه المتأدبون للمخاطبين : اسمع غير مسمع .

أي : لا سمعت مكروها . فاللفظ يسوقونه ومرادهم منه الدعاء عليه ويوهمون أن مرادهم الدعاء له .

ويقولون : راعنا . وهي كلمت تحتمل الخير على معنى : ( انظرنا وتهمل علينا نكلمك ) وتحتمل الشر على معنى : ( راعينا ) أي : اشملنا بالرعونة والحمق ، أو جعله راعيا من رعاة الغنم .

ومن تحريفهم قولهم : ( السام عليكم ) أي : الموت عليكم ، ليا بألسنتهم وطعنا في الدين . أي : صرفا للكلام عن ظاهره إلى إدارة الشتم والسب ، وقدحا في الدين بالاستهزاء والسخرية .

وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ . أي : لو أنهم استقاموا وقالوا : سمعنا و أطعنا . بدل قولهم : سمعنا وعصينا وقالوا : اسمع دون أن يقولوا : غير مسمع ، وقالوا : انظرنا بدل راعنا لكان خيرا لهم ما قالوه ، وأعدل منه سبيلا ولكن الله طردهم من رحمته ؛ بإعراضهم فلا تجد منهم من يستجيبون لداعى الإيمان إلا عددا قليلا .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

قوله تعالى : { من الذين هادوا } . قيل : هي متصلة بقوله : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا } وقيل : هي مستأنفة ، معناه : من الذين هادوا من يحرفون ، كقوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } . [ الصافات :164 ] أي : من له منزلة معلومة ، يريد فريق .

قوله تعالى : { يحرفون الكلم } ، يغيرون الكلم .

قوله تعالى : { عن مواضعه } ، يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر ، فيخبرهم ، فيرى أنهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه .

قوله تعالى : { ويقولون سمعنا } ، قولك .

قوله تعالى : { وعصينا } ، أمرك .

قوله تعالى : { واسمع غير مسمع } ، أي : اسمع منا ولا نسمع منك .

{ غير مسمع } أي : غير مقبول منك ، وقيل : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ثم يقولون في أنفسهم : لا سمعت .

قوله تعالى : { وراعنا } . أي : يقولون راعنا ، يريدون به النسبة إلى الرعونة .

قوله تعالى : { لياً بألسنتهم } ، تحريفاً .

قوله تعالى : { وطعناً } ، قدحاً .

قوله تعالى : { في الدين } ، لأن قولهم راعنا من المراعاة ، وهم يحرفونه ، يريدون به الرعونة .

قوله تعالى : { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا } . أي : انظر إلينا ، مكان قولهم راعنا .

قوله تعالى : { لكان خيراً لهم وأقوم } ، أي أعدل وأصوب .

قوله تعالى : { ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً } . إلا نفراً قليلاً منهم ، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم .