تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} (31)

المفردات :

يبحث في الأرض : أي : يحفر في الأرض .

سوءة أخيه : السوءة في الأصل : العورة . والمراد بها هنا : جسد أخيه الذي قتله .

يا ويلتا : كلمة جزع وتحسر ، والويلة والويل بمعنى : الهلكة . كأنه ينادي هلاكه ليحل به ؛ لينقذه مما حل به من الدواهي .

التفسير :

31- فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ . . .

تحير القاتل بعد أن ارتكب جريمته ، ورأى جثة أخيه أمامه في العراء ، معرضة لنهش السباع والطيور ، ولم يكن الدفن معروفا للبشرية قبل هذه الحادثة ، التي راح ضحيتها- لأول مرة- إنسان كان مملوءا حيوية ونشاطا ، فأصبح جثة هامدة ، يتسرب إليها العفن ، ويسرع إليها النتن ويؤدي ريحها الأنوف .

فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ . أي : يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا في الأرض .

لِيُرِيَهُ . أي : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه .

كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ . كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة .

قال القرطبي : قال المجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ، ثم حفر فدفنه ؛ فتعلم قابيل ذلك من الغراب ، وكان ابن آدم هذا أول من قتل {[210]} .

قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي . أي : فنادى قابيل متحسرا جزعا يا ويلتا ، وكلمة : يا ويلتا : أصلها يا ويلتي ، وهي كلمة جزع وتحسر تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة ، كأن المتحسر ينادي ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادي .

أي : قال القاتل لأخيه ظلما : يا فضيحتي ، ويلتي أقبلى ، فهذا وقتك ؛ لأني قد نزلت بي أسبابك . والتفت قابيل للغراب قال :

أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب ، فأستر جسد أخي في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه .

فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ . أي : ندم قابيل على قتل أخيه بعد ما رأى وعاش في آثار جريمته ، قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه قابيل ، هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر من الخطأ في فعل فعله ، إذا ظهر له ان فعله كان شر له لا خيرا ، وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله ، والتألم من تعدي حدوده ، وهذا هو المراد بحديث " الندم توبة " {[211]} .

وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه ، فلا يعد وحده توبة {[212]} .


[210]:تفسير القرطبي 6/115.
[211]:الندم توبة: رواه ابن ماجه في الزهد (4252) وأحمد في مسنده (4002،3558) من حديث ابن معقل قال دخلت مع أبي علي عبد الله فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الندم توبة فقال له أبي أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول توبة قال نعم قال العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود، ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح على شرط الشيخين قال المناوي في الفيض: قال في شرح الشهاب هو حديث صحيح وقال ابن حجر في الفتح حديث حسن.
[212]:تفسير المنار 6/347.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ} (31)

قوله تعالى : { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه } ، فلما رأى قابيل ذلك .

قوله تعالى : { قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } ، أي جيفته ، وقيل : عورته ، لأنه كان قد سلب ثيابه .

قوله تعالى : { فأصبح من النادمين } ، على حمله على عاتقه لا على قتله ، وقيل :على فراق أخيه ، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله ، فإنه أسخط والديه ، وما انتفع بقتله شيئاً ، ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب . قال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ، ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء ، فناداه آدم : أين أخوك هابيل ؟ قال : ما أدري ، ما كنت عليه رقيباً ، فقال آدم : إن دم أخيك ليناديني من الأرض ، فلم قتلت أخاك ؟ قال : فأين دمه إن كنت قتلته ؟ فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً . وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر ، وتغيرت الأطعمة ، وحمضت الفواكه ، وأمر الماء ، واغبرت الأرض ، فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند ، فإذا قابيل قد قتل هابيل ، فأنشأ يقول : وهو أول من قال الشعر :

تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح

تغير كل ذي وطعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح

وروي عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال إن آدم عليه السلام قال شعراً فقد كذب على الله ورسوله ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء ، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني ، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث : يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه ، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ، وكان يتكلم بالعربية والسريانية ، وهو أول من خط بالعربية ، وكان يقول الشعر ، فنظر في المرثية ، فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم ، فوزنه شعراً ، وزاد فيه أبيات منها :

ومالي لا أجود بسكب دمع *** وهابيل تضمنه الضريح

أرى طول الحياة علي غما *** فهل أنا من حياتي مستريح

فلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة ، -وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين- ولدت له حواء شيثاً ، واسمه : هبة الله ، يعني أنه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار ، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها ، وأنزل عليه خمسين صحيفة ، فصار وصي آدم وولي عهده ، وأما قابيل فقيل له : اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً ، لا تأمن من تراه ، فأخذ بيد أخته إقليما ، وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس فقال له : إنما أكلت النار قربان هابيل ، لأنه كان يعبد النار ، فانصب أنت نارا ًأيضاً تكون لك ولعقبك ، فبنى بيتاً للنار ، فهو أول من عبد النار ، وكان لا يمر به أحد إلا رماه ، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له ، فقال للأعمى ابنه : هذا أبوك قابيل ، فرمى الأعمى أباه فقتله ، فقال ابن الأعمى : قتلت أباك ؟ فرفع يده ولطم ابنه ، فمات ، فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبي برميتي ، وقتلت ابني بلطمتي . وقال مجاهد : فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها ، وعلقت منها فهو معلق إلى يوم القيامة ، ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه ، في الصيف حظيرة من نار ، وفي الشتاء حظيرة من ثلج ، قال : واتخذ أولاد آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير ، وانهمكوا في اللهو ، وشرب الخمر ، وعبادة النار ، والزنا ، والفواحش ، حتى أغرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام ، وبقي نسل شيث .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمر بن حفص بن غياث ، ثنا أبي ، ثنا الأعمش ، حدثني عبد الله بن مرة عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ) .