تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (5)

{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 5 ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون( 6 ) } .

المفردات :

انسلخ : انقضى .

وخذوهم : وأسروهم ، والأخيذ : الأسير .

واحصروهم : وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإفلات .

واقعدوا لهم كل مرصد : وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم ؛ حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم ، أو الفكاك منكم .

فخلوا سبيلهم : أي : فاتركوهم أحرارا .

التفسير :

5 -{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . . . } الآية .

المراد بالأشهر الحرم : الأشهر الأربعة ، التي أبيح فيها للمشركين الناكثين لعهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يسيحوا في الأرض آمنين ، وجعلت حرما ؛ لأن الله حرم قتالهم فيها .

وهذه الأشهر تبدأ من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر ، أما الأشهر الحرم التي قال فيها القرآن : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } . ( التوبة : 36 ) فهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب .

والمعنى : فإذا انقضت الأشهر الأربعة ، التي حرم فيه قتال المشركين الناكثين لعهودهم – لعلهم يثوبون فيها إلى رشدهم – فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في حل أو حرم ؛ لإصرارهم على الخيانة والشرك .

{ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } .

وأسروهم ، فإن الأخيذ هو الأسير .

{ واحصروهم } : الحصر : منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم .

{ واقعدوا لهم كل مرصد } . المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، أي : اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها .

وترى أن هذه الوسائل الأربعة – القتل ، والأسر ، والمحاصرة ، والمراقبة – هي الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء ، ولا يخلو عصر من العصور ، من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة .

وهكذا نرى تعاليم الإسلام ، تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة ؛ لكيد أعدائهم ، والعمل على هزيمتهم ، ويستثنى من ذلك النساء ، والرهبان ، والشيوخ ، والصبيان ، والضعفاء ؛ فهؤلاء لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق ، إلا إذا عاونوا أولئك الناكثين .

{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } .

استخدمت الآية كل الوسائل المشروعة في الترهيب والترغيب ؛ فقد أمرت المسلمين بأن يستعلموا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم ، فإذا رجع المشركون عن الشرك ، فأسلموا وأقاموا الصلاة بشروطها في أوقاتها ، وأدوا الزكاة لمستحقيها ، برهانا على صدق إيمانهم ؛ فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما تقدم ، إن الله عظيم الغفران والرحمة ، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر .

وقد استند أبو بكر رضي الله عنه ، إلى هذه الآية في قتال مانع الزكاة ، حيث قال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؛ فإن الزكاة حق المال .

وقد روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " 8 .

والمراد بالآية : اقتلوا المشركين الذين يحاربوكم9 .

وفي الحديث المتواتر : الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" أمرت أن أقاتل الناس – أي : مشركي العرب بالإجماع – حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ؛ عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " 10 .

وجاء في أحكام القرآن للجصاص 3/ 81 :

قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

خاص في مشركي العرب دون غيرهم .

قال عبد الرحمان بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ثم قال : يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه ! 11 .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (5)

قوله تعالى : { فإذا انسلخ } . انقضى ومضى .

قوله تعالى : { الأشهر الحرم } . قيل : هي الأشهر الأربعة رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم . وقال مجاهد ، وابن إسحاق : هي شهور العهد ، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر ، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم ، خمسون يوما ، وقيل لها حرم : لأن الله تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم . فإن قيل : هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } ؟ قيل : لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع ، ومعناه : مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم .

وقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . في الحل والحرم .

قوله تعالى : { وخذوهم } . وأسروهم .

قوله تعالى : { واحصروهم } . أي احبسوهم ، قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد أن تحصنوا فاحصروهم ، أي امنعوهم من الخروج . وقيل : امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام .

قوله تعالى : { واقعدوا لهم كل مرصد } ، أي على كل طريق ، والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، من رصدت الشيء أرصده : إذا ترقبته ، يريد : كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا . وقيل : اقعدوا لهم بطريق مكة ، حتى لا يدخلوها .

قوله تعالى : { فإن تابوا } . من الشرك .

قوله تعالى : { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } . يقول : دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة

قوله تعالى : { إن الله غفور } . لمن تاب .

قوله تعالى : { رحيم } . به ، وقال الحسين بن الفضل : هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء .