{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35 }
يهدى : أي : إلا أن يهديه الله تعالى .
الإنسان جسم وروح ، والله تعالى خالق الكون وخالق الأجسام وخالق الأرواح . و في الآية السابقة تحدث القرآن عن أن الله يبدأ الخلق ويوجده بخلق الكون ، ثم خلق الإنسان ، وهو سبحانه يعيد الخلق مرة أخرى بالبعث يوم القيامة . وفي هذه الآية تحدث عن هداية الأرواح ؛ بإنزال الكتب وإرسال الرسل ، وهداية البشر ، وتوجيه الروح إلى الحق ، ومنح العون والرشاد للمؤمنين ، وسلب الهداية والتوفيق عن الضالين .
قال تعالى : { الذي خلقني فهو يهدين } . ( الشعراء : 78 ) .
وقال سبحانه : { سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى } . ( الأعلى : 1 3 ) .
35 { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ . . . } الآية .
المعنى : قل لهم يا محمد : هل من شركائكم من يستطيع أن يهدي غيره إلى الدين الحق ؟ فينزل كتابا أو يرسل رسولا أو يشرع شريعة ، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون ؟ أو يحث العقول على التدبر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض ؟
قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي يفعل كل ذلك ، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من ذلك . أفمن يهدي غيره للحق والهداية والرشاد أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه ، أم من لا يستطيع أن يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره ، أحق بالإتباع ؟ !
أي : ما صرفكم عن الحق ؟ ! كيف تحكمون في شأن هذه الحجة التي أوردناها لكم ؟ وكيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء الله ؟ !
وقوله سبحانه : { أمن لا يهدي } . ورد فيه ست قراءات منها قراءة يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال ومنها قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف كيرْمى .
فلما فرغ {[37944]}مما يتعلق بأحوال{[37945]} الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك ، والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعاناً في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال : { قل } أي{[37946]} يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود { هل من شركائكم } أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله ، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظاً من أموالكم وأولادكم { من يهدي } أي بالبيان أو{[37947]} التوفيق ولو بعد حين { إلى الحق } فضلاً عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاماً{[37948]} .
ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين ، أمره أن يجيبهم معرضاً عن انتظار جوابهم آتياً بجزئي{[37949]} الاستفهام أيضاً فقال : { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يهدي } ولما كان قادراً على غاية الإسراع ، عبر باللام فقال : { للحق } إن أراد ، ويهدي إلى الحق من يشاء{[37950]} ، لا أحد ممن زعموهم شركاء ، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال{[37951]} في المزاج كبير ، فالآية من الاحتباك : ذكر { إلى الحق } أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ، و { للحق } ثانياً دليلاً على حذفه أولاً ، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال : { أفمن يهدي } أي منتهياً في هداه ولو على بعد { إلى الحق } أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه{[37952]} { أحق أن يتبع } أي بغاية الجهد { أم من لا يهدي } أي يهتدي فضلاً عن أن يهدي غيره إلى{[37953]} شيء من الأشياء أصلاً ورأساً ؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها ، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها انتهاء التسبب إلى أدناه { إلا أن يهدى } أي يهديه هاد غيره كائناً من كان ، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل ؛ فلما أتم ذلك على هذا النهج{[37954]} القويم كان كأنه قيل : أتجيبون أم تسكتون ؟ وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون ، تسبب{[37955]} عن ذلك سؤالهم على وجه التوبيخ بقوله : { فما } أي أيّ شيء ثبت { لكم } في فعل غير الحق من كلام أو سكوت ؛ ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال : { كيف تحكمون* } فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل ، أ{[37956]}بالباطل أم بالحق ؟ فقد تبين الرشد من الغي ؛ والبدء :العقل الأول ؛ والإعادة : إيجاد الشيء ثانياً ؛ والهداية : التعريف بطريق الرشد من الغي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.