تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} (35)

{ *مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار35 } .

المفردات :

مثل الجنة : المثل هنا بمعنى : الصفة العجيبة . وأصله بمعنى : الشبه والنظير .

أكلها دائم : أي : ثمرها باق لا يغيب ولا ينقطع .

عقبى الذين اتقوا : أي : مآلهم وعاقبتهم .

التفسير :

35{ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار . . . }الآية .

صفة الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين ، الذين راقبوه وأطاعوا أمره واجتنبوا معاصيه ، هذه الجنة جزاء جميل بديع للأتقياء ، ومن صفتها : أن الأنهار تجري من تحت أشجارها وقصورها ، وتتحرك الأنهار حسب ما يشاء أهل الجنة ؛ قال تعالى : { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا } . ( الإنسان : 6 ) .

وفي الجنة : أنهار من لبن ، وأنهار من خمر ، وأنهار من عسل ، قال تعالى : { فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم . . . } . ( محمد : 15 ) .

ومن صفة الجنة : أن أكلهاxxxix دائم وظلها ، أي : ثمرها باق لا ينقطع ، مع اعتدال مناخها ، وطيب هوائها ، قال تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا* ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا } . ( الإنسان : 14 ، 13 ) .

{ تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } .

أي : تلك الجنة الموصوفة بما ذكر هي : مآل المتقين الذين استقاموا على طريق الحق والإيمان ، أما مآل الكافرين بالله ورسوله ؛ فعاقبتهم النار ، وبئس القرار .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} (35)

ولما توعدهم على تفريطهم في جانب الله ، تشوفت{[44319]} النفس إلى ما لأضدادهم ، فكان كأنه قيل : فما{[44320]} لمن عاداهم{[44321]} في الله ؟ فقيل{[44322]} : الجنة ، فكأنه قيل :{[44323]} وما{[44324]} هي ؟ فقيل : إنها في الجلال ، وعلو الجمال ، وكرم الخلال ، مما تعالى{[44325]} عن المنال{[44326]} ، إلا بضرب الأمثال ، فقيل : ما مثلها ؟ فقيل : { مثل الجنة التي } ولما كان المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الواعد هو الله ، بنى للمفعول قوله : { وعد المتقون } والخبر محذوف تقديره : ما أقص عليكم{[44327]} ، وهو أنها بساتين : قصور وأشجار ، فقال الزجاج{[44328]} : الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ليكون تمثيلاً لما غاب عنا{[44329]} بما نشاهد { تجري } . ولما كانت - لو عمها الماء الجاري - بحراً لا بساتين ، أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض أرضيها{[44330]} فقال : { من تحتها } أي قصورها وأشجارها { الأنهار } وقيل : هذا المذكور هو الخبر كما تقول : صفة زيد أسمر{[44331]} .

ولما كان هذا ريّاً{[44332]} حقيقياً في أرض هي في غاية الخلوص والطيب ، كان سبباً لدوام ثمرها{[44333]} واستمساك ورقها ، فلذلك{[44334]} أتبعه قوله : { أكلها } أي ثمرها الذي يؤكل { دائم } لا ينقطع أبداً { وظلها } ليس كما في الدنيا ، لا ينسخ بشمس ولا غيرها ، قال أبو حيان{[44335]} : تقول : مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم ، وليس هذا ضرب مثل ، فهو كقوله

{ ولله المثل الأعلى{[44336]} }[ النحل :60 ] ، أي الصفة العليا{[44337]} - كذا قال ، ويمكن أن يكون{[44338]} ذلك حقيقة ، ويكون هناك محذوف ، وهو جنة من جنان{[44339]} الدنيا تجري من تحتها الأنهار - إلى آخره ، وهو من{[44340]} قول الزجاج{[44341]} .

ثم ابتدأ إخباراً آخر تعظيماً لشأنها وتفخيماً لأمرها في قوله تعالى : { تلك } أي الجنة العالية{[44342]} الأوصاف { عقبى } أي آخر أمر { الذين اتقوا } ثم كرر الوعيد للكافرين فقال : { وعقبى } أي منتهى أمر { الكافرين } بالرحمن ، المتضمن للكفر بالوحي{[44343]} والموحى إليه { النار * } .


[44319]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: تشوقت.
[44320]:في ظ و م ومد: ما.
[44321]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: دعاهم.
[44322]:في مد: فقال.
[44323]:في مد: فما.
[44324]:في مد: فما.
[44325]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يعالى.
[44326]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: المثال.
[44327]:في ظ: عليك.
[44328]:راجع لقوله هذا البحر المحيط 5/396.
[44329]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: عنها.
[44330]:في م: أراضيها.
[44331]:من ظ و م ومد والبحر 5/396، وفي الأصل: استمر- كذا.
[44332]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: رديا.
[44333]:في مد: تمرها.
[44334]:من م ومد، وفي الأصل: كذلك، وفي ظ: فذلك.
[44335]:راجع البحر 5/395.
[44336]:سورة 16 آية 60.
[44337]:في ظ: العلى.
[44338]:زيد من مد: لذلك.
[44339]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: جنات.
[44340]:في ظ: منه.
[44341]:قال أبو علي: لا يصح ما قال الزجاج لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه لأن الجنة التي قدرها جنة فلا تكون الصفة، ولأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين وهو حدث والجنة جنة فلا تكون المماثلة- راجع البحر 5/396.
[44342]:في م: العلية.
[44343]:زيد من ظ و م ومد.