تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

{ ولا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غدا ( 23 ) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب منه هذا رشدا ( 24 ) }

تمهيد :

روى : أن الآيتين نزلتا حينما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يجيبهم عن ثلاثة أسئلة :

‍1- أصحاب الكهف .

‌2- ذو القرنين .

3- الروح .

فقال : غدا أجيبكم ، ونسي أن يقول : إن شاء الله ؛ فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما فشق عليه ذلك ، وقالت قريش : إن إله محمد ودعه وقلاه ، وقد رد عنه الله تعالى في سورة الضحى .

التفسير :

‌24 ، 23- { ولا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غدا . إلا أن شاء الله . . . }

أي : لا تقولن أيها الرسول لشيء : إني سأفعل ذلك غدا : إلا أن تقول : إن شاء الله ؛ ذلك أنه ربما مات المرء قبل مجيء الغد ، أو ربما عاقه عائق عن فعله .

جاء في تفسير الظلال ما يأتي :

إن كل حركة وكل نفس من أنفس الحي ، مرهون بإرادة الله ، وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة ، وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل ، وعقله مهما علم قاصر كليل ، فلا يقل إنسان : إني فاعل ذلك غدا ، وغدا في غيب الله .

وليس معنى هذا : أن يقعد الإنسان ، لا يفكر في أمر المستقبل ، ولا يدبر له ، وأن يعيش يوما بيوم ، ولحظة بلحظة ، وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله . . . كلا ، ولكن معناه : أن يحسب حساب الغيب ، وحساب المشيئة التي تدبره ، وأن يعزم ما يعزم ، ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم ، ويستشعر أن يد الله فوق يده ، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره ، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم ؛ فبها ونعمت ، وإن جرت مشيئة الله بغير ما دبّر ؛ لم يحزن ولو ييأس ؛ لأن الأمر لله أولا وأخيرا28 .

وبهذه المناسبة نتمنى أن يلتفت كل من يقدر تقديرا ، أو يذكر محصولا للقمح أو الذرة أو القطن أو البترول في قادم الأيام ؛ أن يذكر المشيئة ؛ فيقول : سيكون عائد البترول كذا ألف برميل في العام إنشاء الله ، والمحصول القمح أو الذرة أو القطن كذا إنشاء الله ، وعدد الخريجين من المعاهد العليا والكليات النظرية أو العلمية كذا إنشاء الله .

فهذا التعليم والتوجيه للأفراد والجماعات والأمم ، وهو في صلب العقيدة ، ويترتب عليه اليقين الجازم ؛ بأن يد القدرة الإلهية فوق قدرتنا ، ولها الكلمة النافذة في حياة الأفراد والجماعات والأمم .

وأن الله تعالى يغير ولا يتغير ، وهو سبحانه يضع ويرفع ويعز ويذل ، قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } . ( آل عمران : 26 ) .

ويقول سبحانه : { كل يوم هو في شأن } . ( الرحمان : 29 ) .

وفي التفسير : شؤون يبديها ولا يبتديها ؛ يشفي مريضا ، ويمرض سليما ، ويعافي مبتلي ، ويبتلي معافى ، ويعزّ ذليلا ، ويذل عزيزا ، ويغير ولا يتغير .

ونحن ينبغ عندما نقول : سنعمل كذا ، أو سنترك كذا ، أو سنفعل كذا ؛ نربطها بالمشيئة فنقول : ( إن شاء الله ) .

والمعنى : إذا أراد أن يتم ذلك فستتم بمشيئته هو وإرادته ؛ فأمره غالب ومشيئته نافذة ، ومعونته للعباد نعمة وبركة ، وهو القائل : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } . ( يس : 83 ، 82 ) .

{ واذكر ربّك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } .

أي : إذا نسيت أن تقول : إن شاء الله ، ثم ذكرت ؛ فقلها لتبقى نفسك مستشعرة عظمة الله ، وقال عكرمة : { واذكر ربك إذا نسيت } ، إذا غضبت .

وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن هذه الفقرة من الآية مرتبطة بما قبله .

والمعنى : أنك إن قلت : سأفعل غدا كذا ، ونسيت أن تقول : إن شاء الله ، ثم تذكرت بعد ذلك ؛ فقل : إن شاء الله .

أي : اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول إنك ستفعله غدا ؛ إذا ذكرت بعد النسيان .

وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الفقرة مستقلة عما قبلها ، ولا تعلق لها بما قبلها ، ويكون المعنى : إذا نسيت ذكر ربك لأي سبب من الأسباب ، ثم عاد إليك ذهنك وصفاؤك ؛ فاشتغل بالتسبيح والاستغفار ؛ لأن ذكر الله شفاء ودواء .

قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } . ( الأحزاب : 35 ) .

وقال سبحانه : { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } . ( البقرة : 152 ) .

{ وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب من هذا رشدا } .

أي : لعل الله أن يوفقني ويرشدني إلى ما هو أصلح من أمر ديني ودنياي .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

{ إلا } قولاً كائناً معه { أن يشاء } {[46014]}في مستقبل ذلك الشيء{[46015]} { الله } أي مقروناً بمشيئة{[46016]} الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه{[46017]} سبحانه تعظيماً لله أن يقطع شيء دونه و{[46018]}اعترافاً بأنه لا حول ولا قوة إلا به ، {[46019]}ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه{[46020]} عنه عائق كان كذباً منفراً عن القائل .

ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى : { واذكر ربك } أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان { إذا نسيت } الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول : إن شاء الله ، ونحوها في أيّ وقت تذكرت ؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس {[46021]}لأحد منا{[46022]} أن يستثني إلا بصلة اليمين . ثم عطف على ما أفهمه الكلام وهو : فقل إذا نسيت : إني فاعل ذلك{[46023]} غداً إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله{[46024]} : { وقل عسى أن يهدين ربي } أي{[46025]} المحسن إليّ { لأقرب } أي الى أشد قرباً { من هذا } أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني ، أو{[46026]} فاتني أو{[46027]} تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه{[46028]} بذكر الله { رشداً * } أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء{[46029]} فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثراً وأجل عنصراً فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس{[46030]} ، و " اقرب " أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء ، لازم ، لا من المكسور الراء المتعدي نحو{[46031]} { ولا تقربوا الزنى{[46032]} }[ الإسراء : 32 ]

{ ولا تقربوا مال اليتيم{[46033]} }[ الإسراء : 34 ] الآية ، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور{[46034]} الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة ، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية .


[46014]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46015]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46016]:في ظ: بمشيئته.
[46017]:في ظ: بمشيئته.
[46018]:من مد، وفي الأصل وظ: أو.
[46019]:العبارة من هنا إلى "عن القائل" ساقطة من ظ.
[46020]:من مد، وفي الأصل: عاق.
[46021]:من ظ ومد وفي الأصل: لأحد وفي روح المعاني 5 / 41 حيث ذكر هذه الرواية: لأحدنا.
[46022]:من ظ ومد، وفي الأصل: لأحد وفي روح المعاني 5 / 41 حيث ذكر هذه الرواية: لأحدنا.
[46023]:زيد من مد.
[46024]:زيد من ظ ومد.
[46025]:سقط من ظ.
[46026]:من ظ ومد، وفي الأصل "و".
[46027]:من ظ ومد، وفي الأصل "و".
[46028]:زيد في مد: مع كونه أجود أثرا وأجل عنصرا.
[46029]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاستثناء.
[46030]:من ظ ومد، وفي الأصل: القدير.
[46031]:من ظ ومد، وفي الأصل: بحرف.
[46032]:سورة 17 آية 32.
[46033]:سورة 6 آية 152.
[46034]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالأمر.