تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (37)

35

{ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم } أي ألهم الله آدم أن يتوب إليه ، وأن يعترف بذنبه وأن يطلب المغفرة من الله فيغفر الله له ، وقد فتح الله بابه لكل تائب .

فمن شأن الإنسان أن يخطئ ومن شأن الإله أن يغفر الذنب وأن يقبل التوبة وأن يفتح بابه للتائبين .

وقيل أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه مفسرة بقوله تعالى : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( 91 ) .

وعن ابن عباس : { فتلقى آدم من ربه كلمات } . ( قال : أي رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال بللا . قال : أي رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال بلى . قال : أرأيت إن تبت وأصلحت أراجع أنت إلى الجنة ؟ قال : بلى ) . رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ( 92 ) .

وقد أثبتت الآية التوبة لآدم وحده فقال تعالى : فتاب عليه . مع أن حواء شريكة له في الذنب بإجماع العلماء ، لأن حواء تابعة له في الحكم إذ النساء شقائق الرجال في الأحكام .

فكرة الخطيئة والتوبة في الإسلام :

نحس من خلال قصة آدم أن خطيئته فردية وأن توبته فردية فهو قد أكل من الشجرة هو وحواء بإغراء الشيطان وتزيينه السوء لهما ثم ندم آدم وندمت حواء وتابا وقبل الله منهما التوبة فهو التواب الرحيم ، وهو العليم بطبيعة الإنسان حيث يقول سبحانه { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى }( 32 ) . ( النجم : 32 ) .

فالله خالق الإنسان وهو العليم بضعفه ونزواته ولذلك أرسل له الرسل وفتح له باب التوبة . ( وليست هناك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده كما تقول نظرية الكنيسة ، وليس هناك تفكير لاهوتي كالذي تقول الكنيسة أن عيسى عليه السلام ( ابن الله بزعمهم ) قام بصلبه تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم كانت خطيئته كذلك شخصية والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطة ، تصوير مريح صريح يحمل كل إنسان وزوره ، ويوحي إلى كل إنسان بالجهد والمحاولة وعدم اليأس والقنوط ) ( 93 ) . { انه هو التواب الرحيم } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (37)

ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه أُلهم الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله{[1912]} : { فتلقى } أي فهبطوا فتلقى { آدم } بعد الهبوط ، والتلقي ما يتقبله القلب باطناً وحياً ، أو كالوحي أبطن من التلقن{[1913]} الذي يتلقنه لفظاً وعلماً ظاهراً أو{[1914]} كالظاهر - قاله الحرالي : { من ربه } {[1915]}أي المحسن إليه في كل حال{[1916]} { كلمات } أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي ، وهي جمع كلمة ؛ وهي دعاء دعا به ربه{[1917]} أو ثناء أثنى به{[1918]} عليه ؛ وتطلق الكلمة أيضاً على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال : في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه{[1919]} قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه ، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم{[1920]} في إحدى القراءتين ، فكأنه تلقى الكلمات{[1921]} بما في باطنه فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه فكان مستحقاً لها ، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى { فتاب }{[1922]} من التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو رجوع بعلم باطنه الأوبة وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى .

عليه } لذكره إياه بالكلمات مخلصاً في نيته ، ثم علل بقوله { إنه هو }{[1923]} أي خاصة{[1924]} { التواب } {[1925]}أي البليغ التوبة المكرر لها ، ولما كان قد جعل على نفسه المقدس أن يتفضل على المحسن قال : { الرحيم } أي لمن أحسن{[1926]} الرجوع إليه وأهله لقربه .

قال الحرالي : وكان إقراره بلفظه أدباً وإذعاناً لقيام حجة الله على عباده بما أنبأ عنه من قوله :

{ ربنا ظلمنا أنفسنا{[1927]} }[ الأعراف : 23 ] الآية ، وهذه توبة قلب وعمل لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله ، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن ، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار{[1928]} ظهر فيه{[1929]} مقتضى اسمه التواب ؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى .


[1912]:قال علي المهائمي: ولما لم يكن معصية آدم كفرا وكان معنى به ألهمه الله كلمات "فتلقى" أي تقبل "آدم من ربه كلمات" هي "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" فاستغفر عنها وتاب عن أمثالها – انتهى. قال البيضاوي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وعن ابن عباس قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى: يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك؟ قال: بلى، قال: رب إن تبت وأصلحك أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وأصل الكلمة الكلم وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر كالكلام والجراحة – انتهى.
[1913]:من م ومد وظ، وفي الأصل فقط: التلقين.
[1914]:في ظ: و.
[1915]:ليست في ظ.
[1916]:ليست في ظ.
[1917]:ليس في مد.
[1918]:ليس في ظ.
[1919]:في ظ: تبيينه.
[1920]:في التفسير المظهري: قرأ ابن كثير "آدم" بالنصب "وكلمات" بالرفع يعني جاءت الكلمات آدم من ربه وكانت سبب توبته.
[1921]:في ظ: الملائكة.
[1922]:قال البيضاوي: فتاب عليه رجع إليه بالرحمة وقبول التوبة، وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة وهو الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه، واكتفى بذكر آدم لأن حواء كانت تبعا له في الحكم ولذا طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن "إنه هو التواب الرحيم" الرجاع على عباده بالمغفرة أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة وأصل التوبة الرجوع، فإذا وصف بها العبد كان رجوعا عن المعصية، وإذا وصف به البارئ تعالى أريد به الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة؛ الرحيم المبالغ في الرحمة، وفي الجمع بين الوصفين وعد للتائب بالإحسان مع العفو – انتهى.
[1923]:ليست في ظ.
[1924]:ليست في ظ.
[1925]:العبارة من هنا إلى "قال" ليست في ظ.
[1926]:في ظ: يحسن.
[1927]:سورة 7 آية 23.
[1928]:في ظ: فالإقرار.
[1929]:العبارة من هنا إلى "نحو قوله" في الصفحة الآتية رقم 324 ساقطة من م.