تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (199)

{ وإن من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ، يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون }

المفردات :

خاشعين لله : خاضعين له .

لا يشترون : لا يستبدلون .

التفسير :

199- { وإن من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قيلا لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } .

أي وإن من اليهود والنصارى لفريقا يؤمن بالله إيمانا حقا ، منزها عن الإشراك بكل مظاهره وما انزل إليكم من القرآن ، وما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل ، ولا يزالون مع هذا الإيمان خاضعين لله ، خائفين من عقابه طالبين رضاه ، لا يستبدلون بآيات الله ، التي أنزلها في التوراة والإنجيل عوضا قليلا ، هو عرض من أعراض الدنيا الفانية لأن الثمن هذا المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة .

فالآية وصفتهم بخمس صفات هي :

1- الإيمان بالله .

2- الإيمان بالقرآن .

3- الإيمان بالتوراة والإنجيل .

4- الخشوع والخضوع لأمر الله .

5- عدم التفريط في أحكام الله ، وعدم بيعها بأي عرض من أعراض الدنيا .

وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآيات في كثير من سوره وذلك من إنصاف القرآن ، فهو كتاب حق أنزله الله الحق ، وقد نزل بالحق ، ليحق الحق ويبطل الباطل .

ويتبادر للذهن أن هذه الآية استهدفت الاستدراك على ما جاء في الآيتين 186-187 من التنديد بأهل الكتاب ، الذين يناوئون الدعوة النبوية ، ويؤذون المسلمين ويكتمون ما عندهم من البينات .

وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهو يسجدون ، يؤمنون بالليل واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين . ( آل عمران 113-114 ) .

وفي تفسير الطبري والطبرسي والخازن وابن كثير وغيرهم من المفسرين ، روايات عديدة في مناسبة نزول هذه الآية وفيمن عنته ، منها انها نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، ومن آمن من قومه بالرسالة النبوية فإن النبي لما بلغه موت النجاشي دعا إلى الصلاة عليه . فقال المنافقون : إنه يصلي على رجل من غير دينه ، فنزلت هذه الآية ، ومنها انها نزلت في عبد الله بن سلام ، أحد أحبار اليهود وغيره من أفراد اليهود ، الذين آمنوا بالرسالة المحمدية ، ومنها أنها نزلت فيمن آمن بهذه الرسالة من أهل الكتاب عامة .

وذكر المفسرون ان من اسلم من أحبار اليهود لم يبلغ عددهم عشرة وفيهم عبد الله بن سلام وزيد بن سعنة .

وأما النصارى فكانوا كثيرين ، فقد اسلم أربعون من أهل نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الروم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (199)

ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي{[20224]} أصله حق - حظٌّ من الهجرة ، فكانوا قسماً ثانياً من المهاجرين ، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم{[20225]} ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون{[20226]} المؤمنين مع محبتهم لهم ، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم ، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيراً إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً - ربما أيأس من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم{[20227]} ، وغير الأسلوب عن أن يقال مثلاً : والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعاً في موالاتهم{[20228]} بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال : { وإن من أهل الكتاب } أي اليهود والنصارى { لمن يؤمن بالله } أي{[20229]} الذي{[20230]} حاز صفات الكمال ، وأشار إلى الشرط المصحح{[20231]} لهذا الإيمان بقوله : { وما أنزل إليكم } أي{[20232]} من هذا القرآن { وما أنزل إليهم } أي كله ، فيذعن لما يأمر منه باتباع هذا النبي العربي ، وإليه الإشارة بقوله جامعاً للنظر إلى معنى من تعظيماً لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان{[20233]} : { خاشعين لله } أي لأنه الملك الذي لا كفوء له ، غير مستنكفين عن نزل المألوف { لا يشترون بآيات الله } أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال ، الآمرة لهم بذلك { ثمناً قليلاً } {[20234]}بما هم{[20235]} عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريباً في وصف معظمهم ، فهم يبينونها{[20236]} ويرشدون إليها ولا يحرفونها .

ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال : { أولئك } أي العظيمو الرتبة { لهم أجرهم } أي الذي يؤملونه ، ثم زادهم فيه رغبة تشريفه بقوله : { عند ربهم } أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه{[20237]} لحظة عنهم ، كل ذلك تعظيماً له من حيث إن لهم الأجر مرتين .

ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه ، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد{[20238]} من ذكر وأنثى أجره ، ولا يضيع شيئاً ، ويجازي المسيء والمحسن ، وكانت{[20239]} العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ، وذلك{[20240]} سبب لتعطيل{[20241]} الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته{[20242]} كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي ، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله : { إن الله } أي بما له من الجلال والعظمة والكمال { سريع الحساب * }


[20224]:زيد من ظ ومد.
[20225]:في ظ: مخايلتهم.
[20226]:في ظ ومد: ينقصون.
[20227]:في ظ ومد: مومنهم.
[20228]:زيد من مد، وموضعه في ظ: وملاقتهم.
[20229]:سقط من ظ ومد.
[20230]:زيد من ظ ومد.
[20231]:من ظ ومد، وفي الأصل: الصحيح.
[20232]:سقط من ظ ومد.
[20233]:سقط من ظ.
[20234]:من ظ ومد، وفي الأًصل: مما لهم.
[20235]:من ظ ومد، وفي الأًصل: مما لهم.
[20236]:من ظ ومد، وفي الأصل: يسبونها.
[20237]:من ظ ومد، وفي الأصل: إحسانهم.
[20238]:سقط من ظ.
[20239]:زيد بعده في الأصل: لما، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20240]:في ظ: سبلك.
[20241]:في ظ: لتفضيل.
[20242]:في الأصل ومد: شناته، وفي ظ: سناته.