جاءتهم الساعة : الساعة ؛ القيامة .
يا حسرتنا : الحسرة ؛ الندم الشديد على ما فات . على ما فرطنا : التفريط ؛ التقصير .
31- قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله . . . الآية . لقد خسروا في الدنيا حين ضحوا بالحق والعدل والإيمان وأقبلوا على الشهوات وغرهم حطام الدنيا عن الآخرة ، وخسروا في الآخرة حين رأوا ما أعد الله للمؤمنين ، كما خسروا العزاء الروحي ، الذي يغرس في قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله .
حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة . أي وما زال هؤلاء على التكذيب حتى فاجأتهم الساعة بغتة بغير انتظار .
قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها . أي قالوا متحسرين بأسلوب النداء ، للإشارة إلى شدة وقع المفاجأة عليهم ولذلك نادوا الحسرة نداء تفجع وقالوا : يا حسرتنا أقبلي فهذا أوانك ، فإننا لم نستعد لهذا اليوم بل أهملناه ولم نلتفت إليه .
وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة ، وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت . فلما كان الموت من مبادئ الساعة سمي باسمها ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من مات فقد قامت قيامته ) ( 79 ) .
وسميت القيامة ساعة ، لسرعة الحساب فيها ، ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة ، فانية ، وأخرى باقية .
وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . أي يحملون ذنوبهم وخطاياهم على ظهورهم .
والمعنى : أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها كأنها على الظهور .
وقيل إن الكلام على حقيقته ، وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا حيث إن الذنوب والأعمال ستجسم يوم القيامة ، وبهذا الرأي قال كثير من أهل السنة .
ألا ساء ما يزرون . أي بئس ما يحملون . أي يحشرون وما أثموا به على ظهورهم بغية تعذيبهم به .
قال الأستاذ سيد قطب : ومشهدهم كالدواب الموترة بالأحمال وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم .
بل الدواب أحسن حالا ، فهي تحمل أوزارا من الأثقال ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام ، والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح ، وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم ، مشيعين بالتأثيم .
ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع السامع ذكره ، فقال تحقيقاً لذلك ، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب{[29304]} : { قد خسر } وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتنبيهاً على ما أوجب لهم ذلك فقال : { الذين كذبوا بلقاء الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ، ولا أمر لأحد معه ، قد{[29305]} خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم { حتى إذا جاءتهم الساعة } أي الحقيقية ، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من{[29306]} مات جاءت ساعته ، وحذرهم منها بقوله : { بغتة } أي باغتة ، أو ذات بغتة ، أو بغتتهم{[29307]} بإتيانها على حين غفلة ، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي تجيء فيه نوعاً من الشعور { قالوا يا حسرتنا } أي تعالى احضرينا{[29308]} أيها الحسرة اللائقة بنا في هذا المقام ! فإنه لا نديم لنا سواك ، وهو كناية عن عظمة{[29309]} الحسرة وتنبيه عليه ، لينتهي الإنسان عن أسبابها { على ما فرطنا } أي قصرنا { فيها } أي بسبب الساعة ، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة{[29310]} للسباق{[29311]} بترك اتباع الرسل{[29312]} ، وذلك أن الله خلق المكلف وبعث{[29313]} له النفس الناطقة القدسية منزلاً لها إلى العالم السفلي ، وأفاض عليه نعماً ظاهرة وهي{[29314]} الحواس الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية ، ونعماً باطنة وهي العقل والفكر وغيرهما ، ليتوسل باستعمال هذه{[29315]} القوى والآلات إلى تحصيل المعارف الحقيقية{[29316]} والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت ، وبعث الأنبياء عليهم السلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا ، فأعرضوا عما دعوا إليه من تزكية النفس ، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات{[29317]} والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال{[29318]} ، وما ظنوه من اللذات{[29319]} التي عدوها أرباحاً فات ففقدوا الزاد{[29320]} ، ولم يهيئوا النفوس للاهتداء ، فلا رأس مال ولا ربح ، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة ، ولا خسران أعظم من هذا .
ولما كان هذا أمراً مفظعاً ، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم ، حتى كأن عليهم أحمالاً ثقالاً فقال : { وهم } أي و{[29321]} قالوا ذلك والحال أنهم { يحملون أوزارهم } أي أحمال ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل ، وحقق الأمر وصوره بقوله : { على ظهورهم } لاعتقاد الحمل عليه ، كما يقال : ثقل عليك كلام فلان ، ويجوز أن يجسد أعمالهم أجساداً ثقالاً ، فيكلفوا حملها ؛ ولما كان ذلك{[29322]} الحمل أمراً لا يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل ، أشار{[29323]} إلى{[29324]} ذلك بقوله جامعاً للمذام : { ألا ساء ما يزرون * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.