تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

المفردات :

السيئة : هي كل ما يسوء .

الحسنة : كل ما يستحسنه العقل والطبع .

عفوا : أي : كثروا عددا ومالا يقال : عفا النبات إذا كثر .

مس آباءنا : أي : أصاب آباءنا .

بغتة : فجأة .

التفسير :

{ 95 -ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا . . . }الآية .

المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والمرض ، وبالحسنة : السعة والصحة وأنواع الخيرات .

أي : ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء ، رفعنا ذلك عنهم ، وابتليناهم بضدّه ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدّة ، واليسر مكان العسر ، والعافية بدل الضرّ والذرية بدل العقم ، والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف .

حتى عفوا : حتى كثروا ونموا في أموالهم وأنفسهم ومستهم العافية ، فالعفو أصله من العافية التي يتبعها النماء والزيادة ، كما جاء في قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } . ( البقرة : 219 ) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفوا الشوارب واعفوا اللحى )5 . أي : قصّروا الشوارب واتركوا اللحى حتى تكثر وتنموا .

ولما زاد مالهم وكثر عددهم ؛ أبطرتهم النعمة ، وأطغتهم الكثرة فلم يشكروا الله ولم يحمدوه .

{ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } .

أي : قالوا جحودا للنعمة وكفرانا بالإحسان : قد أصاب آباءنا من قبلنا البأساء والنعماء ولسنا بدعا منهم فما أصابنا على نمط ما أصابهم وهذا شأن الدّهر يداول السراء والضراء بين الناس فليس ذلك إنذارا لنا .

{ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } .

أي : فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم بذلك ، ولا خطور شيء من المكارم ببالهم .

لقد أسرفوا بدون تخرج وارتكبوا كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وأرسل الله لهم العير من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ومع كل ذلك لم يعتبروا ولم يتعظوا ، وظنوا أنهم سيعيشون حياتهم في نعيم ورغد بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة وأقوالهم الذميمة .

ثم فاجأهم العذاب بغتة بدون توقع منهم ولا استشعار لما يحيق بهم ، جزاء عدو أنهم .

وفي هذا المعنى قال تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }( الأنعام : 44 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له ، استدرجهم{[32793]} بإدرار النعم ، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء : { ثم بدلنا } ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني { مكان } أي جعلنا { السيئة } أي النقمة { الحسنة } أي النعمة ، وبين أنه مد النعمة بقوله : { حتى عفوا } أي كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا { وقالوا } مسندين الأمر إلى غير أهله { قد مس آباءنا الضراء } أي الشدة { والسراء } أي الرخاء والنعمة ، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار .

ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب{[32794]} أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه ، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان ، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء ، سبب عنه قوله : { فأخذناهم } أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن { بغتة } أي فجأة حتى لا ينفعهم{[32795]} التوبة ، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله : { وهم لا يشعرون* } فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة .


[32793]:-في ظ: استدراجهم.
[32794]:- من ظ، وفي الأصل: تحب.
[32795]:- في ظ: لا تنفعهم.