تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ( 7 ) } .

5

التفسير :

5 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ . . .

الريب : الشك .

النطفة : أصل النطفة الماء العذب ، ويراد بها هنا : ماء الرجل .

العلقة : القطعة الجامدة من الدم .

المضغة : القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ .

الأجل المسمى : هو حين الوضع .

الطفل : يكون للواحد والجمع .

الأشد : القوة .

أرذل العمر : أدنؤه ، وأردؤه .

هامدة : ميتة يابسة ، من قولهم : همدت الأرض ، إذا يبست ودرست ، وهمد الثوب : بلى .

اهتزت : اهتز نباتها وتحرك .

ربت : ازدادت وانتفخت ، لما يتداخلها من الماء والنبات .

زوج : صنف .

بهيج : حسن سار للناظرين .

تأتي هذه الآية ، لترد على المشركين في إنكارهم للبعث ، فتضرب أمامهم مثالين ، هما حياة الإنسان وحياة الزرع ، ووراء كل ذلك يد القدرة ، ومعنى الآية : يا أيها الناس إن كنتم في شك من بعثنا لكم بعد الموت ، ففي خلقنا لكم الدليل على قدرتنا على البعث ، فلقد خلقنا أصلكم من تراب ، وهو آدم عليه السلام ، ثم جعلنا منه نطفة هي ماء الرجل ، الذي ينطلق إلى الرحم ، وبه ملايين الحيوانات المنوية ، ثم يتم الإخصاب بين حيوان واحد من الرجل ، وحيوان واحد من المرأة ، حيث يتم تلقيح الخلية ، فتصبح بعده قطعة جامدة ، تعلق بجدار الرحم ، وتسمى علقة ، لشدة تعلقها وتشبثها بجدار الرحم ، ثم تتحول العلقة إلى قطعة من اللحم ، مصورة فيها معالم الإنسان ، وكل صفاته من اللون بدرجاته ، والطول أو القصر ، والذكاء ونسبته ، وسائر الأجهزة الهضمية ، والعصبية ، واللمفاوية ، والحسية ، والإدراكية ، أو غير مصورة وهي السقط الذي لم تنفخ فيه الروح .

ويحتمل أن المعنى : ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ .

المخلقة : التامة الخلقة السالمة من العيوب .

غير المخلقة : الناقصة في العقل أو الذكاء أو الجوارح .

وقيل مخلقة : نفخت فيها الروح .

وغير مخلقة : لم تنفخ فيها الروح .

لنبين لكم . قدرتنا القادرة ، وأن وراء خلق الإنسان ، قدرة كاملة ، حيث تجعل أصغر الحيوانات المنوية ، يحمل خصائص كاملة من الوراثة .

أو لنبين لكم قدرتنا على الإبداع ، والتدرج في التكوين .

وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا .

ونسقط من الأرحام ما نشاء ، ونبقى فيها ما نشاء ، حتى تكمل مدة الحمل ، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ، ثم نرعاكم لتبلغوا تمام العقل والقوة ، ومنكم بعد ذلك من يتوفاه الله ، ومنكم من يمد له عمره حتى يصير إلى الهرم والخرف ، فيتوقف علمه وإدراكه للأشياء ، ومن بدأ خلقكم بهذه الصورة البديعة المتكاملة ، لا تعجزه إعادتكم .

وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .

وأمر آخر يدلكم على قدرتنا ، هو أنك ترى الأرض قاحلة يابسة ، فإذا أنزلنا عليها الماء ، دبت فيها الحياة ، وتحركت وزادت ، وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء ، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظره ، ويبهر حسنه ، وتبتهج لمرآه ، والآية تأخذ بأيدينا إلى إبداع القدرة الإلهية ، في تكوين الجنين في بطن أمه ، ومراحل حياته ، ووجوده في هذه الدنيا ، ونهايته وموته ، وكذلك الأرض وخصوبتها ، وحياتها بالمطر والنبات ، فإن الذي أحيا الإنسان ، وأحيا الأرض ، قادر على البعث والحشر والجزاء والثواب والعقاب ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ( الروم : 27 ) .

في أعقاب الآية :

أشارت الآية إلى سبع مراحل يمر بها الإنسان :

1 . أصلنا من التراب ، والمنى متولد من الماء والتراب والغذاء .

2 . النطفة وهي الحيوان المنوي من الذكر الذي يلقح البويضة ، عند الأنثى ، ثم يستقر بعد ذلك في الرحم .

3 . العلقة التي تعلق بجدار الرحم .

4 . المضغة المخلقة التامة الحواس ، فتصير تامة الصورة لمعالم الجسم ، أو ناقصة التصوير والمعالم .

جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ، أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح )vi .

وقد اتفق العلماء على أن نفخ الروح الحركية في الجنين ، يكون بعد مائة وعشرين يوما ، أي بعد تمام أربعة أشهر .

قال ابن عباس :

وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح ، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها ، أربعة أشهر وعشرة أيام .

5 - ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا . حيث ينزل الجنين طفلا مكتمل الحواس ، صالحا للنمو شيئا فشيئا .

6 - ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ . تتكامل القوة البدنية والعقلية ، حتى يصل الإنسان إلى حد الكمال في عنفوان الشباب ، مرورا بمرحلة الطفولة والناشئة والفتوة ثم الشباب .

7- مرحلة الشيخوخة والوصول إلى أرذل العمر والضعف ، ومن الناس من يموت قبل هذه المرحلة ، أوقبل المراحل السابقة عليها .

قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ . ( الروم : 54 ) .

فالله سبحانه القادر على تكوين الجنين ، وتطوير خلقته في بطن أمه ، وتطوير حياته من الضعف إلى القوة ثم الضعف ، هو سبحانه القادر على إعادة خلقه وإحيائه بعد موته ، كما يحي الأرض بعد موتها وهو على كل شيء قدير .

وقريب من هذا المعنى ما ورد في صدر سورة المؤمنون قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ . ( المؤمنون : 12 ، 16 ) .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

شرح الكلمات :

{ في ريب من البعث } : الريب الشك مع اضطراب النفس وحيرتها ، والبعث الحياة بعد الموت .

{ من نطفة } : قطرة المنّي التي يفرزها الزوجان .

{ علقة } : أي قطعة دم متجمد تتحول إليه النطفة في خلال أربعين يوماً .

{ مضغة } : أي قطعة لحم قدر ما يمضغ المرء تتحول العلقة إليها بعد أربعين يوما .

{ وغير مخلقة } : أي مصورة خلقاً تاماً ، مخلقة وغير مخلقة هي السقط يسقط قبل تمام خلقه .

{ لنبين لكم } : أي قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم بابتداء خلقكم كيف يكون .

{ ونقر في الأرحام ما نشاء } : أي ونبقي في الرحم نمن نريد له الحياة والبقاء إلى نهاية مدة الحمل ثم نخرجه طفلاً سوياً .

{ لتبلغوا أشدكم } : أي كمال أبدانكم وتمام عقولكم .

{ إلى أرذل العمر } : أي سن الشيخوخة والهرم فيخرف .

{ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً } : أي فيصير كالطفل في معارفه إذ ينسى كل علم علمه .

{ هامدة } : خامدة لا حراك لها ميتة .

{ اهتزت وربت } : أي تحركت بالنبات وارتفعت ترتبها وأنبتت .

{ زوج يهيج } : أي من كل نوع من أنواع النباتات جميل المنظر حسنه .

المعنى :

لما ذكر تعالى بعض أحوال القيامة وأهوالها ، وكان الكفر بالبعث الآخر هو العائق عن الاستجابة للطاعة وفعل الخير نادى تعالى الناس مرة أخرى ليعرض عليهم أدلة البعث العقلية لعلهم يؤمنون فقال : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } أي في شك وحيرة وقلق نفسي من شأن بعث الناس أحياء من قبورهم بعد موتهم وفنائهم لأجل حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا فإليكم ما يزيل شككم ويقطع حيرتم في هذه القضية العقدية وهو أن الله تعالى قد خلقكم من تراب أي خلق أصلكم وهو أبوكم آدم من تراب وبلا شك ، ثم خلقكم أنتم من نطفة أي ماء الرجل وماء المرأة وبلا شك ، ثم من علقة بعد تحول النطفة إليها ثم من مضغة بعد تحول العلقة إليها وهذا بلا شك أيضاً ، ثم المضغة إن شاء الله تحويلها إلى طفل خلقها وجعلها طفلاً ، وإن لم يشأ ذلك لم يخلقها وأسقطها من الرحم كما هو معروف و مشاهد ، وفعل الله ذلك من أجل أن يبين لكم قدرته وعلمه وحسن تدبيره لترهبوه تعظموه وتحبوه وتطيعوه وقوله : { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً } أي ونقر تلك المضغة المخلقة في الرحم إلى أجل مسمى وهو ميعاد ولادة الولد وإنهاء حمله ونخرجكم طفلاً أي أطفالا صغاراً لا علم لكم ولا حلم ، ثم ننميكم ونربيكم بما تعلمون من سننا في ذلك { ثم لتبلغوا أشدكم } أي تمام نماء أبدانكم وعقولكم { ومنكم من يتوفى } قبل بلوغه أشده لأن الحكمة الإلهية اقتضت وفاته ومنكم من يعيش ولا يموت حتى يرد إلى أرذل العمر فيهرم ويخرف ويصبح كالطفل لا يعلم بعد علمٍ كان له قبل هرمه إذ الذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة يوجب العقل قدرته على إحيائهم بعد موتهم ، إذ ليست الإعادة بأصعب من البداية .

ودليل عقلي آخر هو ما تضمنه قوله تعالى : { وترى الأرض } أيها الإنسان { هامدة } خامدة مميتة لا حراك فيها ولا حياة فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء من السماء { اهتزت } أي تحركت { وربت } أي ارتفعت وانتفخت تربتها وأخرجت من النباتات المختلفة الألوان والطعوم والروائح { من كل زوج بهيج } جميل المنظر حسنه ، أليس وجود تربة صالحة كوجود رحم صالحة وماء المطر كماء الفحل وتخلق النطفة في الرحم كتخلق البذرة في التربة وخروج الزرع حياً نامياً كخروج الولد حياً نامياً وهكذا إلى حصاد الزرع وموت الإنسان فهذان دليلان عقليان على صحة البعث الآخر وأنه كائن لا محالة وفوق ذلك كله إخبار الخالق وإعلامه خلقه بأنه سيعيدهم بعد موتهم فهل من العقل والمنطق أو الذوق أن نقول له لا فإنك لا تقدر على ذلك قولة كهذه قذرة عفنة لا يود أن يسمعها عقلاء الناس وأشرافهم . ولما ضرب تعالى هذين المثالين أو ساق هذين الدليلين على قدرته وعلمه وحكمته المقتضية لإعادة الناس أحياء بعد الموت والفناء للحساب والجزاء .

الهداية

من الهداية

- بيان تطور خلق الإنسان ودلالته على قدرة الله وعلمه وحمته .

- الاستدلال على الغائب بالحاضر المحسوس وهذا من شأن العقلاء فإن المعادلات الحسابية والجبرية قائمة على مثل ذلك .