تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

{ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 90 آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ 91 فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ 92 }

المفردات :

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر : أي : وجعلناهم يجاوزونه ويعبرونه من الغرب إلى الشرق حتى وصلوا إلى شاطئه الشرقي .

فأتبعهم فرعون : أي : تبعهم حتى اقترب منهم ، تقول : تبعته حتى أتبعته ، إذا كان قد سبقك فلحقته .

بغيا وعدوا : أي : ظلما ، وتجاوزا للحد فيه .

حتى إذا أدركه الغرق : أي : حتى إذا لحقه الغرق .

التفسير :

90 { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا . . . } الآية .

لما أعلم الله تعالى موسى وهارون باستجابة دعائهما على فرعون وقومه ، أمرهما أن يخرجا ببني إسرائيل من مصر ليلا ، فخرجا بهم على حين غفلة من فرعون وقومه ، فلما علم فرعون بخروجهم ؛ خرج هو وجنوده على إثرهم مسرعين في طلبهم بغيا وعدوانا ، والتفت بنو إسرائيل فإذا الطامة الكبرى وراءهم ؛ فقال بنو إسرائيل : يا موسى ، العدو وراءنا والبحر أمامنا ! فقال موسى : { إن معي ربي سيهدين } . ( الشعراء : 62 ) .

فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر ( وهو بحر القلزم المسمى : البحر الأحمر ، بحر السويس ) فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، أي : كالجبل العظيم ، وصار اثني عشر طريقا لكل سبط طريق وأمر الله الريح فنشّفت أرضه ، وسارت بنو إسرائيل في هذه الطرق اليابسة ، وعبرت إلى الشاطئ الآخر ، ووصل فرعون وجنوده إلى الساحل ، وكان طريق بني إسرائيل في البحر لا يزال باقيا ، فسار فيه فرعون بجنوده ، فلما اكتملوا جميعا فيه ، وهم أولهم بالخروج ، أمر الله العلي القدير البحر أن يرتطم عليهم ، فارتطم عليهم ، فارتطمت عليهم فلم ينج منهم أحد ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم ، وتراكمت الأمواج فوق فرعون ، وغشيته سكرات الموت .

قال : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا } .

أي : جعلنا بني إسرائيل يجاوزون البحر ويعبرونه ، من الغرب إلى الشرق حتى وصلوا إلى شاطئه الشرقي ، ثم دخل فرعون وجنوده في إثرهم ، فأطبق الله عليهم البحر ، وشاهد بنو إسرائيل جموعهم تنجو من فرعون وجنوده ، كما شاهدوا فرعون وجنوده غرقى في قلب البحر .

قال تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } . ( البقرة : 50 ) .

{ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } .

كان فرعون في مرحلة الغرغرة ، ورأى الموت رأى العين ؛ فاعترف بالإيمان اعترافا مكررا ثلاث مرات :

1 قال : آمنت .

2 أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل .

3 وأنا من المسلمين .

وهو في كل ذلك يحاول أن يفلت من الموت ؛ فأعلن إيمانه وشهد بأن الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل ، هو الإله الحق الواحد الأحد ، وأظهر إسلامه واستسلامه لهذا الدين ، ولهذا الطريق ، الذي حاربه بالأمس ، وادعى الألوهية ، وحرم على بني إسرائيل العبادة في دور العبادة . بيد أن هذه التوبة جاءت متأخرة ؛ لأنها جاءت بعد أن يئس من الحياة وشاهد الموت .

قال تعالى : { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها واله خبير بما تعملون } . ( المنافقون : 10 ، 11 ) .

فالله تعالى يقبل توبة العبد ما دام في هده الدنيا فإذا بلغت الروح الحلقوم ؛ فقد انتهت الحياة وأغلق باب التوبة ، قال تعالى : { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } . ( غافر : 84 ، 85 ) .

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي : أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) . xxxii والغرغرة : حشرجة الموت .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} بيان ذلك في طه...

{فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا}: ظلما، {وعدوا} يعني اعتداء،

{حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت} يعني صدقت، وذلك حين غشيه الموت،

{أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل} يعني بالذي صدقت به بنو إسرائيل من التوحيد، {وأنا من المسلمين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه. "فَأتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ "يقول: فتبعهم فرعون "وَجُنُودُهُ"... "بَغْيّا" على موسى وهارون ومن معهما من قومهما من بني إسرائيل. "وَعَدْوا" يقول: واعتداء عليهم...

"حتى إذَا أدْرَكَهُ الغَرَقُ" يقول: حتى إذا أحاط به الغرق. وفي الكلام متروك قد ترك ذكره بدلالة ما ظهر من الكلام عليه وذلك: فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا فيه، فغرّقناه "حتى إذَا أدْرَكَهُ الغرق".

وقوله: "قالَ آمَنْتُ أنّهُ لا إلَهَ إلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِن المُسلِمِينَ" يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل فرعون حين أشرف على الغرق وأيقن بالهلكة: "آمَنْتُ" يقول: أقررت، "أنّهُ لا إلَهَ إلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... ثم إيمانه لم يقبل في ذلك الوقت لوجهين:

أحدهما: لما يحتمل أن يكون إيمانه عند رؤية البأس وخوف الهلاك، فهو إيمان دفع البأس لا إيمان حقيقة، وهو على ما أخبر عن إيمان الكفرة في الآخرة لما عاينوا العذاب؛ كقولهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)؛ وكقوله تعالى: (رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)، وكقولهم: (نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، وأمثاله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما عاين فرعون، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ذلك قول دفع، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة واختيار.

والثاني: أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى اللَّه، فإذا آمن في وقت خرجت نفسه من يده لم يصر مسلمًا نفسه إلى اللَّه؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك.

ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن الإيمان باللَّه لا يكون إلا بالاستدلال بالشاهد على الغائب، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت؛ إذ لا يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر؛ لذلك لم يكن إيمان حقيقة، واللَّه أعلم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَحُّمِ البحر على إثرهم، فلمَّا تحقَّقَ الهلاك حَمَلَتْه ضرورةُ الحِيلةِ على الاستعاذة، فلم ينفَعه ذلك لفوات وقت الاختيار. ويقال لما شهد صوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة، لكن: بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاسْ...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصاً على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته، وقاله حين لم يبق له اختيار قط، وكانت المّرة الواحدة كافية في حال الاختيار وعند بقاء التكليف..

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أمر بالتأني الذي هو نتيجة العلم، عطف على ذلك الإخبار بالاستجابة قوله: {وجاوزنا} أي فعلنا بعظمتنا في إجازتهم فعل المناظر للآخر المباري له، ودل بإلصاق الباء بهم على مصاحبته سبحانه لهم دلالة على رضاه بفعلهم فقال: {ببني إسرائيل} أي عبدنا المخلص لنا {البحر} إعلاماً بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ما وعد فأهلك فرعون وملأه باتباعهم سبيل من لا يعلم بطشهم وعدم صبرهم، ونجى بني إسرائيل بصبرهم وخضوعهم؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في هذه المجاوزة ومقدماتها ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء الأحكام؛ وبين سبحانه كيفية إظهار استجابة الدعوة بقوله مسبباً عن المجاوزة: {فأتبعهم} أي بني إسرائيل {فرعون وجنوده} أي أوقعوا تبعهم أي حملوا نفوسهم على تبعهم، وهو السير في أثرهم، واتبعه -إذا سبقه فلحقه، ويقال: تبعه في الخير واتبعه في الشر. ولما أفهم ذلك، صرح به فقال: {بغياً} أي تعدياً للحق واستهانة بهم {وعدواً} أي ظلماً وتجاوزاً للحد.

ولما كان فاعل ذلك جديراً بأن يرجع عما سلكه من الوعورة، عجب منه في تماديه فقال- عاطفاً على ما تقديره: واستمر يتمادى في ذلك -: {حتى} ولما كانت رؤية انفراج البحر عن مواضع سيرهم مظنة تحقق رجوع الماء إلى مواضعه فيغرق، عبر بأداة التحقق فقال: {إذا أدركه} أي قهره وأحاط به {الغرق} أي الموت بالماء كما سأل موسى في أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم {قال آمنت} أي أوقعت إيمان الداعي لي من التكذيب؛ ثم علل إيمانه بقوله مبدلاً من {آمنت} في قراءة حمزة والكسائي بالكسر مؤكداً من شدة الجزع: {أنه} وعلى تقدير الباء تعليلاً في قراءة الجماعة أي معترفاً بأنه {لا إله إلا الذي} ويجوز أن يكون أوقع {آمنت} على {أنه} وما بعدها -أي {آمنت} نفي الإلهية عن كل شيء غير من استثنيته من أن أعبره أو أرجع عنه.

ولما كان قد تحقق الهلاك وعلم أنه لا نجاة إلا بالصدق، أراد الإعلام بغاية صدقه فقال: {آمنت} أي أوقعت التصديق معترفة {به بنو إسرائيل} فعينه تعييناً أزال الاحتمال؛ ثم قال: {وأنا من المسلمين} فكرر قبول ما كان دعي إليه فأباه استكباراً، وعبر بما دل على ادعاء الرسوخ فيه بياناً لأنه ذل ذلاً لم يبق معه شيء من ذلك الكبر ولم ينفعه ذلك لفوات شرطه، فاتصل ذله ذلك بذل الخزي في البرزخ وما بعده، وقد كانت المرة الواحدة كافية له عند وجود الشرط.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وجَاوزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر} يقال جاز المكان وجاوزه إذا ذهب فيه وقطعه حتى خلفه وراءه. وأصله من جوز الطريق ونحوه وهو وسطه... ومجاوزة الله البحر بهم عبارة عن كونهم جاوزوه بمعونته تعالى وقدرته وحفظه، إذ كان آية من آياته لنبيه موسى عليه السلام بفرقه تعالى بهم البحر وانفلاقه لهم كما تقدم في سورة البقرة والأعراف.

{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْياً وعَدْواً} أي لحقهم فأدركهم ظلما وعدوانا عليهم ليفتك بهم، أو يعيدهم إلى مصر حيث يتعبدهم ويسومهم سوء العذاب.

{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} أي فخاض البحر وراءهم حتى إذا وصل إلى حد الغرق قال {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ} أي قال قبل أن يغرق- وهو يدل على أن البحر لم يطبق عليه دفعة واحدة-: آمنت أنه لا إله بالحق إلا الرب الذي آمنت به جماعة بني إسرائيل بدعوة موسى.

{وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي أنا فرد من جماعة المذعنين له، المنقادين لأمره، بعد ما كان من كفر الجحود بآياته والعناد لرسوله، يعني أنه جمع بين الإيمان الذي هو التصديق بالقلب، والإسلام الذي هو الإذعان والخضوع بالفعل، بدون امتياز لعظمة الملك، وكان من قبل جاحدا، أي مصدقا غير مذعن ولا خاضع، بدليل قوله تعالى فيه وفي آله {وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] يعني آيات موسى. وهذه هي العاقبة، وقد أجيب فيها فرعون عن دعواه بقوله تعالى -الذي يعرف بلسان الحال أو بقول جبريل عليه السلام-: {آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِين}.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إنه الموقف الحاسم والمشهد الأخير في قصة التحدي والتكذيب. والسياق يعرضه مختصراً مجملاً، لأن الغرض من سياقة هذه الحلقة من القصة في هذه السورة هو بيان هذه الخاتمة. بيان رعاية اللّه وحمايته لأوليائه، وإنزال العذاب والهلاك بأعدائه، الذين يغفلون عن آياته الكونية وآياته مع رسله حتى تأخذهم الآية التي لا ينفع بعدها ندم ولا توبة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

معطوفة على جملة {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَتَبَوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً} [يونس: 87] عطف الغرض على التمهيد، أي، أمرناهما باتخاذ تلك البيوت تهيئة للسفر ومجاوزة البحر.

وجاوزنا، أي قطعنا بهم البحر، والباء للتعدية، أي أقطعناهم البحر بمعنى جعلناهم قاطعين البحر. وتقدم نظيره في سورة الأعراف [138]. ومجاوزتهم البحر تقتضي خوضهم فيه، وذلك أن الله جعل لهم طرائق في البحر يمُرون منها.

و {أتبعهم} بمعنى لحقهم. يقال: تَبعه فأتْبَعَه إذا سار خلفه فأدركه. ومنه {فأتبعَه شهابٌ ثاقب} [الصافات: 10]. وقيل: أتبع مُرادف تبع.

والبغي: الظلم، مصدر بغى. وتقدم عند قوله تعالى: {والإثم البغيَ بغير الحق} في [الأعراف: 33].

والعَدْو: مصدر عدا. وهو تجاوز الحد في الظلم، وهو مسوق لتأكيد البغي. وإنما عطف لما فيه من زيادة المعنى في الظلم باعتبار اشتقاق فعل عدا.

والمعنى: أن فرعون دخل البحر يتقصّى آثارهم فسار في تلك الطرائق يريد الإحاطة بهم ومنْعَهم من السفر، وإنما كان اتباعه إياهم ظلماً وعُدواناً إذ ليس له فيه شائبة حق، لأن بني إسرائيل أرادوا مفارقة بلاد فرعون وليست مفارقة أحد بلده محظورة إن لم يكن لأحد عليه حق في البقاء، فإن لذي الوطن حقاً في الإقامة في وطنه فإذا رام مغادرة وطنه فقد تخلى عن حق له، وللإنسان أن يتخلى عن حقه، فلذلك كان الخَلع في الجاهلية عقاباً، وكان النفي والتغريب في الإسلام عقوبة لا تقع إلا بموجب شرعي، وكان الإمساك بالمكان عقاباً، ومنه السجن، فليس الخروج من الوطن طوعاً بعُدوان. فلما رام فرعون منع بني إسرائيل من الخروج وشدّ للحاق بهم لردهم كرهاً كان في ذلك ظالماً معتدياً، لأنه يبتغي بذلك إكراههم على البقاء ولأن غرضه من ذلك تسخيرهم.

و {حتى} ابتدائية لوقوع {إذا} الفُجائية بعدها. وهي غاية للإتباع، أي استمر إتباعه إياهم إلى وقت إدراك الغرق إياه، كل ذلك لا يفتأ يجدّ في إدراكهم إلى أن أنجى الله بني إسرائيل فاخترقوا البحر، ورد الله غمرة الماء على فرعون وجنوده، فغرقوا وهلك فرعون غريقاً، فمنتهى الغاية هو الزمان المستفاد من (إذا)، والجملة المضافة هي إليها وفي ذلك إيجاز حذفٍ. والتقدير: حتى أدركه الغرق فإذا أدركه الغرق قال آمنت، لأن الكلام مسوق لكون الغاية وهي إدراك الغرق إياه فعند ذلك انتهى الإتباع، وليست الغاية هي قوله: {آمنت} وإن كان الأمران متقارنين.

والإدراك: اللحاق وانتهاء السير. وهو يؤذن بأن الغرق دنا منه تدريجياً بهول البحر ومصارعته الموج، وهو يأمل النجاة منه، وأنه لم يُظهر الإيمان حتى أيس من النجاة وأيقن بالموت، وذلك لتصلبه في الكفر.

وتركيب الجملة إيجاز، لأنها قامت مقام خمس جمل:

جملة: تفيد أن فرعون حاول اللحاق ببني إسرائيل إلى أقصى أحوال الإمكان والطمع في اللحاق.

وجملة: تفيد أنه لم يلحقهم.

وهاتان مستفادان من (حتى)، وهاتان منَّة على بني إسرائيل.

وجملة: تفيد أنه غمره الماء فغرق، وهذه مستفادة من قوله: {أدركه الغرق} وهي عقوبة له وكرامة لموسى عليه السلام.

وجملة: تفيد أنه لم يسعه إلا الإيمان بالله لأنه قهرته أدلة الإيمان. وهذه مستفادة من ربط جملة إيمانه بالظرف في قوله: {إذا أدركه الغرق}. وهذه منقبة للإيمان وأن الحق يغلب الباطل في النهاية.

وجملة: تفيد أنه مَا آمن حتى أيس من النجاة لتصلبه في الكفر ومع ذلك غلبه الله. وهذه موعظة للكافرين وعزة لله تعالى.

وقد بُني نظم الكلام على جملة: {إذا أدركه الغرق}، وجعل ما معها كالوسيلة إليها، فجعلت (حتى) لبيان غاية الإتْبَاع وجعلت الغاية أن قال: {آمنتُ} لأن إتباعه بني إسرائيل كان مندفعاً إليه بدافع حنقه عليهم لأجل الدين الذي جاء به رسولهم ليخرجهم من أرضه، فكانت غايتُه إيمانَه بحقهم. ولذلك قال: {الذي آمنت به بنو إسرائيل} ليفيد مع اعترافه بالله تصويبه لبني إسرائيل فيما هُدوا إليه، فجعل الصلة طريقاً لمعرفته بالله، ولعدم علمه بالصفات المختصة بالله إلا ما تضمنته الصلة إذ لم يتبصر في دعوة موسى تمام التبصر، ولذلك احتاج أن يزيد {وأنا من المسلمين} لأنه كان يسمع من موسى دعوتَه لأنْ يكون مسلماً فنطق بما كان يسمعه وجعل نفسه من زمرة الذين يحق عليهم ذلك الوصف، ولذلك لم يقل: أسلمتُ، بل قال أنا من المسلمين، أي يلزمني ما التزموه. جاء بإيمانه مجملاً لضيق الوقت عن التفصيل ولعدم معرفته تفصيله.

وسيأتي قريباً في تفسير الآية التي بعد هذه تحقيق صفة غرق فرعون، وما كان في بقاء بدنه بعد غرقه.