{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 55 ) } .
بعد أن بين الله تعالى أن من أطاع الرسول فقد اهتدى إلى الحق ، ومن اهتدى إلى الحق فجزاؤه دار النعيم ، أردف ذلك وعده الكريم بأنه سيجعل المؤمنين المطيعين لله ورسوله خلفاء في الأرض ، ويؤيدهم بالنصرة والإعزاز ، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا ، فيعبدون الله وحده وهم آمنون ، ومن جحد هذه النعم من بعد ذلك فقد عصى ربه ، وكفر أنعمه .
روى الطبراني ، والحاكم ، وابن مردويه ، عن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه المدينة وآوتهم الأنصار ؛ رمتهم العرب عن قوس واحدة ، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه ، فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت الآية .
55 - وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ . . . الآية .
أي : وعد الله المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم ، ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم ، وليجعلنهم ملوكها وساستها ، كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة وجعلهم ملوكها وسكانها .
وقد وفى سبحانه بوعده ، فإنه لم يمت صلى الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب ، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم ، والمقوقس في مصر ، والنجاشي ملك الحبشة .
ولما قبض صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، قام بالأمر من بعده الخلفاء الراشدون ، فنهجوا منهجه ، وافتتحوا كثيرا من المشرق والمغرب ، ومزقوا ملك الأكاسرة ، وملكوا خزائنهم ، واستعبدوا أبناء القياصرة ، وصدق قول رسوله : ( إن الله زوى لى الأرض ؛ فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها )227 .
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ . . .
أي : وليجعلن دين الإسلام راسخا قويا ثابت القدم ، ويعظم أهله في نفوس أعدائه الذين يواصلون الليل بالنهار في التدبير لإطفاء أنواره ، لتعفو آثاره .
وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا . . .
أي : وليغيرن حالهم من الخوف إلى الأمن ، قال الربيع بن أنس : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين ، يدعون إلى الله وحده ، وإلى عبادته وحده لا شريك له ، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة فقدموها ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ، فصبروا على ذلك ما شاء الله ، ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله ، أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لن تصبروا إلا يسيرا ، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة ) . فأنزل الله : وعد الله الذين آمنوا . . . إلى آخر الآية .
ونحو الآية قوله تعالى : وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ( الأنفال : 26 ) .
ثم أتبع ذلك بتعليل التمكين وما بعده بقوله :
يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا . . .
أي : يعبدونني غير خائفين أحدا غيري .
وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
أي : ومن جحد هذه النعم فأولئك هم الذين أنكروا فضل المنعم بها ، وتناسوا جليل خطرها .
رأى المودودي في استخلاف المؤمنين الصالحين :
يقول الأستاذ المودودي : هذا وعد من الله تعالى للمسلمين بأنه سيجعلهم خلفاء الأرض ، أي : أئمة الناس وقادتهم . والمقصود من هذه الآية : تنبيه المنافقين إلى أن هذا الوعد الذي قد قطعه الله – تبارك وتعالى – للمسلمين ، ليس الخطاب فيه لكل من ينتمي إلى الإسلام ولو اسما ، بل إنما هو للمسلمين الذين هم صادقون في إيمانهم ، وصالحون باعتبار أخلاقهم وأعمالهم ، ومتبعون لدين الله الذي قد ارتضاه وملتزمون لعبادته وعبوديته وحده وغير مشركين به شيئا ، وأما الذين ليسوا على تلك الصفات وإنما يدعون الإيمان بألسنتهم : فلا يستأهلون هذا الوعد لأنه لم يقطع لهم ، فلا يرجون أن ينالوا نصيبا منه .
قد رأينا بعض المغرضين من الناس يجعلون ( الخلافة ) بمعنى مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم والتمكن ، ثم يستنتجون من هذه الآية أن كل من حصل له العلو والغلبة في الأرض ، فهو مؤمن صالح متبع لدين الله المرتضي ، قائم بعبوديته مجتنب للشرك به ، بل هم – فوق ذلك – يبدلون مفهوم كل كلمة من كلمات الإيمان والصلاح والدين والعبادة والشرك ، حتى يجعلوها متفقة مع أهوائهم ونظريتهم الزائفة هذه . فهذا أشنع تحريف معنوي للقرآن ، قد فاق تحريف اليهود والنصارى لكتبهم ، وبين لآية الاستخلاف هذه معنى يريد أن يمسخ تعليم القرآن كله ولا يترك شيئا من الإسلام في مقامه ، فإنه لا بد بعد هذا التحريف للخلافة أن تنطبق هذه الآية على كل من لهم العلو والغلبة في الأرض اليوم ، أو كانت لهم في الزمن الماضي ، ولو كانوا جاحدين بالله والرسالة والوحي واليوم الآخر . منغمسين في أدناس الفسق والفجور التي قد عدها القرآن من الكبائر ، كأكل الربا وارتكاب الزنا وشرب الخمر ولعب الميسر وما إليها . فإن كان أمثال هؤلاء من المؤمنين الصالحين ، ولأجل إيمانهم وصلاحهم نالوا العلو والغلبة في الأرض ، فأي معنى يمكن أن يكون للإيمان غير الإذعان لقوانين الطبيعة ، وللصلاح غير العمل وفق هذه القوانين ؟ وماذا يمكن أن يكون دين الله المرتضى غير بلوغ الكمال في العلوم الطبيعية وترقية الصناعة والتجارة والسياسة القومية ؟ وهل يمكن بعد التسليم بنظريتهم الزائفة أن تكون عبادة الله غير التزام القواعد والضوابط التي تساعد على بلوغ النجاح في السعي الفردي والاجتماعي فطرة ؟ وهل يبقى الشرك إذن عبارة عن شيء غير مزج هذه القواعد والضوابط المفيدة بالطرق المضرة ؟ ولكن هل لأحد قد قرأ القرآن مرة بقلب مفتوح وعينين مبصرتين أن يقول بأن هذه هي المعاني لكلمات الإيمان والعمل الصالح ودين الحق والعبادة والتوحيد والشرك المذكورة في القرآن ؟ الحقيقة أنه لا يكاد يقول هذه المعاني إلا رجل لم يكن قد قرأ القرآن ولا مرة واحدة من بدئه إلى آخره مع فهم معانيه ، وإدراك مقاصده ، وإنما أخذ آية من هنا وأخرى من هناك فحرفها وفقا لأهوائه ونظرياته وأفكاره ، أو رجل مازال عند قراءته للقرآن يبطل ويخطئ بزعمه جميع الآيات التي فيها دعوة الناس إلى الإيمان بالله ربا واحدا ، وإلها لا شريك له ، وبوحيه الذي أنزل على رسوله وسيلة وحيدة لمعرفة الهداية ، وبكل نبي أرسله إلى الدنيا قائدا يجب على الناس أن يطيعوه ، أو فيها الأمر للناس باعتقاد حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا ، بل قيل لهم فيها أن لا فلاح للذين يريدون الحياة الدنيا فقط وهم عن الآخرة غافلون .
وهذه الموضوعات قد أبدئ في ذكرها وأعيد في القرآن بكثرة وبطرق مختلفة وبألفاظ واضحة صريحة ، حيث يتعسر علينا تصديق أن يقرأ أحد القرآن بإخلاص وأمانة ثم يقع في مثل الأخطاء والأغلوطات التي قد وقع فيها هؤلاء المفسرون الجدد لآية الاستخلاف ، فالحقيقة أن المعنى الذي بينوه لكلمتي الخلافة والاستخلاف وعلى أساسه قد رفعوا بناءهم ، إنما اختلقوه من عند أنفسهم ، ولا يكاد يقول به أحد يعرف القرآن .
إن القرآن يستعمل كلمة الخلافة بثلاثة معان مختلفة ، وفي كل موضع من مواضع استعماله لهذه الكلمة تعرف بسياقها ، في أي معنى من هذه المعاني الثلاثة قد استعملها . فمعناها الأول : ( حمل أمانة السلطة والصلاحيات ) ، وبهذا المعنى أن ذرية آدم كلها خليفة الله في الأرض . ومعناها الثاني : ( ممارسة صلاحيات الخلافة تحت أمر الله التشريعي ، لا تحت أمره التكويني فقط ، مع التسليم بحاكميته العليا ) ، وبهذا المعنى إنما المؤمن الصالح هو الخليفة في الأرض ، لأنه هو الذي يؤدي حق الخلافة على وجهه الصحيح ، وعلى العكس منه ليس الكافر والفاسق بخليفة لله ، بل هو خارج عليه ، لأنه يتصرف في ملكه على طريق معصيته . ومعناها الثالث : ( قيام أمة جديدة مقام أمة غالبة في عصر من العصور بعد انقراضها ) . المعنيان الأولان مأخوذان من الخلافة بمعنى النيابة ، والمعنى الثالث مأخوذ من الخلافة بمعنى البقاء والقيام مقام الغير ، وهذان المعنيان لكلمة الخلافة معروفان في لغة العرب . فمن قرأ الآن آية الاستخلاف بهذا السياق فإنه لا يكاد يشك لطرفة عين في أن كلمة الخلافة قد استعملت في هذا المقام بمعنى الحكومة القائمة بحق نيابة الله تعالى وفق أمره الشرعي ، ولأجل ذلك يأبى الله تعالى أن يشمل المنافقين المدعين بإسلامهم في وعده الذي يقطعه للمسلمين في هذه الآية ، فضلا عن أن يشمل فيه الكفار ، ولأجل ذلك يقول إنه لا يستحق هذا الوعد إلا المتصفون بصفات الإيمان والعمل الصالح ، ولجل ذلك يذكر – سبحانه وتعالى – من ثمرات قيام الخلافة في الأرض أن يقوم دينه الذي ارتضى – أي : الإسلام – على الأسس القوية ، ولأجل ذلك ذكر هذه النعمة مشترطة بأن يبقى المسلمون قائمين بحق عبادته : يعبدونني لا يشركون بي شيئا . أما توسيع هذا الوعد إلى النطاق الدولي ، والتقرب به إلى كل من كان له العلو والكلمة النافذة في العالم – أمريكا أو روسيا أو غيرهما – فإن هو إلا طغيان في الغي ، وتماد في الجهل والضلال ولا غير .
وأمر آخ يجدر بالذكر في هذا المقام ، هو أن هذا الوعد ، وإن كان شاملا للمسلمين في جميع الأزمان ، ولكن الخطاب المباشر فيه لأولئك المسلمين الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وحقا إن المسلمين كانوا في حالة شديدة من الخوف أيام نزول هذا الوعد ، حتى كانوا لا يضعون سلاحهم ، وما كان دين الإسلام قد تمكن لهم حتى ولا في أرض الحجاز ، ولكن هذه الحالة ما تبدلت في عدة سنوات بحالة الأمن والرفاهية والطمأنينة فحسب ، بل تجاوز فيها الإسلام حدود جزيرة العرب وانتشر في أكبر جزء من أفريقية وآسيا ، ولم ترسخ جذوره في منبت أرومته فقط بل وفي أكثر أقطار الأرض . فهذا شاهد تاريخي بأن الله تعالى قد أنجز وعده في أبي بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم – ولا يكاد يشك بعد ذلك رجل يقيم أدنى وزن للإنصاف في أن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حق قد صادق عليه القرآن نفسه ، وأن الله تعالى نفسه يشهد بكونهم مؤمنين صالحين . بيد أن من كان في ريب من ذلك ، فعليه أن يراجع كتاب نهج البلاغة ويقرأ فيه الكلام الآتي لسيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – لما استشاره عمر في غزو الفرس بنفسه :
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال – عز اسمه - : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ . . . والله منجز وعده وناصر جنده . ومكان القيم بالأمر228 مكان النظام من الخرز : يجمعه ويضمه ، فإذا انقطع النظام ، تفرق الخرز وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا . والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلين ، فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالاجتماع ، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب . فإنك إن شخصت229 من هذه الأرض انقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك .
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا : هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبيهم عليك230 وطمعهم فيك . فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله – سبحانه – هو أكره لمسيرهم وهو أقدر على تغيير ما يكره ، وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة231 .
ولكل من يقرأ هذا الكلام أن يرى : من الذي يجعله سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – مصداقا لآية الاستخلاف ؟
وأما قوله تعالى بعد ذكر هذا الوعد : ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون . فالمراد بالكفر فيه : إما الكفران بنعمة الله ، أو الإنكار لما أنزل من الحق .
فباعتبار المعنى الأول : يصدق هذا القول على الذين يعدلون عن الطريق الحق ، بعد نيلهم نعمة الخلافة ، وباعتبار المعنى الثاني : يصدق على المنافقين الذين يصرون على نفاقهم حتى بعد علمهم بهذا الوعد من الله تعالى232 .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَعَدَ اللّهُ الّذِين آمَنُوا" بالله ورسوله "مِنْكُمْ "أيها الناس، "وَعمِلُوا الصّالِحاتِ"، يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه "لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ" يقول: لَيُورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها، "كمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"، يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها، "وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ" يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها...
قوله: "وَلَيُبَدّلَنّهُمْ":.. وليغّيرَنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بُدّل فلان: إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدّل (بالتشديد)...
وقوله: "يَعْبُدُونَني" يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي.
"لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا" يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هُمْ فيه من الرّعب والخوف وما يَلْقَون بسبب ذلك من الأذى والمكروه...
عن أبي العالية، قوله: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات..."، قال: مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْبُرُونَ إلاّ يَسِيرا حتى يَجْلِسَ الرّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظيمِ مُحْتَبِيا فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ». فأنزل الله هذه الآية: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ" إلى قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" قال: يقول: من كفر بهذه النعمة فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجَبّروا، فغَيّر الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم...
واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. ورُوى عن حُذيفة في ذلك ما:
حدثنا به ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك؟ قال: علمت ذلك، قال: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ..." حتى بلغ آخرها...
والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك "فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ".
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"ومن كفر بعد ذلك" يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به "فأولئك هم الفاسقون" وانما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق،لأحد أمرين: أحدهما -أنه أراد الخارجين في كفرهم إلى أفحشه، لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكبره. الثاني- أراد من كفر تلك النعمة بالفساد بعدها فسق، وليس يعني الكفر بالله...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
وَعْدُ الله حقٌّ وكلامُه صدقٌ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه -بالإجماع- لم يتقدمهم في الفضيلة -إلى يومنا- أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم، وصدَق وعدُ الله فيهم، وهم على الدين المرضيِّ من قِبلِ الله، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذَّبِّ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام. وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله..
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورّثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه...
{وَمَن كَفَرَ} يريد كفران النعمة...فإن قلت: هل في هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت: أوضح دليل وأبينه؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.
بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا ولا يخافون {ومن كفر} أي من بعد هذا الوعد وارتد {فأولئك هم الفاسقون}...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك، وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرمه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام...فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبعد استعراض أمر المنافقين، والانتهاء منه على هذا النحو.. يدعهم السياق وشأنهم، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين، يبين جزاء الطاعة المخلصة، والإيمان العامل، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير:
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم؛ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)..
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.. ذلك وعد الله. ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده.. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله؛ وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من عند الله.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا.. يتوجه بهذا كله إلى الله.. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.
ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض.. أمانة الاستخلاف..
إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله.
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان!
وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض -كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم- ليحققوا النهج الذي أراده الله؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.
آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم).. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض. ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.
(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).. ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة.
قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عليه وسلم -"لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة" . وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه [صلى الله عليه وسلم] فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف؛ فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم..
(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).. الخارجون على شرط الله. ووعد الله. وعهد الله..
لقد تحقق وعد الله مرة. وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط الله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا).. لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون- من الإيمان -ويعملون صالحا. ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطى ء النصر والاستخلاف والتمكين والأمن. لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة؛ حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده...وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطاً بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعاً بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع...ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعُها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامُها سكانه. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: {واستعمركم فيها} [هود: 61]. وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله: {ليستخلفنهم} دون تقييد بقوله: {في الأرض} ل {ليستخلفنهم} للإيماء إلى أن الاستخلاف يحصل في معظم الأرض. وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج بلاد الأندلس من حكم الإسلام. ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم.
أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :
والآيات تدلّ على أن طاعة اللَّه بالإيمان به، والعلم الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} اللام تنبئ عن قسم مضمر في القول، فالله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بسبب إيمانهم، وعلمهم الصالح في الطاعات والمعاملات الإنسانية وعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من بعد نوح كعاد، وغيرهم خلفاء مسيطرين على ما في الأرض، وقد أكد سبحانه وتعالى وعده بالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وبالمشابهة بينهم، وبين من سبقوهم ممن جعلهم خلفاء في الأرض. وإن ذلك تبشير للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم في جهاده، وهو ماض إلى يوم القيامة، وليست الخلافة هي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها خلافة الله في الأرض بمقتضى الفطرة الإنسانية التي قال تعالى فيها: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... (30)} [البقرة]، فهي السلطان في الأرض بمقتضى التمكين الإلهي... وإن استخلافهم في الأرض كان معه أمور أعزتهم وأعلتهم، ذكرها سبحانه في قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمّْ} وهذا هو الأمر الأول...والثاني بينه سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}، أي يجعل الله تعالى من بعد الخوف المستمر من المشركين آمنا دائما مستقرا، وكان التنكير لبيان عظيم الأمن، وإنه أمن مستقر ثابت... {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}، أي يعبدونني وحدي في عامة أمورهم، لا يشركون بي شيئا في عبادة ولا طاعة ولا عمل...فإن استمروا على ذلك استمر لهم السلطان في الأرض.
{وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي من كفر وخالف وعصى الله بعد التمكين والأمن والاستقرار {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي الخارجون الجائرون البائرون فلا يكون كفرهم مجرد جحود، بل هو الضياع لا محالة...
{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تبين الغث من السمين، ألا ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة...والوعد: بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضده الوعيد أو الإنذار بشر أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافى الوقوع في أسبابه.وما دام الوعد من الله تعالى فهو صدق...فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ {ليستخلفنهم في الأرض} وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل {كما استخلف الذين من قبلهم}، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا برد العدوان...
لكن، ما المراد بالأرض في {ليستخلفنهم في الأرض}؟ إذا جاءت الأرض هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض...
ثم يقول تعالى: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} ففوق الاستخلاف في الأرض يمكن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا في ضوئه وعلى هديه، لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة. وقوله سبحانه: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أمنا، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أن يحافظوا على الخلافة هذه، وأن يقوموا بحقها {يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض} فيجعل لهم القوّة والسيطرة والخلافة، بحيث يصبحون الأمناء على إدارة شؤون الأرض التي يسيطرون عليها {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة التي عاشت الاضطهاد والقهر والإذلال، ولكن الله جعلها في موقع الانتصار والقوّة، فاستطاعت تكوين مجتمعاتها الصالحة، كما حدّثنا الله عن بعض هؤلاء في قوله تعالى: {وَمَا لنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أرضنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين} [إبراهيم: 12-13] وبذلك تكون الإشارة إلى القوم الصالحين الذين سبقوهم من أتباع الأنبياء...
{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارْتَضَى لَهُمْ} وذلك بانتشاره بين الناس، بحيث يتحوّل إلى مركز قوّة في الساحة الفكرية والعملية، لكثرة المنتسبين إليه، والداعين إلى اعتناقه، والمتحركين من خلال مفاهيمه، والدارسين له، والحاكمين باسمه...وإننا نعتقد أن الآية جاءت من أجل أن تثير في نفوس المسلمين الثقة الكبيرة بالله وبأنفسهم، وتكشف لهم الغيب الإلهيّ الذي يتحرك من سنن الله في الكون، في ما يمنحهم الله من لطفه وفي ما يأخذ به الناس من أسباب النصر، في الدعوة والحركة والجهاد، في كل ما تحتاجه الحياة من عناصر القوّة للرسالة وللإنسان، كي لا يتساقطوا تحت تأثير الضغوط الصعبة التي تطبق عليهم وتحيط بهم من كل جانب، وكي لا يضعفوا أمام نوازع الضعف الكامنة فيهم، ليستمروا في التحرك، وليتابعوا المسيرة بقوّةٍ وجدٍّ وإخلاص..